|
|
إن الفرق جلي بين "أحداث الماضي" و"أحداث التاريخ". فالأولى عابرة
والثانية عبرة! والأحداث تصبح تاريخا، أي جزء جوهريا من وعي الذات
القومي والثقافي حالما تصبح عبرة، أي قوة عقلية فاعلة بالنسبة
لتفحص الحاضر وتأمل المستقبل. حينذاك فقط يمكنها أن تصبح جزء من
مشاريع البدائل وفكرة الاحتمال العقلاني. وهي القضية الأكثر
إشكالية وضرورة في نفس الوقت بالنسبة للعراق في ظروفه الحالية. إذ
أننا نقف أمام حالة تشير الى أن كل ما يجري فيه هي مجرد أحداث
عابرة. بمعنى فقدانه للاعتبار من أحداث التاريخ بشكل عام وتاريخه
الذاتي بشكل خاص. وبالتالي فقدانه لقوة العقل المتفحصة لما هو فيه،
والمتأملة لآفاق البدائل. وليس مصادفة أن يقف العراق في بداية
القرن الحادي والعشرين أمام نفس القضايا الكبرى والإشكاليات العامة
التي واجهها قبل قرن من الزمن، قضايا وإشكالية الدولة والوطن
والنظام السياسي والأمة و"المحتل – المحرر"! واستعادة لأحداثه
العابرة من محاولة رهن مستقبله بمعاهدات سرية وعلنية، قد يكون "قانون
النفط" الأخير احد نماذجها الصارخة. وهو "قانون" يعكس نفسية وذهنية
الغنيمة المميزة للأقلية الكردية العرقية التي تجد في سياسة تفتيت
المركز وإضعافه مصدر القوة الوحيدة. وهو وهم خالص لكنه فعال
بالنسبة لذهنية الأقلية والأقوام الصغيرة. وهي ذهنية تشترك فيها
الطائفية السياسية العربية (السنية والشيعية) بوعي أو دون وعي.
وعلى أطرافها تقف البقايا الشيوعية. وفي الحصيلة نقف أمام مفارقة
الخطاب "التاريخي" لقوى سياسية لا تعتبر بالتاريخ.
إن التاريخ لا يعلّم بالضرورة، لكنه يعاقب بالضرورة! بمعنى أن
العقوبة هي القدر المحتوم للخروج عليه أو عدم الاعتبار بدروسه
الكبرى. والعراق الحديث كله دروس متكررة! وهو مؤشر إضافي على
فقدانه لوعي الذات التاريخي. وفي هذا يكمن احد أسباب مأساته
المتكررة وعنفه المتزايد. وليس فكرة ونفسية الثأر السائدة فيه حتى
الآن سوى احد مظاهرها الكبرى.
مما لاشك فيه، أن التعميم والمقارنة التاريخية لا تخلو من مجازفة
بسبب التباين النوعي بين المراحل، لكنها تتمتع بقدر كبير من
الإثارة للحس في دعمه للعقل النظري، وإشغال للأخير للانهماك في حدس
المستقبل. وهي الفكرة التي تطرح أمامنا السؤال التالي: هل أن الثأر
صفة ملازمة للشخصية العراقية بشكل عام ووعيها السياسي بشكل خاص؟
ولماذا لم يتحرر الوعي السياسي من ثقل نفسية وذهنية الثار الحزبي
بمختلف أشكاله ومظاهره ومستوياته القومية والعرقية والطائفية
والمذهبية والجهوية والعائلية؟ ولماذا تعجز النخب السياسية عن بلوغ
فكرة الوطنية العامة، والمصلحة الاجتماعية، وفكرة المواطنة، ونظام
الحرية الشامل؟ وهي أسئلة تتسم بقدر كبير من التداخل والتعقيد،
لكنني سوف احصر الإجابة عليها من خلال النموذج التاريخي القديم
للحركة المختارية وآفاقه على مثال الحركة الصدرية المعاصرة. والسبب
هو أن الحركة الصدرية تحتوي، بمعايير الرؤية الثقافية، على
المكونات الجوهرية التي لازمت الحركة المختارية القديمة بوصفها
حركة العراق العامة، رغم كل المآخذ الواقعية والممكنة حولها وعنها.
