ترجمها وقدم لها د .ممتاز كريدي
فيما يلي نص خطبة الزعيم الهندي الاحمر (سيلث) او
سياتل ، حسب الوثائق الخاصة بقبائل الهنود الحمر في
الولايات المتحدة الامريكية. وقد القى الخطبة في
اجتماع لزعماء القبائل عام 1855 قبيل عقد "
الاتفاقيات" مع حكومة الولايات المتحدة وبعد ان دعا
الرئيس الامريكي الرابع عشر( فرانكلين بيرس) الهنود
الحمر الى بيع اراضيهم والعيش في مجمعات معزولة شبيهة
بالمعتقلات "المفتوحة الابواب".
كان سيلث زعيم قبيلة دواميش التي كانت تقطن في ولاية
واشنطن في الشمال الغربي من الولايات المتحدة. وقد
اختفت آثار القبيلة حوالي عام 1910 وظلت خطبة رئسهاا
التي وجهها الى" رئيس القبيلة في واشنطن " هي الاثر
الوحيد الذي يذكربها. كان سيلث يوصف بانه "... افصح
خطباء زمانه..." رغم "همجيته " وجهله القراءة والكتابة
ورغم تحدثه بلغة " بدائية ". القى خطبته بلغة قبيلته
وترجمت الى لهجات ولغات القبائل الاخرى والى
الانكليزية لغرض "المفاوضات" مع الادارة الامريكية
حينذاك.
لاتقتصر اهمية الخطبة على شكلها واسلوبها بل تتعدى ذلك
الى مضمونها الفكري والسياسي الذي لايزال محتفظا
براهنيته حتى يومنا الحاضر. من يقرأ النص لايستطيع
انكار بعد النظر في مفاهيمه،كما انه ليس مجرد وثيقة
تعلمنا التعامل مع الطبيعة والرفق بها،بل هو كذلك "...
واحد من روائع الادب السياسي ..."كما وصفه احد النقاد
الامريكيين.
النص وثيقة اخرى تفضح نكث " الرجل الابيض" للعهود
والمواثيق.. وفهم النص في اطاره التاريخي، اي بالعلاقة
مع اجتثاث جذور " الرجل الاحمر" وتدميره يبعدنا عن
اعتبار الخطبة هياما رومانسيا بالطبيعة
وجمالها.فالخطبة شكوى صارخة ضد القهر الاجتماعي ودعوة
لتعامل الانسان مع الانسان على اسس العدالة والمساواة
.
انني اذ اترجم الخطبة،معتمدا نصوصا مختلفة بعض الشيئ،
اقدم شكري للصديق آلدو كاستيو من بيرو الذي لفت نظري
الى النص ولتزويده اياي ببعض المعلومات المتعلقة به.
كما اشير الى استعانتي بالفيلم الوثائقي الامريكي هوم
الذي اعتمد في اخراجه على خطبة سيلث هذه.
· * الرئيس الابيض الكبير يخبرنا برغبته في شراء
ارضنا. الرئيس الكبير يبعث الينا بكلمات الصداقة
والنية الحسنة. هذا لطف منه فهو في غنى عن صداقتنا.
سنفكربعرضه لاننا نعرف اننا اذا ما رفضنا البيع فمن
المرجح ان يأتي الرجل الابيض ببنادقه ليستولي علىرضنا
· كيف يمكن شراء السماء او بيعها او شراء وبيع دفْ
الارض؟ لانستطيع تصور امر كهذا. فاذا كنا لانملك نقاء
الهواء وتألق المياه فكيف يمكنهم شراءهما منا؟
سنتخذ قرارنا. بامكان شيخ القبيلة الكبير في واشنطن
الاعتماد على قول سيلث وان يكون واثقا من ذلك كثقة
اخينا الرجل الابيض بعودة فصول السنة.
كلماتي لاتأفل كالنجوم، وكل جزء من هذه الارضمقدس
بالنسبة لشعبي، وكل ابرة في اشجار الصنوبر وكل شاطئ
رملي، وكل ضبابفي الغابات المعتمة،ووكل فسة في
الغابات، وكل حشرة طنانة اشياء مقدسة في افكاري وتجارب
شعبي. النسغ الذي يصعد في الاشجار يحمل معه ذاكرة
الرجل الاحمر.
