مواقع واعلام

صـور

** اهــــــلا وسهــــلا بكم في الهدف الثقافي...... نتمنى لكم جولة هادئه في رحاب الفن والادب الذي نطمح ان نهئ اطيافهما قريبا ان شاء الله ...... لوحة تشكيلية ام خط عربي .....نص مسرحي ..... مقال ادبي او نص شعري عربي ام  مترجم .........صورة مؤثرة لمخلفات يد ارهابي نتن..... رواية عربية او قصة قصيرة ..... الهدف الثقافي معكم اينما كنتم يستقبل انتاجاتكم في كل مجالات الادب والفن ..... تحياتي لكم  اينما كنتم **

لوحات خط

لوحات زيتيه

ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا


د .  علي القاسمي / المغرب

* الثلاثاء// 5 / 6/ 2007

تَشريحُ الصورة

kasimi@menara.ma

نصوص اخرى

 

 


1


في البَدْء كانت الصورة. صَوَّرَ الخالِقُ البارِئُ المصوِّرُ الإنسانَ على أحسن ما يكون. وظلَّ الإنسان آلاف السنين يحاول أنْ يخلِّد صورته بشتّى الطُرُق فلم يفلح. ويوم رأى صورة وجهه تتلألأ على مياه الغدير، داخَلَهُ العُجْبُ والفرح. ولكنَّه لم يكُن راضياً عنها تمام الرضا، فقد كانت مهزوزة متموِّجة على صفحة الماء. فراح يحفرها على جدران الكهوف التي كان يعيش فيها قبل أكثر من عشرين ألف عام. ثم أخذ ينحتها على شكل تمثال بالحجم الطبيعيّ، ولكنها ظلَّت صورة جامدة لا حياة فيها ولا لون ولا بريق بعينيها. وحتّى عندما توصَّل إلى صنع المرآة من النحاس الأصفر المصقول، أو عندما صنعها عام 1600 من الزجاج الأشدّ صفاء وأمانة، فإنَّ صورته عليها بقيت عابرة تزول بابتعاده عنها. ولكي يحتفظ بصورته كما هي زمنا طويلاً ـ إن لم يكن إلى الأبد ـ واصل تنمية مهاراته الفنية واستخدم الأصباغ النباتية وأرفع الريشات حتَّى تمكَّن الرسّامون في القرون الوسطى من رسم اللوحة الكاملة التي تُمثِّل صورة الإنسان الخارجيّة كما هي تقريباً، وبعض انفعالاته النفسية.

وكانت فرحته طاغية عندما اخترع آلة التصوير الشمسي عام 1839، إذ تستطيع هذه الآلة السحريّة التقاط صورة دقيقة له في جزء من الثانية فقط، يعجز أمهر الفنّانين عن رسمها في ساعات وأيام. وبذل جهوداً مكثَّفة لتطوير تلك الآلة وتشذيبها لتصبح رفيقته، يحملها أينما ذهب، معلَّقة على رقبته أو كتفه بالقرب من قلبه. وراح يُخرجها من غلافها الأنيق في المناسبات الهامة، يوثِّق بها ساعات الفرح ولحظات الهناء، ليعود فيما بعد إلى الصور التي التقطتها ، مُستمِداً منها السرور والرضى، بين الفينة والأخرى، أو مُتباهياً بها أمام الزملاء والخلان.