كما أنها الحركة التي تتمثل، بمعايير الرؤية السياسية والاجتماعية،
على مفاصل التاريخ العراقي الحديث. ذلك يعني إنها تحتوي في
صيرورتها على كل دراما الصعود والسقوط العراقي، وفي كينونتها على
احتمال تكرار أو تجاوز المصير السياسي للحركة المختارية القديمة
والحركة الشيوعية في خمسينيات القرن الماضي، بوصفهما ممثلي الصعود
الوجداني والمعنوي الراديكالي العراقي.
فعندما نتأمل تاريخ العراق الحديث من وجهة نظر تراكم العقلانية
السياسية فيه أو انعدامها، فإننا نقف أمام واقع يقول، بان التاريخ
العراقي الحديث هو مجرد أحداث عابرة، أي زمن تتكون سلسلته الوهمية
من حلقات الثار. ويكفي المرء النظر الى ما جرى بعد انقلاب الرابع
عشر من تموز في الموقف من ممثلي النظام الملكي، وانقلاب شباط 1963
وما تبعه من مواقف تجاه التيارات الشيوعية والوطنية، وانقلاب
السابع عشر من تموز عام 1968 واستمراره الدموي حتى انقلاب الثامن
من نيسان عام 2003 وما تلاه من ثأر شامل تجاوز حدود المعقول، بحيث
شمل الحجر والشجر والمباني وكل شيء! ووراء كل انقلاب تتعمق وتترسخ
فكرة الثأر من الماضي بوصفه "كيانا بائدا". وهي الحالة التي تشير
الى أن "البائد" هو الوحيد الحي القيوم في الوعي السياسي العراقي!
بعبارة أخرى، إننا نقف أمام وعي سياسي كما لو أن مهمته الكبرى تقوم
في إنتاج البائد ليعيد إنتاج نفسه من جديد. وذلك لان انعدام البائد
يفترض بناء منظومة الثبات. ولا ثبات! إذ الثبات الفعلي منظومة.
وانعدامها هو سر التحور الدائم للثأر ومحور الدوران في أفلاكه.
فقد بلورت المرحلة الجمهورية فكرة "البائد" ورفعتها الى مصاف
المرجعية السياسية الوطنية. وساهمت في وضع أسس اللاعقلانية
والراديكالية المتطرفة في الموقف من الماضي. ومهدت دون وعي لتفعيل
نفسية وذهنية الانتقام الكامنة في فكرة "البائد" بوصفه عقابا "إلهيا".
وهي عبارة بحد ذاتها لا تعتبر بالتاريخ. لكنها حالما تصبح مكونا
جوهريا وفعالا في الإيديولوجية السياسية العملية، فإنها تنتج
بالضرورة أفعالا تلازمها. وهي أفعال تجسدت بصورة نموذجية في مظاهر
الانتقام الهمجي من الملكية ورموزها. وقد كان التيار الشيوعي هو
الحامل الكبير لهذه النفسية والذهنية، بوصفه التيار الراديكالي
الأوسع والأكبر آنذاك. ولا تعقل الراديكالية بدون نفسية وذهنية
الانتقام. والشيوعية في أعماقها وحقيقتها الكامنة هي إيديولوجيا
الانتقام بسبب احتقارها لفكرة الاحتمال، وإيمانها بيقينها الخاص،
وكثافة الوعي النفسي للعوام الملازم لوجودها العملي. وليس مصادفة
أن تكون تجارب الانتقام من الماضي "البائد" هي هي ذاتها. بمعنى
إفراغ الوعي القومي من مكوناته الفعلية والاستعاضة عنها بأوهام
المستقبل. وهي الأوهام التي كانت الشيوعية العراقية تعتقد أن من
الممكن تجسيدها بسرعة عبر رفع فكرة الثار من "النظام البائد" الى
مصاف المرجعية الوطنية الكبرى. وليس مصادفة أن تصبح كلمات "السحل"
و"القتل" و"الحبال" وما شابه ذلك الأكثر ترددا وتلذذا على السنة
النخبة والعوام.
