مواقع واعلام

صـور

** اهــــــلا وسهــــلا بكم في الهدف الثقافي...... نتمنى لكم جولة هادئه في رحاب الفن والادب الذي نطمح ان نهئ اطيافهما قريبا ان شاء الله ...... لوحة تشكيلية ام خط عربي .....نص مسرحي ..... مقال ادبي او نص شعري عربي ام  مترجم .........صورة مؤثرة لمخلفات يد ارهابي نتن..... رواية عربية او قصة قصيرة ..... الهدف الثقافي معكم اينما كنتم يستقبل انتاجاتكم في كل مجالات الادب والفن ..... تحياتي لكم  اينما كنتم **

لوحات خط

لوحات زيتيه

ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا


د .  علي القاسمي / المغرب

* الاثنين// 2 / 7/ 2007

في الهواء الطلق

kasimi@menara.ma

نصوص اخرى

 

 

 

الهدف الثقافي // 2-07-2007

 

في الهواء الطلق

قصة قصيرة 

د .  علي القاسمي

      في مَنفاه ، كانت ابنتُه الصغيرة  الوحيدة كلَّ حياته وهنائه.. يرى في وجهها ملامح ذويه وأصحابه ، ويـشمُّ في  شعرها رائحة أمه وأخته، ويطيل النظر في عينيها الصافيتين فيشاهد في غوريهما نجوماً لامعة وكواكب زاهية، وينهمر أمامه شلال ضوء ولون من ذكريات بعيدة. وكان يُغدِق عليها جميع ما يعتمل في أعماقه من شوق وحنين ، ويتفنَّن في جلب الهدايا الكثيرة لها بمناسبة وبلا مناسبة ، ليتملَّى بسمتها الحلوة ويتلذَّذ بقُبلة العرفان التي تطبعها على وجنتيه بعد كلِّ هدية.

      وذات يوم من أيام عطلتها المدرسية، حمل إليها  ، في قفص أبيض اللون جميل الشكل، عصفورين من طيور الكناري ، صفرتهما مُشرَبة بزرقة. وكانت، حين دخل المنزل ، تعزف لحناً على البيان، فما إنْ لمحت العصفورين حتّى قفزت من  مكانها وهي تطلق ضحكتها الطفولية، وراوده انشراح غامر وهي تعانقه وتُمطره بقبلاتها.

       ورأتْ أنْ تحتفظ بالقفص في غرفة نومها ، وخلعت على كلِّ واحد من العصفورين اسما مُحبَّبا إلى نفسها ، ودأبتْ كلَّ صباح على التحدث إليهما حديث الرفيق إلى الرفيق.. تضع الأسئلة عليهما وتجيب عنهما ، ثمَّ تُغلِق باب الغرفة وشبابيكها وتُطلِقهما في فضائها، فيتجهان إلى مصدر الضوء المُنساب من أحد الشبابيك ليصطدما بزجاج الشبّاك المُغلَق ؛ يتوقفان هناك هنيهة ثم يعودان مُحلِّقين إلى الشبّاك المقابل .. يحطّان على قطعة أثاث ليستريحا بعض الوقت ثم يستأنفان الطيران. وفي المساء وقبل أن تأوي إلى فراشها، تَجري مطاردة أخرى،  تتخلَّلها ضحكات متلاحقة وتعليقات مرحة ، للإمساك بالعصفورين وإعادتهما إلى القفص.

       في البداية، كانت هذه المطاردة اليوميّة قصيرة ، والقبض على العصفورين هيِّنا ، ولكن العمليّة أمست ـ بمرور الأيام ـ أصعب ، وصارت تستلزم وقتاً أطول، فقد  أخذ  العصفوران يلجآن إلى أماكن أعلى في الغرفة يتعسَّر على الصبيّة الوصول إليها، فتضطر إلى رمي المناديل الخفيفة عليهما  لينزلا  من مكانهما المكين علّها تتمكن من الإمساك بهما .

       وقد جذب انتباهها تصرُّف العصفورين كلَّما شرعت في العزف على البيان، ففي كلِّ مرَّة يتوقفان عن الطيران ، وبعد برهة قصيرة من الإنصات ينطلقان في زقزقة مُتَّصلة وكأنَّهما يعزفان الكمان في مرافقة البيان  ، ثم يتوقفان لفترة وجيزة  بعد انتهاء الوصلة الموسيقية ليستأنفا التحليق بعد ذلك. وكانت تحدّث أباها عن كلِّ ذلك بعينين يزيد من اتساعهما ولمعانهما دهشة الاكتشاف وروعة الفرحة.

       وبعد الدخول المدرسي وانشغال الطفلة بواجباتها المدرسيَّة ، تضاءل الوقت الذي تمضيه في الحديث مع العصفورين وتناقص عدد المرَّات الذي تطلقهما فيه،  وشيئاً فشيئاً تمَّ نسيان تلك اللعبة ، وانتقل القفص من غرفة نومها إلى شبّاك غرفة الجلوس ، فقد شكتْ من زقزقة العصفورين المتواصلة التي تُفسِد عليها التركيز اللازم لمراجعة دروسها. وبمرور الزمن أضحى اتصالها بهما مقتصراً على تجديد الماء والطعام مرَّة في الأسبوع.. وبصورة آلية مبتسرة. ولم تلاحظ الطفلة التغيُّر الذي طرأ على لحن زقزقة العصفورين ونغمتهما.

       وذات يوم من أيام الربيع ، أخبرت والدها أن العصفورة باضت بيضة متناهية في الصغر بالمقارنة مع البيض الذي تعودت على رؤيته في المطبخ. وعاد إليها شئ من اهتمامها بالقفص، فقد ملأت صحناً بالقطن وسويقات الأزهار والقشِّ ليكون على هيئة عشٍّ، ووضعت البيضة في وسطه ، آملة أن تراها يوماً ما تـَفْـقِـس ليخرج منها فرخ صغير . وصارت تلقي نظرة على القفص كلَّ صباح عند ذهابها إلى المدرسة ، ونظرة أخرى عليه عند عودتها إلى المنزل من المدرسة.

       ومرَّ أكثر من أسبوعين .. وجاءت إلى والدها وهو في مكتبه بالمنزل منكبّاً على كتاب يطالعه، واستأذنت في مقاطعته ، قائلة إنَّ أمراً ما يحيرها في شأن هذين العصفورين ، فهما لا يرقدان على بيضتهما ، وكيف لها أن تّفْقِس ما لم يسخّناها بحرارتهما ، هكذا قالت لنا المُعلِّمة. رفع والدها رأسه، ساهم النظرات شارد الفكر، وكأنه قادم من مكان بعيد ، وقال لها بصورة تقريرية لم تعهدها منه من قبل: إنَّ العصفورين لا يريدان أن يفقس لهما فرخ وهما في القفص، يا بُنيتي.

       بشفتين مطبقتين وعينين واجمتين ، اتجهت الصغيرة بخطوات وئيدة إلى القفص، ووضعته على الشرفة المُطلَّة على الحديقة العامّة، وفتحت بابه، ليقلع العصفوران، بعد وهلة من التردُّد ، طائرين محلقين في الهواء الطلق.

____________________

 

 

التعليقـــات .....
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال   علــق على هذا الموضوع

 

 
 

الصفحه الرئيسيه