2


لم يخطر ببال الدكتور سامي الهاشمي أن نظرة عابر بدرت منه لصورة قديمة تستطيع أن تثير في أعماقه إعصاراً من العواطف والمشاعر. صورة صغيرة بالأبيض والأسود تعثَّرت بها أنامله وهو يبحث في أحد الكُتُب عن معلومات احتاج إليها. مَن وضع تلك الصورة هناك؟ ومتى؟ وكيف لم يُمزِّقها مع المجموعة الكاملة؟ وسرعان ما أطبق الكتاب عليها، ودفعه جانباً بعيداً عن عينيه.
صورة واحدة نفضتْ عن ذاكرته غبار النسيان. كنستْ عن عينيه أوراق السلوى الذابلة المُصفرَّة الألوان. نبَّهته إلى سنوات العمر الضائعة المكفّنة بالحرمان. ذكّرته بالبلورة النقية التي فقدها في متاهات رحلته الطويلة المُضنية من أجل المجد والمال. أعادت إلى ذائقته مرارة ليالي السهاد والحمى. أطلقت في وجدانه وحشَ الندم والخجل من نفسه. حملته بسرعة مذهلة عبر دورات الزمن وخطوط الطول والعرض، وحطت به على شاطئ الإسكندرية قبل ثلاثين عاما ونيف. ثم ألقت به في دوامة الضمير المُزبِدة، فطفا إحساسه بالضعف والجشع والخسّة. وأغمض عينيه.



3


عندما دخلتُ مَقْصِف القسم الداخلي الذي حللنا به لتناول فنجان من القهوة بعد الرحلة الطويلة، وجدتُها جالسة على الأرض وقد تحلَّق حولها طلابٌ وطالبات، وهي تُنشِد أغنية وهُم يردِّدون اللازمةَ بعدها. وقعَ نظري عليها ووقعَ نظرُها عليَّ. التقتْ نظرتانا. كان يمكن أن يكون ذلك شيئاً عادياَ. فتطلّعُ الجالس إلى القادم الجديد مجرَّد ردّ فعل طبيعيّ، والتفاتُ الفرد إلى مصدر الصوت فعل طبيعيّ كذلك. ولكنْ، ما كان غير طبيعيّ ولا عاديّ هو أن تلتقي غمامتان في سماء صيف شبه صافية فيلمع البرق ويدوي الرعد ويهطل الغيث.

وقفتُ عند المنضدة التي تُقدَّم عليها القهوة. ولم أحمل قهوتي إلى خارج المَقصِف لأتناولها في الحديقة كما كنت أنوي، بل بقيتُ إزاء المنضدة أرتشفها بتؤدة، وبعد وهلة كنت أرتشف فنجاناً خاوياً، وأنا أُحدِّق فيها دون أن تراني.

كانت قد احتضنتْ عودَها مثل رضيع وهي تلامس أوتاره برقّة تارة حتّى يكاد يغفو بين يديها، وتضرب عليه بشدّة وعنف تارة أخرى لدرجة أن الأوتار توشك على التقطُّع. وكانت تُحلِّق على أجنحة الكلمات والجمل الموسيقيّة إلى عالَمٍ من الرؤى والأحلام. وينفعلُ جسدُها مع الموسيقى ويهتزُّ مع النغم، فيتمايلُ رأسُها ببطء، وينحني جذعُها إلى الأمام، ويرتدُّ إلى الوراء، وترتفع ذراعاها يميناً وشِمالاً، فيغطّيان مساحة شاسعة بعمق الجرح واتساعه. لم يكن صوتها يخرج من شفتيها أو حنجرتها، وإنَّما من أعماق قلبها ويمتزج بالموسيقى حتّى يخال السامع أن العود امتداد لها، وأنغامه بعضٌ من صوتها، وأنَّها لا تعزف الموسيقى، بل هي الموسيقى عينها آتية من جوهر الروح. كانت تُحسُّ بالعبارات ودلالاتها إحساساً عميقاً، حتّى لا يسعك إلا الجزم بأنَّها تُغنّي شعراً أبدعته بنفسها، نتيجةَ تجربة عاطفيّة حزينة، خلَّفت جراحها في بحة صوتها وحشرجته، فتنتقل حرارةُ كلماتها وأنغام عودها الشجيّة إلى قلوب المُنشدين والسامعين وجوف القاعة وفضائها.
لا أدري كم مرّ عليّ من الوقت وأنا واقف بجانب المنضدة وهم يغنون. لم أسمع أغانيهم أو بالأحرى لم أستوعب معانيها. ووجدتني لأوَّل مرَّة أتمرَّد على الوقت وأنتقم منه، فلا أجري تحت سوطه. فقد جئت هنا لأُشارك في تأطير دورة دراسيّة صيفيّة لا تبدأ إلا في اليوم التالي. لا شيء أفعله اليوم.