وهي النفسية والذهنية التي دفعتها الإيديولوجية القومية البعثية (العملية)
الى مصاف المنظومة الوحيدة للدولة والسلطة. وجعلت منها الأسلوب
الوحيد لوجودها، بحيث حولت الانتقام من المعارضة أيا كان شكلها
ومحتواها وحجمها الى مبدأ وغاية البرهنة الدائمة على حقها وحقيقتها!
وهو الأمر الذي جعل من "البعث" فعلا لا عقلانيا تاما يتقارب مع "إحياء
الموتى". لكنه "إحياء" هو عين المحاسبة المبنية على أساس الخضوع أو
الموت! وهي معادلة تتجاوز نفسية وذهنية الأديان والعقائد والعقل
والإيمان الى ما وراؤها. بحيث جرى تحويل الخنوع لها الى معنى الوعد
والوعيد والثواب والعقاب. من هنا قدرتها على توزيع الثواب والعقاب
كما تريد. بعبارة أخرى، لقد أصبح الانتقام الدائم مضمون "الرسالة
الأبدية" لبعث الأموات. أما النتيجة النهائية أو خاتمة الأمور فهي
كتلة أوهام ودماء سرعان ما جفت وتلاشت بعد انهيار السلطة. والشيء
الوحيد الباقي هو منظومة الخراب والتخلف والانحطاط.
والشيء نفسه يمكن قوله عن كمون هذه النتيجة في إيديولوجيات الحركات
القومية الصغيرة (الكردية). فهي أيضا تتمثل بصورة نموذجية
إيديولوجيا الانتقام العرقي، كما نراه بصورة جلية في مختلف مظاهر
الابتزاز والركض وراء الغنيمة والسرقة والاستعداد الدائم للتقلب
والتبدل والسجود أمام الأقوى وضعف أو انعدام الفكرة الوطنية العامة.
في حين كشفت السنوات القليلة بعد سقوط التوتاليتارية البعثية
والدكتاتورية الصدامية عن تعمق وتوسع ولحد ما ارتقاء نفسية
الانتقام عند الحركات الإسلامية الشيعية والسنية الى مصاف المنظومة.
فقد اتخذت عند معظم الحركات السياسية الشيعية طابع الانتقام
المذهبي والطائفي، وعند جميع الحركات السياسية السنية طابع
الانتقام الطائفي والسلطوي.
مما سبق نستطيع القول، بان اشتداد وتوسع مدى فكرة الانتقام
السياسية عند اغلب القوى السياسة العراقية الحالية لم يجعل منها
قوة ايجابية، كما كان الحال بالنسبة للحركة المختارية التي جعلت من
فكرة الثار مصدرا للفكرة الوطنية العراقية في صراعها مع الأموية
الشامية، ومنهلا لفكرة الحرية والعدالة والمساواة. وهو واقع يشير
الى ما يمكن دعوته بفقدان العقل الاجتماعي والثقافي والإيديولوجية
الوطنية العامة عند اغلب القوى السياسة العراقية الحالية. أما
الإيديولوجيات السائدة والأوسع انتشارا لحد الآن فهي إيديولوجيات
الغريزة وما قبل الدولة. ومن ثم فإنها تحتوي بالضرورة على عناصر
تهشمها الذاتي وانحلالها القريب وموتها المخزي، أي كل ما يعطي لنا
إمكانية القول، بأنها إيديولوجيات الماضي. وهي ظاهرة تشكل بحد
ذاتها نتاج الانحطاط الشامل في بنية الدولة والسلطة والمجتمع
والثقافة التي أدت إليها "المرحلة الجمهورية" وتقاليدها
الراديكالية، وبالأخص في نموذجها البعثي الصدامي. وهو السبب الذي
يفسر ضمور أو انعدام الفكرة الليبرالية والدنيوية مع أنها فكرة
المستقبل. غير أن ذلك لا يعني بان العراق بلا مستقبل! إنها مجرد
حالة المرحلة الانتقالية التي تتراكم فيها إمكانية واحتمال بناء
الدولة والمجتمع والأمة. لكن مفارقة الظاهرة وطابعها المأساوي في
نفس الوقت يقوم في أن القوى الحزبية الحالية السائدة هي القوى "السياسية"
المعرقلة لهذه العملية التاريخية. وهي عرقلة تتبع مكوناتها
الإيديولوجية وتقاليدها الخاصة بوصفها مكونات البنية التقليدية.
