ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا

الهدف الثقافي // 12-07-2007

خالد الوادي / العراق

نصوص اخرى

 

 

 اشبـــــاح

 

اعتادت عيناي ان تنظر الى الاشياء بأحاسيس مختلفة .. فالقمر يعني الامل .. والاشجار تعني الحياة .. والبكاء يعني الالم .. اما الدم فأنه  الموت .. ذلك المصير المحتوم الذي ينال كل كائن على هذه الارض الرخوة الدائمة الدوران .. وكالعادة فانا قابع في البيت كل مساء  .. لا يجوز لي الخروج حتى  طلوع الشمس التي ما ان تبزغ حتى تجلب معها  الزحام والحركة والخوف والقتل .. اقبع هنا بين جدران المنزل الصغير اراقب العالم من خلال التلفاز .. تلك النافذة العجيبة التي تنقل الاخبار وعادات الشعوب من اصقاع العالم كله .. الفرح .. الحزن .. القسوة .. الرومانسية .. الفن .. الغرابة .. الاجواء الممطرة .... الرخاء .. الفقر .. جميع هذا وغيره بالامكان متابعته والتاثر به من خلال ذلك الصندوق العجيب ..

 
شمس الغروب تخللت خيوطها زجاج النافذة .. لتدخل الى الحجرة بهدوء .. كأنني هنا اتهيأ  لليل جديد .. الاجواء من حولي توحي بقرب ساعة الاسر التي تجعلني قابع بين الجدران والذكريات .. وفجأة خيم الظلام .. واشرق القمر الذي كان نصفا .. وجاءت معه السكينة المقرفة التي لفت شارعنا بصمت رهيب ..
 
ما عدت آابه بالاعتقال .. فلقد تعودت على ذلك .. واصبحت هذه الاجواء تهدأ من روعي وتجعلني مطمئنا مبتعدا عن الموت المحتم الذي ينتشر في الشوارع والساحات والاماكن العامة .. شئ رخيص اصبح ذلك الانسان  في هذا الزمن القذر .. ارخص حتى من الدجاجة .. التي تباع اليوم .. بمبلغ ليس باليسير ..
 
صراخ طفلتي لم يهدأ في ذلك المساء الهادئ .. فهي رضيعة .. وقد جف ثدي امها منذ زمن ..
ـ آه لقد نسيت ان اجلب معي الحليب .. بل الحقيقة انني خفت من دخول السوق وكان حدسي يقينا .. لقد انفجرت سيارة ملغومة وسط الناس لتحول اجسادهم الى اشلاء اختلطت مع الحليب والخضار واشياء اخرى ..
رعب مستمر .. الجميع اموات .. لكن الصدفة هي الفاصل بين الحياة  والموت
ـ لابد من ان تذهب الى جارنا وتقترض شيئا من الحليب الجاف .. فالطفلة تكاد تموت جوعا ..
قالتها زوجتي بدافع الحنان الذي يملأ قلبها وكيانها
ـ مجازفة .. اليس كذلك .. وعمل بطولي لا يقبل النقاش
تحركت ببطء .. واصبحت وسط الشارع .. وحصلت على ما اريد .. وعدت ادراجي .. الا ان شيئا راود عيني .. كان واقفا في نهاية الشارع .. له خفة عجيبة .. ارتعدت فرائصي .. انه شبح .. ما الذي يريده  .. لم اتخيل انني سأرى شبحا في حياتي .. ولكني ايقنت من وجوده في زمن اصبحت بفيه  كل الاشياء ممكنة .
ـ دخلت البيت وجلست الى الاريكة .. وقد هدأت طفلتي المسكينة التي لا تعرف شيئا سوى الحليب .. لقد عدت اتابع التلفاز .. الذي كان يعرض حصيلة القتلى لهذا اليوم ..
الباب يطرق بهدوء .. ما الذي يجري ومن هو ذلك الهمام الذي يشبهني ويجازف في الخروج الى الشارع .. اصبح الطرق عاليا .. اتجهت بأختلاس وريبة صوبه .. فتحت .. آه .. آه .. آه .. انه الشبح ذاته الذي رأيته قبل برهة
ـ هل تسمح لي ان ادخل ..هل انت منفردا وحدك في الحجرة ؟ قالها مبتسما بشكله المائي الذي يشبه الثلج ..
ـ تفضل .. قلتها مرتعبا
دخلنا سوية .. الا انه اخترق الجدار وجلس بمكاني على الاريكة لبرهة طالع من خلالها المكان بصمت  ومن ثم رحل .
 
لم اعد اشعر بالسكينة السابقة وتحولت الى رجل قلق خائف تراودني الظنون والمشاعر الغريبة وانا وسط بيتي الصغير .. حسابات جعلتني مندهشا .. واصوات ارعبت اجزائي الهشه ، تدخل مسامعي ، اتية من صوب شارعنا الضيق .. واضواء ينبعث بصيصها بلؤم .. تناثرت بفوضى عارمة .. قررت ان ارى ما يجري في الشارع .. فتحت الباب الذي اصدر صريرا كاد ان يقلع قلبي من شدة الخوف .. ورحت اطالع ..
 
ـ يا الهي ما هذا .. غيوم تتماوج .. وعيون تلتمع.. وتساءلت مع نفسي .. هل الارض اصبحت السماء .. وهل ان المطر سينبعث من هنا .. وفي لجة هذا المشهد .. تدفقت تلك الغيوم الى منزلي .. وادركت اخيرا انها الاشباح التي اجتاحت كل حيز من منزلي .. واصوات تنطلق هادرة عصية على فهمي .. تطلقها تلك المخلوقات التي احتلت اخر ما املك .
 
 
 

انتهت

 

_____________________


 

 

التعليقـــات .....
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال   علــق على هذا الموضوع