وعندما انفضّ جَمْعُ المُنشدين بقيتْ هي في مكانها كمن ينتظر شيئاً، شخصاً، أمراً؛ أو هكذا خُيّلَ إليَّ. لم تلتفتْ إلى الجهة التي كنتُ واقفاً فيها. ظلّتْ جالسة في مكانها. أطلتُ النظر إليها دون أن تراني. كانت ترتدي فستاناً أبيضَ يكشف عن ساعديها النحيفتين، وشبكت يديها على ركبتيها القائمتين، وطأطأت كأنَّها على وشك أن تُريح رأسها على يديها. أردتُ أن أقترب منها، ولكنِّي تردَّدت كثيراً. جمعتُ أشتات جرأتي، وخطوتُ نحوها. وقفتُ أمامها وحييّتها. ابتسمتْ ابتسامة شاحبة شاردة، هازة رأسها من غير أن تَرُدَّ بكلام.
قلتُ لها: " اسمحي لي أن أقدّم لكِ نفسي: الدكتور سامي الهاشمي."
قالت وهي تنهض واقفة: " أعرفكَ." وتوجهتْ إلى باب المَقصِف خارجة.
قلتُ لها وأنا أتبعها محاولاً السير إلى جانبها: " ولكنني لم أتشرف بمعرفة اسمك."
ردت باقتضاب بعد هنيهة صمت: "رابحة."
فسألتها: " قلتِ إنكِ تعرفينني. أتعنين أنك اطَّلعتِ على مقالٍ لي أو كتابٍ من كتبي؟"
قالت: " شيءٌ من هذا القبيل." وانصرفتْ.

وعدتُ ذلك المساء وحيداً إلى غرفتي وغربتي وجلستُ في ركن معتم، ورحتُ أذكرُ اسمها مراراً، سرّاً وجهاراً: " أيّ فتاة رائعة هي!" حتّى أحسستُ بنار الشوق تتأجَّج في أقانيم روحي، والعطش يشتدُّ في مدينة جسدي، وتلهَّفتُ لجرعة ماء بارد، ولكنَّني منعتُ نفسي عنها لئلا تُطفئ جذوة الوجد.



4


( يا إلهي! ما الذي جاء به اليوم؟ ظننت أَنه لن يعود. لن أراه بعد ذلك اليوم. هنالك أساتذة معروفون كثرين غيره، فلماذا يأتون به إلينا في كلِّ مناسبة؟ لا بُدَّ أن عميد الكليّة أو رئيس الجامعة من أصدقائه. دَعَوه في العام الماضي للمشاركة في ندوة، ويأتي هذه السنة ليساهم في تأطير الدورة الصيفيّة. ألا يكفي ما فعلَتْه محاضرتُه العام الماضي بي؟ أورثتني ألوانا من الرؤى والأحلام والسهاد. ولا أعرف ما ستنزله بي دروسه في هذه الدورة.

لا أدري ما الذي شدَّني إلى محاضرته تلك؟ مضمونها؟ طريقة إلقائه؟ نبرات صوته المُتعَب الحزين؟ جرأته في تعرية الواقع؟ سجّلتُ محاضرته بمسجلي مع بقية المحاضرات التي أُلقيت في تلك الندوة. ولكن لماذا كنت أعود إليها هي بالذات مرَّة تلو أخرى؟ أستمع إليها كلَّما أويت إلى غرفتي وخلوت بنفسي. كدتُ أحفظها من كثرة تكرارها، بمفرداتها،بعباراتها، بمواضع الوقف فيها، بتنغيمها. وفي كلِّ مرَّة يبقى صدى كلماتها في أعماقي، يبعث الرؤى والأحلام والهواجس في يقظتي ومنامي. كنتُ أخشى أن أُدمن عليها كمن يُدمن على مخدِّر وهو مُدرِك أضراره. وأخذتُ أمجُّها، أكرهها، دون أن أملك فكاكا منها.