فالأحزاب والإيديولوجيات السياسية في ظروف العراق الحالية هي نموذج
للتقليد والتقليدية. وهو السبب الذي يجعلها تشارك في إعادة إنتاج
الزمن وليس التاريخ. بمعنى أن اغلبها لم يعتبر بالماضي ولم ينهمك
في إبداع التاريخ الفعلي للدولة والأمة، أي لم يستفد من إشكالية
التوبة والثار والاعتبار في التاريخ العراقي القديم والمعاصر. وقد
يكون مثال "اجتثاث البعث" و"محاكمة صدام" نموذجا لذلك. فقد تحولت
فكرة الانتقام المتسامي الى نفسية الانتقام الضيقة. بمعنى أنها لم
تعمل على إنتاج بديل عقلاني اجتماعي وطني يذلل تقاليد وبنية
الانتقام السائدة في تاريخ العراق الحديث. لقد جرى تحويلها صوب
تصفية الحساب مع الأفراد وليس مع الفكرة أو المنظومة. أما النتيجة
فهي إعادة إنتاج الفساد والإرهاب المعجون بنفسية وذهنية الانتقام
المتنوعة، وبالأخص الطائفية والعرقية، أي اشد الأشكال لا عقلانية
وتخريبا.
فالطائفية السياسية العربية تمزج المذهب بالسلطة، وهو اشد الأشكال
تخلفا لمزج الدين بالسياسة. وهو مزج لا يمكنه أن ينتج على خلفية
التقاليد السياسية المتخلفة للعراق الحديث غير اشد نماذج التقوقع
المذهبي والانغلاق الطائفي. مع ما يترتب عليه من تنفير وإثارة
لمختلف صيغ وأشكال الانتقام. وهي الحالة الجلية في ظاهرة الإرهاب
والتكفير والقتل العشوائي والقتل على الهوية الطائفية والقومية
والجهوية وما شابه ذلك من مظاهر اللاعقلانية والهمجية السافرة.
بينما نرى مظاهر الانتقام القومي العرقي في ممارسات وسلوك الحركات
القومية الكردية من التركمان والكلداشوريين والعرب و"قضية كركوك"
ومختلف صيغ عشعشة وتفريخ قيم التجزئة والانغلاق. وفي مجموعها هي
المبادئ الإيديولوجية والقواعد العملية المتحكمة في سلوك القوى
القومية الكردية من اجل الحصول على اكبر قدر ممكن من "الانجازات"،
أي اكبر قدر ممكن من الغنيمة. وهو سلوك يعكس الوجه الباطني
للانتقام.
فالطائفية السياسية العربية هي طائفية الانتقام العلني، بينما
الطائفية السياسية الكردية هي طائفية الانتقام الباطني. والأولى هي
طائفية الماضي، بينما الثانية هي طائفية المستقبل! وهو واقع يحتوي
في أعماقه على إمكانية الحرب القادمة، عبر تحول الصراع الطائفي
المتناثر الحالي الى صراع قومي قادم، ما لم يجر تذليل نفسية وذهنية
الانتقام الكامنة عند الجميع. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار، إن
اغلب مقدمات الحروب الأهلية تتراكم في مجرى شحنة العداء اللاعقلاني
والرغبة في الانتقام! كما أنها الصيغة الملازمة للحروب القومية.
وكلاهما نتاج لأشد الأشكال تطرفا وغلوا لنفسية وذهنية الانتقام
الهمجي.