اموت البيض ينسون الارض التي ولدوا فيها حينما يرحلون
متجولين تحت النجوم. ام اموتنا فانهم لاينسون ابدا هذه
الارض الرائعة، لانها ام الرجل الاحمر.
نحن جزء من الارض وهي جزء منا. الزهور العطرة اخواتنا.
االايل والحصان والنسر الكبير اخوتنا.
المرتفعات الصخرية والمروج الريانة ودفء جسد الحصان
الصغير ودفء جسد الانسان كلها تنتمي الى العائلة
نفسها.
عندما يخبرنا رئيس القبيلة الكبير في واشنطن انه ينوي
شراء ارضنا فانه يطلب منا الكثير. الرئيس الكبير
يبلغنا انه يعطينا مكانا لنستطيع العيش مرتاحين لوحدنا
وانه سيكون ابا لنا وسنكون ابناءه.
ولكن هل هذا ممكن؟ ان الله يحب شعبكم وقد تخلى عن
اطفاله الحمر. انه يرسل ماكنات ليساعد الرجل الابيضفي
عمله ويبني له ثرى كبيرة. انه يزيد من من قوة شعبكم
يوما بعد يوم . عما قريب ستملأون الارض، مثلكم مثل
الانهار تنحدر الى الشعابوالوديان بعد مطر غير متوقع.
اما شعبي فهو مثل المد الجارف ولكن بدون رجعة.
كلا! نحن جنسان مختلفان ،فاطفالنا لايلعبون سوية مع
اطفالكم وشيوخنا يروون حكايات تختلف عن حكايات شيوجكم.
الله يقف الى جانبكم ونحن ايتام دون معين.سنفكر بعرضكم
شراء ارضنا. لن يكون هذا هينا لان الارض مقدسة عندنا
وهذه الغابات تبعث فينا المسرة. اننا مبتجهون. لا
ادري... طباعنا تختلف عن طباعكم. المياه اللامعة في
الغدران ليست مجرد مياه بل هي دماء اجدادنا. اذا
بعناكم الارض فعليكم ان تعلموا انها مقدسة، وعليكم ان
ان تعلموا اولادكم انه مقدسة.ان كل وهج في مياه
البحيرات الصافية يروي احداثا وحكايات من حياة شعبي،
وهمهمة الماء هي صوت اجدادي. الانهار اخوتنا، تطفئ
ظمأنا وتحمل زوارقنا وتطعم اطفالنا.
اذا ما بعناكم ارضنا فعليكم ان تتذكروا وتعلموا
اطفالكم ان الانهار اخوتنا واخوتكم وعليكم ان تهبوها
ما يهب الاخ اخاه من طيبة. الرجل الاحمر تراجع امام
الدخلاء البيض كما يتراجع ضباب البحر امام شمس الصباح.
رماد اجدادنا مقدس ولتربة قبورهم حرمتها. وهكذا فان
هذه الاشجار وهذا الجزء من الارض من مقدساتنا.
نحن نعرف ان الرجل الابيض لايفهم طباعنا فهو لايفرق
بين جزء وآخر من الارض، فكلها عنده سواء، لانه ، لانه
غريب يأتي ليلا ويأخذ من الارض ما يروق له. الارض ليست
اخته بل هي خصمه. وحين يستولي على الارض فانه يواصل
البحث عن اخرى. يسرق الارض من ابنائها غير مكترث بشيئ.
يتعامل مع امه الارض واخته السماء تعامله مع اشياء
للشراء والنهب او للبيع، كالخراف والخرز الملون. جوعه
سيلتهم الارض ولن يترك وراءه غير الارض اليباب.
لا ادري... ! نكم تختلفون عنا. منظر مدنكم يؤذي
عيوننا، ربما لان الرجل الاحمر همجي ولا يفهم شيئا.
لا هدوء في مدن البض فهي تخلو من مكان يسمع فيه المرء
تفتح الاوراق في الربيع وطنين الحشرات. ربما انا همجيي
لا افهم شيئا.
ما طعم الحياة اذا لم تستطع الاصغاء لصوت القبرات او
خصام الضفادع على ضفاف البركة ليلا؟ انا رجل احمر
لاافهم ذلك. الهندي الاحمر يحب همهمة الريح، تلامس سطح
البركة، واريج النسائم مغسولة بمطر الظهيرة ومضمخة
بعطر الانفاس : الحيوان والشجرة والانسان كلهم
يتقاسمون ذات الانفاس.