وها هو اليوم يعود أستاذاً في الدورة الصيفيّة. سأجد نفسي غداً أمامه مرة أخرى. سأجلس في قاعة المحاضرات التي يُلقي دروسه فيها كلَّ صباح. سأرى ملامح وجهه…وأسمع كلامه… نبرات صوته المُتعَب الحزين… مباشرة… عن قُرب. وسأبقى مرتعشة في داخلي، متوجِّسة خائفة من نفسي، مثل عصفور يرفرف مرتعشاً هارباً من نسر. شيء مجهول يحدِّثني أن هذا الرجل سيُدمي قلبي. صوت رصين يجلجل في روحي أن ابتعدي عنه. وأنا مشدودة إليه مثل فراشة تحوم حول شعلة نار، تنجذب إليها، تبتعد عنها، ثم تعود إليها، والموت يتربص بها على لهب اللقاء.)



5


بدأت الدورة الصيفية العربية في جامعة الإسكندرية. كانت تجربة رائدة، الأولى من نوعها. وبناء على ما سيتمخض عنها من نتائج، سيتقرَّر عقدها كلَّ سنتين في إحدى الجامعات. ولهذا حرصت رئاسة الجامعة على توفير كلِّ ما يلزم لنجاحها. اختارت الطلبة المشاركين من بين الأوائل في مختلف الجامعات العربية. وانتقت أبرز الأساتذة من جامعات متنوِّعة لتأطيرها. ورتَّبت إقامتهم، أساتذة وطلاباً، في أحدث الأقسام الداخلية بناءً وأكملها تجهيزاً، بالقرب من شاطئ البحر ووسط المدينة. وأرادت رئاسة الجامعة أن يطَّلع المشاركون في الدورة على المعالم التاريخية للمدينة، ويستمتعوا بالفنون المصريّة الراقية، ويتذوّقوا الأطباق الوطنيّة الشهيّة. فأكثرتْ من تنظيم النزهات القصيرة في المدينة والرحلات الجماعيّة خلال عطلات نهاية الأسبوع، واستقدمتْ أشهر الفرق الموسيقيّة لإحياء سهرات غنائية، وجلبتْ أفضل الفرق الفنيّة لتقديم عروض من الرقص الشعبيّ.

وكان المشاركون في الدورة يلتقون في قاعات المحاضرات خلال الدروس، وفي المَقصِف أثناء فترات الاستراحة، وفي المطعم عند تناول الوجبات. وكانوا يتدارسون، ويتحاورون ، ويتناقشون، فيتفقون ويختلفون، ويكتشف بعضهم بعضاً. وجوه جديدة، ولهجات متباينة محبَّبة، وعادات متنوِّعة، وإن كانت تلك اللهجات والعادات تنتمي إلى ثقافة واحدة. وكانت تلك الفوارق والاختلافات تثير حبَّ الاستطلاع لديهم، فيبحثوا عن تفسيرات وتعليلات لها. وكانوا يخرجون بعد الظهر في جولات قصيرة في أسواق المدينة ومتاحفها وقصورها التاريخية، ويتجمَّعون بعد تناول طعام العشاء في جلسات سَمَر، فيتبادلون الأحاديث والبسمات والنظرات، وتبني العيونُ جسوراً من عواطف.



6


لم تمضِ بضعة أيام على بداية الدورة الدراسية حتى تعرّف البحر على خطوات رجل وفتاة، أخذا يرتادان الشاطئ عصر كلِّ يوم. يسيران، يتحدثان، يضحكان، يجريان؛ وبين وهلة وأخرى يُخرج آلة تصويره من حقيبته الجلدية ويلتقط صورة لها: " هناك بالقرب من الموج، هكذا بابتسامتك الحلوة!" وأخيرا يقفان لمشاهدة الشمس وهي تغرق في مياه البحر البعيدة، قبل أن ينصرفا. وعندما يغادران الشاطئ بعد الغروب تنساب موجة طويلة فتمسح أثار أقدامهما من على الرمال، بهدوء وبلا ضوضاء.