في حين تقدم تجارب العراق القديم والحديث والمعاصر وتقاليد
الانتقام فيه براهين عملية على كيفية الخروج من دوامة العنف وتذليل
مقدمات ودوافع الحرب الأهلية والقومية. فقد برهنت تجارب فكرة
الانتقام التاريخي الكبير للحركة المختارية على قيمة الانتقام
المتسامي، أي القادر على تحويل القصاص من مجرمي السلطة السابقة الى
أسلوب التحرر الاجتماعي، ومن تصفية الحساب مع الماضي الى تصفية
الحساب مع نماذج الخروج على مبادئ الحق والعدل، ومن الانتقام في
مختلف مظاهرة الى أسلوب تأسيس الفكرة الوطنية العراقية بمعاييرها
الإنسانية والكونية. وهي النتيجة التي سوف يصل إليها العراق
بالضرورة من خلال السلم والحرب. إذ أن مختلف نماذج الصراع سوف تؤدي
بالضرورة الى إعادة بناء الهوية العراقية على أساس الانتماء إليه
أو التشيع لكينونته التاريخية الثقافية. وهي اللمحة الوامضة في
أعمق أعماق وعي الذات العراقي، التي أشعلتها الحركة المختارية قبل
أكثر من ألف عام مضى. فقد جسدت الحركة المختارية من حيث مقدماتها
وغاياتها ومكوناتها وشخصياتها الفاعلة نموذج التشيع للعراق العربي
الثقافي الإنساني. وهو التشيع الذي أكثر من يمثله ويحتوي على
إمكانية تحقيقه من بين الحركات الإسلامية العراقية الحالية، هو
التيار الصدري.
طبعا، إن الصدر ليس كالمختار، لكنهما من أصل واحد، وهو كوفة العراق.
وليس مصادفة فيما يبدو أن يتمركز الصدر في مدينة الكوفة، كما لو
انه يستنسخ صورة المعارك القديمة ووهج آثارها المغرية بالنسبة
للتضحية والشهادة، كما نلمحها في وشاح الكفن على البدن. فهي الرموز
التي تستثير بوعي ودون وعي قوة الطاقة المتراكمة في دهور الانتماء
الخفية للعراق.
فالكوفة هي معقل المواجهة التاريخية التي صنعت فكرة وعبارة "أهل
العراق". وفيها وعبرها تراكمت كل الصور المحتملة للفروسية والثأر
دون أن تهبط في مجرى تاريخها الى سوق التجارة الرخيصة للغوائل
والرذائل. وليس مصادفة أن تبقي على صورتها هذه حتى في أحداث العراق
الحالية.
فعندما تصدت الحركة الصدرية في رجالها المهلهلين للقوات الحكومية
المدعومة بالأسلحة الثقيلة والفتاكة لقوى الاحتلال الأمريكي في
النجف، فإنها كانت تستعيد في مآثرها التعيسة بطولات المختار
القديمة، لكنها خلافا عنه قد أبقت على صلة الاتصال المرنة بين
المقاتلين ورجال الدعوة، أي بين النجف والكوفة، أو بين "جيش المهدي"
والصدر. وهي الصلة التي أثارت في وقتها قدرا من الشماتة والاستهزاء،
لكنها برهنت على ما فيها من قيمة ترتقي الى مصاف القدر السياسي
الرفيع. وهو قدر لم يحسمه تاريخ العراق بعد، لأنه جزء من غيبه
المجهول، أي من مستقبل الصراع القادم. وهو صراع تاريخي، بل قد يكون
احد أهم معالم وأنواع الصراع الاجتماعي العراقي المقبل.