يبدو ان الرجل الابيض لا يلاحظ الهواء الذي يستنشقه،
مثله مثل رجل يصارع الموت منذ ايام طويلة وقد ماتت فيه
حاسة شم النتانة.
لكننا اذا بعناكم ارضنا فعليكم ان لاتنسوا ان الهواء
غال وعزيز، فهو يشارك برحه كل الحياة التي يحتويها.
الريح منحت اجدادنا الانفاس الاولى وهي التي تستقبل
اخر انفاسهم وتهب ابناءنا روح الحياة.
اذا بعناكم ارضنا فعليكم ان تعرفوا انها مباركة ومقدسة
وتحترمونها على انها مكان يشعر فيه الرجل الابيض بان
للريح اريجا حلوا من ازاهير المروج.
سنفكر في عرضكم علينا ان نبيعكم ارضنا، واذا ما قررنا
قبول ذلك فبشرط واحد: على الرجل الابيض ان يعامل
الحيوانات كاخوة له.
انا همجي لاافهم ذلك بشكل اخر، فانني رايت الاف
الجاموس لبري جثثا هامدة تركها الرجل الابيض بعد ان
اطلق عليا النار من قطار وهو يمرق بسرعة. انا همجولا
استطيع ان افهم كيف يعتبر الحصان الحديدي الذي ينفث
دخانا اكثر اهمية من الجاموس الذي لا نقتله الا من اجل
ان نلقى على قيد الحياة. ما قيمة الانسان بدون
الحيوانات؟ لو هلكت كل الحيوانات لمات الانسان من وحشة
الروح. ان ما يصيب الحيوانات سريعا ما يصيب الانسان.
الاشياء كلها تترابط فيما بينها. ما يلم بالارض يلم
بابناء الارض ايضا.
عليكم ان تعلموا اطفالكم ان ان التربة التي يدوسونها
باقدامهم هي رماد اجدادنا. ولكي يحترموا الارض قولوا
لهم ان الارض ملأى بارواح اسلافنا. علموا اطفالكم ما
علمنا اطفالنا: الارض امنا. ما يصيب الارض يصيب ابناء
الارض كذلك. عندما يبصق الناس على الارض فانهط يبصقون
على انفسهم. نحن نعرف ان الارض ليس من الانسان وانما
الانسان من الارض، هذا ما نعرفه.
كل شيئ مرتبط بعضه ببعض مثل الدم الذي يجمع بين افراد
العائلة. كل الاشياء مرتبطة ببعضها وما يصيب الارض
يصيب ابناء الارض ايضا. انسان لم يخلق نسيج الحياة ،
فما الا مجرد خيط فيه، واي ضرر تلحقونه بالنسيج هو ضرر
تلحقونه بانفسكم.
لا!لا! الليل والنهار لا يتعايشان.
اموتنا بقون احياء في انهار الاض العذبة ويرجعون مع
خطوات الربيع الخفيفة وروحهم في الريح التي تجعد وحه
الغدران.
طلب الرجل الابض شراء ارضنا امر سنفكر فيه ، لكن شعبي
يسأل عما يريده الرجل الابيض. كيف يمكن شراء الارض او
السماء او سرعة الظباء؟ كيف نستطيع ان نبيعكم هذه
الاشياء وكيف تستطيعون شراءها؟ هل تستطيعون ان تفعلوا
بالارض ما تشاؤون لمجرد ان الرجل الاحمر يوقع قصاصة
ورق ويعطيها للرجل الابيض؟ اذا كنا لا نملك نقاء
الهواء وتألق الماء، فكيف تستطيعون شراءهما منا؟ هل
تستطيعون شراء الجاوس وقد مات كله؟
سنفكر بطلبكم. نحن نعرف اننا اذا رفضنا البيع فاغلب
الظن ان الرجل الابيض سيأتي بسلاحه ويسلبنا ارضنا،
فاننا همج. ان الرجل الابيض الذي يملك السلطة مؤقتا
يعتقد انه الاله الذي يملك الارض. كيف يستطيع الانسان
ان يمتلك امه؟
سوف نفكر بطلبكم شراء ارضنا، الليل والنهار لايتطيعان
العيش سوية. سنفكر بعرضكم علينا الذهاب الى المجمعات
حيث حيث سنعيش بعزلة وسلام.ليس مهما اين نقضي بقية
ايامنا. اطفالنا شاهدوا اباءهم مهانين مقهورين،
محاربونا يلاحقهم الخزي. بعد هزائمهم يقضون ايامهم
لاهين عابثين،يسممون اجسادهم باطعمة حلوة وشراب قوي.