وصار الرجل يكتشف تلك الفتاة القادمة من الريف في صعيد مصر، ببساطتها وبراءتها وصدقها وإخلاصها. نقية صافية كالبلورة. وباح لها ذات يوم، ونسيم البحر يملأ رئتيه: " إني ... أحبُّك… أحببتك من النظرة الأولى، يوم كنت تنشدين مع رفاقك. لعل روحينا كانتا توأمين في عالم الأزل قبل أن ينفجر الكون وتتناثر الكواكب وتستدير الأرض."

قالت: " ستنساني غداً، بعد أن تعود إلى بلادك."

قطع وعداً مُقسِماً بعينيها: " قبل أن أعود، سأهديك خاتماً يليق بإصبعك الأنيقة. وسأكتب إليك من هناك كلَّ يوم. وعندما تنهين دراستك الجامعيّة في العام القادم، سأحضر هنا لنتزوج، ثم آخذك معي ولن نفترق ثانية."

وفي عصر اليوم التالي، وبدلاً من الذهاب إلى شاطئ البحر، اصطحبها إلى أحد محلات المجوهرات في حي باخوس، لتنتقي الخاتم الموعود. وبينما كانت تقلِّب الخواتم وتسأل البائع عن ثمن كلِّ واحد منها، عَجِبَ في دخيلته من حرصها على أن يكون الثمن رخيصاً. وعندما وضع الخاتم في بنصرها، شعَّت فرحة طاغية في عينيها الواسعتين، وعلى وجهها الأسمر كلِّه.
وأخيرا، حلَّ يوم الرحيل في نهاية الدورة الصيفيّة. ووقفا للوداع. نظر كلٌّ منهما إلى الآخر، وفجأة طأطأت وأراحت رأسها على صدره لئلا يرى الدموع التي انبجست في عينيها. واقتربت صاحبتها التي كانت ترقبها من بعيد، ووضعت يدها على عاتقها، وأخذتها برفق إليها، وسارت بها وهي تسندها. وظل هو جامداً في مكانه بعض الوقت بعينين فارغتين، كأن عجلة الزمن قد توقَّفت عن الدوران.



7


غرق الدكتور الهاشمي حتى أذنيه في إنجاز الأعمال التي تكدَّست أثناء غيابه خلال العطلة الصيفيّة، وانهمك في القيام بمهامه الكثيرة: إعداد المحاضرات للسنة الجامعيّة الجديدة، فحص المرضى في عيادته الخاصة وتشخيص حالاتهم ووصف العلاج لهم، تدقيق حسابات المداخيل والمصاريف في شركة العائلة، دراسة حركة الأسهم صعوداً وهبوطا لبيع ما ارتفع ثمنه منها وشراء ما انخفض ثمنه في الوقت المناسب، الاجتماعات الحزبيّة، الزيارات العائليّة شبه اليوميّة، اللقاءات مع الأصدقاء. حركة دائبة، ونشاط مستمر، متوهج الأضواء، صارخ الألوان، صاخب الأصوات. وراحت شواطئ الإسكندرية تبتعد شيئاً فشيئاً عن عالمه، وأخذت ملامحها تبهت تدريجياً في مخيلته، وخفتت موسيقى البحر وتلاشت. وساقت رياح الخريف بعض الرمال لتغطي ما تبقى من آثار أقدام المصطافين على الشاطئ.

وحدث خلال أعياد رأس العام الجديد ما لم يخطر ببال الدكتور الهاشمي. والحياة مليئة بأحداث لا نتوقعها، أكثر مرارة أو حلاوة أو غرابة ممّا نتمنّى أو نخطط له. طرحتِ العائلةُ موضوع زواج الدكتور بالآنسة هيفاء، ابنة صديق العائلة الوجيه الكبير وشريكها في أحد المصانع. صحيحٌ أن هيفاء كانت أقرب الفتيات إليه، وأشرقهن جمالاً، وأشدَّهن إعجاباً به، ولكنه لم يفكِّر في الاقتران بها، بل رفض الفكرة عندما عرضتها عليه أخته الكبرى قبل سنتين: "إن مشاعري تجاهها لا تتعدى الإعجاب بثقافتها الباريسية وأناقتها. ولكنها لا تصلح لي."