فالعراق بحاجة الى قوى اجتماعية وطنية من اجل تذليل الهوة العميقة
بين النخبة السياسية والمجتمع، وبينهما وبين التاريخ الفعلي للدولة
والأمة والبدائل. فالنخب السياسية العراقية الحاكمة، شأن ما جرى
الإطاحة بها مازالت غريبة عن العراق ومغتربة عن تاريخه الفعلي. وهو
واقع مرتبط بطبيعة الدمار والخراب الشامل الذي أحدثته
التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية بإخلاء المجتمع
والدولة من قواهما الحية. وحالما حدث الفراغ العاصف في السلطة بعد
دخول القوات الغازية بغداد في نسيان 2003، فان اندفاع قوى الخارج
كان اقرب الى العاصفة منه الى تيار الحياة المنعش. وهي العاصفة
التي يمكن التأفف منها وإدانتها والحكم عليها بأشد واقسي أنواع
العبارة والأوصاف، لكنها تبقى أيضا احد الأجزاء الكبرى لتأسيس
التاريخ العراقي الفعلي. وهو الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الحكم،
بما في ذلك من خلال تأمل واستقراء تجارب الأمم، بأن هجومها العنيف
على السلطة والمال هو أسلوب اندثارها واحتراقها السريع. بمعنى
تحولها مع مرور الزمن الى رماد وسماد النمو اللاحق لقوى المستقبل
العراقي. ومن ثم بقاء الاحتمال الأقوى والأكبر لقوى الداخل العراقي
من اجل استكمال الشوط المنقطع في تاريخه الحديث.
فكما كانت حركة عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب هي قوة الخارج
العنيفة في محاولاتها الاستحواذ على العراق في مجرى ضعف وتخلخل
الدولة المركزية الأموية، فان قوى الخارج الجديدة هي الأخرى لا
علاقة صميمية وجوهرية لها بالعراق، بسبب طبيعة ونوعية الانقطاع
السياسي والاجتماعي عن الواقع العراقي وبفعل تأثير المفاهيم
الإيديولوجية الدينية والعرقية التي كانت وما تزل تحكم سلوكها. أما
قوى الداخل، شأنها شأن قوى المختار، فهي النتاج المباشر وغير
المباشر للزمن التوتاليتاري والدكتاتوري الذي حكم العراق في مجرى
العقود الثلاث الأخيرة. ومن ثم فهي الأكثر صميمية. وبالتالي تحتوي
من حيث نفسيتها ورؤيتها وإدراكها على اقتراب يتسم بقدر كبير من
الواقعية من حقيقة العراق الفعلية.
غير أن هذه المقارنة التاريخية تبقى، رغم كل الاعتراضات المحتملة
عليها، الصيغة الأكثر اقترابا من الواقع. أن الحركة الصدرية
الحالية كان يمكنها أن تتخذ منحى آخر في حال بقاء الصدر الأب.
بمعنى إمكانية اقتران تيارها السياسي بمرجعيتها الدينية الروحية (الفكرية).
وهو احتمال كان يمكنه أن يكون قوة عظمى بالنسبة للهوية الوطنية
العراقية والعربية. كما كان بإمكانه أن يجعل منها تيارا اجتماعيا
طبيعيا، وذلك لأنه التيار الذي كان يمكنه نقل الصراع الى الواقع
العراقي ومركزه السياسي (بغداد). ومن ثم يبقى للحوزات التقليدية
تقليديتها في الانزواء الغريب في أزقة النجف المغلقة، والمفتوحة
على صحون الأئمة الثرية!
غير أن الصدفة التاريخية شاءت، شأن كل ما كان مميزا للصدامية من
اصطدام بفعل طبيعتها وتطبعها وحماقتها غير المتناهية، مع ابسط
متطلبات الواقع والحقيقة والتاريخ لكي تضعهم أمام امتحان عسير من
اجل البرهنة على أن الحياة هي شيء غير الموت! بمعنى وضع المجتمع
وقواه أمام مهمة البرهنة على بديهيات الواقع والحقيقة والتاريخ.
وقد تكون هي مفارقة العراق الحديث، بسبب عدم قدرته على تحويل الزمن
الى تاريخ والعيش بمعاييره ومقاييسه. من هنا مراوحته في الزمان
والمكان. وهو احتمال لا يمكن نفيه بسبب لاعقلانيته. فاللاعقلانية
هي الفرضية الوحيدة المبرهن عليها في تاريخ العراق الحديث! من هنا
سقم وعقم ما فيه لحد الآن. بحيث جرى تحول من كان في عداد العدم الى
كل شيء! لكنها الحالة التي تعكس طبيعة الانحراف التاريخي للعراق عن
تاريخه الذاتي. وهو تاريخ لا يمكن تأسيسه دون الانطلاق منه والرجوع
إليه بما فيه. وهي العملية التي تشكل الحركة الصدرية إحدى قواها
الكامنة. وهو كمون لا ينفك في احد مقوماته الواقعية والايجابية في
بقاء الصدر "يتيم" عائلته العريقة. وهو "يتم" وضعه، خلافا لتقاليد
العائلات المتكلسة والارستقراطية المغلقة، أي المليئة بالزيف
والرياء، أمام مهمة بناء كيانه الشخصي والاجتماعي والسياسي.