ليس مهما اين نقضي بقية ايامنا فهي لم تعد كثيرة. بضع
ساعات او بضعة شتاءات، ولن يبقى واحد من اطفال القبائل
الكبيرة العدد التي كانت تعيش على هذه الارض او تجوب
الآن الغابات تبكي على قبور شعب كان قويا وكبير الامل
كشعبكم. ولكم لماذا ابكي ضياع شعبي ؟ الشعوب بشر وليس
شيئا اخر،والبشر يأتون ويذهبون كالامواج في البحر.
وحتى الرجل الابيض الذي يسير جنبا الى جنب معربه
ويتحدث اليه كصديق مع صديقه ليس بمقدوره ان يفلت من
قدره المشترك.لربما نحن اخوة!فالننتظر ونرى.
شيئ واحد نعرفه. شيئ ربما يكتشفه الرجل الابيض في يوم
ما. ان الاله نفسه. لعلكم تفكرون بامتلاكه نتفكيركم
بامتلاك ارضنا. ولكنكم لاتستطيعون ذلك فهو أله الناس
جميعا، حمرا وبيضا على السواء. انه يحب هذه الارض . ان
انتهاك الارض استهانة بخالقها. البيض ايضا سيزولون
ربما قبل بقية كل القبائل.
استمروا على ما انتم فيه فستختنقون بنفايتكم في يوم
ما. ولكنكم وانتم في طريقكم الى الزوال سيعلو وجوهكم
البشر مستمدين الشجاعة من قوة الاله الذي جاء بكم هذه
الارض وقضى بان تسودوا على هذه الارضوعلى الرجل
الاحمر، غير اننا لا نفهم لغز هذا القضاء. اي قضاء هذا
وقد ذبح كل الجاموس البري وروضت كل الخيول الوحشية
ودنست كل خبايا الغاباتوشوه منظر الاسلاك الناطقة
مشاهد التلال اليانعة! اين الادغال واين النسر؟ ذهبت
كلها. ماذا يعنيان نقول وداعا للحصان السريع وللصيد
والقنص؟ان ذلك هو نهاية الحياة وبداية الصراع من اجل
البقاء. لقد اعطاكم الله السيادة على الحيوانات
والغابات لسبب خاص،لكننا لانعرف سر هذا السبب.
ربما كان بمقدورنا ان نفهم ذلك لو عرفنا ما يحلم به
الرجل الابيض وما هي الامال التي يحدث اطفاله عنها في
ليالي الشتاء الطويلة، وما هي الاحلام التي يؤججها في
تصوراتهم بحيث يتوقون الى غد جديد. لكننا همج لانعرف
احلام الرجل الابيض ولهذا سنمضي في طريقنا لاننا، قبل
كل شيئ ، نقدر حق كل انسان في العيش كما يحب مهماكان
اختلافه عن اخوته.
سنفكر بطلبكم ، واذا وافقنا عليه فما ذلك الا لضمان
المكان الذي وعدتمونا الاستيطان به، حيث نستطيع قضاء
ايامنا القصيرة حسب طريقتنا.
عندما يختفي اخر رجل احمر من هذه الارض.، وتمسي ذاكرته
مجرد ظلال غيمة فوق المروج، فان روح اجدادي ستظل حية
في هذه الشواطئ وهذه الغابات، لانهم احبوا هذه الارض
كما يحب الوليد نبضات قلب امه.
اذا بعناكم ارضنا فعليكم ان تحبوها كما احببناها،
ارعوها كما رعيناها! واذا اخذتموها فحافظوا عليها بكل
قوتكم وروحكم وقلوبكم من اجل اطفالكم. احبوها كما الله
جميعا. اننا نعرف شيئا واحداان الهنا نفس الاله.
حتى الرجل الابيض لايستطيع الافلات من القدر المشترك.
لربما نحن اخوة. وسنرى. .