ولم يتغير إحساسه عندما أثير الموضوع هذه المَّرة. ولكنه لم يفُه بكلمة. شيء غريب أطبق على شفتيه، أمسك بلسانه، ومنعه من التعبير عن أفكاره. كان هنالك صراخ رافض مكبوت في وجدانه، ولكن لم يسمعه أحد وسط ضحكات الابتهاج وصرخات التهاني. لو لم يكن طبيباً لحسب أن ما حدث له كان بمفعول سحر مُدبَّر، بَيْدَ أنَّه لا يؤمن بتأثير السحر في مثل هذه القضايا. بعض مرضاه من عامة الناس فقط هم الذين يؤكِّدون له أنهم من ضحايا السحر، فكان يدحض رأيهم بابتسامة لطيفة وهزَّة رأس بالنفي. نعم، ثمَّة أحداث تقع فعلاً ويصفها الناس بالسحر: أشخاص يرون ما وراء الجدار في الظلام، وآخرون يرتفعون في الهواء، وبعضهم يقرأ بدقّة ما في فكرك، وفريق تنكشف له الحجب فيرى المستقبل، ولكنَّه كان دائما يبحث عن تفسير علميّ لهذه الظواهر الخارقة، ولا يُسمِّيها سحراً. أَسَرَّ لصديقة مخلصة بأحاسيسه الخفية عن الزواج المُزْمع فقالت له: " إنَّكَ واقع تحت مفعول السحر. اخرجْ من دائرة السحر، سافرْ بعيداً مدة من الزمن." بَيْدَ أنه بقي في مدينته.

وتمَّ الزواج. ولكنْ، سرعان ما استفاق في أعماقه مارد رهيب، كما لو كان مُخدَّرا أو في سبات موقوت. واستعرتْ في وجدانه نيرانُ صراعٍ داخليّ لم يَرَ منها المحيطون به إلا لحظات شرود، وفترات وجوم، أخذت تشتد يوما بعد يوم، يزداد عددها ويطول أمدها. وأمسى الأرق زائراً ليلياً لا يخلف الميعاد. وصارت حالته تؤثِّر سلباً على أعماله وعلاقاته الاجتماعيّة. وعندما كانت زوجتُه تسأل عن السبب وتلحف في السؤال، كان يتمتم بكلمات مبتورة وعبارات مُتقطِّعة غير مفهومة: الضعف …نكث بعهد… عدم الوفاء… الجشع… الخِسَّة. وبعد أقل من عامين وقع الطلاق.


8


دخل الدكتور الهاشمي بعد شهرين أو ثلاثة أشهر إلى مكتبه، فأخبرته كاتبته أن فتاة تدعى (رابحة) اتصلت به هاتفياً وتركت له رقم هاتفها وعنوانها الجديد، وترجوه أن يتصل بها أو يكتب إليها. ونظر إلى الورقة التي وضعتها الكاتبة أمامه، ثم أزاحها جانباً بأصابع متشنجة مرتجفة في آن. لا! لا! لن يهاتفها. لن يكتب إليها. ماذا يقول لها؟ وكيف يبرر ما فعل؟ وبأي وجه يواجهها؟ لقد هشّم البلورة النقية ولن يتمكَّن أبداً من تجميع أشتاتها وترميمها، وحتّى إنْ فعل فإنها لن تعود إلى سابق عهدها. لقد دمَّر صفاءها ولطَّخ نقاءها. لن يستطيع إصلاح ما أفسد مهما يفعل، فقد اتسع الخرق على الراتق. ورمى بالورقة بعيداً، ودفن وجهه في الوثائق المكدَّسة أمامه على المكتب.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

التعليقـــات .....
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال   علــق على هذا الموضوع

 

 
 

الصفحه الرئيسيه