بعبارة أخرى، إن الصدر سليل العائلة، لكنها عائلة، شأن المختار، لا
تتصف بطابعها المغلق ومؤسساتها التقليدية. بمعنى أنها لا تعيش
وتعتاش على شرف "السادة" المزيف و"بحار العلوم" الراكدة،
و"اجتهادها" المنزوي في بطون الكتب المتربة وقضاياها التي عفا
عليها الزمن، وعلوها المريب على العوام، واستعدادها الدائم
للاحتيال والسرقة والتشدق الدائم باسم المستضعفين. على العكس، لقد
جرى رمي زمن "العائلة المقدسة" كما فعل المختار قبل قرون عديدة،
عبر إرجاع فكرة "المرجع" الروحي الى ميدان الحياة الاجتماعية
والسياسية بوصفها ميدان التأسيس العملي لتاريخ الحرية والعدالة.
وهي عملية لم يكن بالإمكان تجسيدها بصورة نقية وعادلة وحرة بسبب
التركة الهائلة لمنظومة الخراب والانحطاط الشامل في العراق.
فالقوى التي رفدت التيار الصدري هي تراب العراق المتطاير تحت أقدام
العتاة القدماء والغزاة الجدد وسرايا القادة الصغار وأفواج
المرتزقة في هيئات المعارضة المترفة للخارج. لكنه تراب العراق، ومن
ثم، المكون القادر على أن يكون تربة الخشوع لما فيه، شأن تحول
مراقد الأئمة المقتولة في ساحات الوغى الى مزارات الروح والجسد
العراقي عبر تحويل ترابها المعجون بعرق الأمهات الى تربة الصلاة
ونذور البهجة والأماني. بعبارة أخرى، إن الاحتمال الكامن في الحركة
الصدرية للصيرورة في كيان عراقي وطني عام يرتبط بمدى قدرتها على
الارتقاء الى مصاف الفكرة الوطنية العراقية العربية. لاسيما وانه
الشرط الجوهري والضروري والوحيد القادر على جعل نموها الطبيعي
عملية تلقائية. بمعنى الخروج على تاريخ المرجعية التقليدية. وهي
الحالة التي حاولت وما تزال تحاول الحركة الصدرية القيام بها أو
دفعها الى النهاية من خلال جعل نفسها "مرجعية ناطقة" (الحوزة
الناطقة). وهي صيغة تتمثل تقاليد الصامت والناطق الشيعية العامة
وتتلذذ بفتات الفلسفة الإسماعيلية، لكنها لا تخضع لاعتبارات
العقائد بوصفها منظومة. والسبب يكمن في أن الحركة الصدرية هي حركة
اجتماعية سياسية تلقائية ثارت مع مدينة الثورة في فورتها الأخيرة
بعد سقوط "هدام" (صدام). فقد انقلبت مدينة الثورة التي جرت مصادرة
اسمها باسم صدام الى مدينة الصدر. وهو التحدي الجديد لتراث
الصدامية من خلال جعل صدام "هداما" والإبقاء على مدينة الثورة،
بوصفها مدينة الصدر، أي حامي تراثها وحامل لوائها الاجتماعي
والروحي والسياسي. وهي رؤية تحتوي في أعماقها على صدى التراكم
الهائل في شحنة الاحتجاج الاجتماعي للهامشية العراقية التي جسدت
مدينة الثورة نموذجها الكلاسيكي.
فقد كان الانتقال فيها من الشيوعية الى الشيعية أمرا عاديا
وتلقائيا. ومن ثم كان من الطبيعي أن يرتقي مزاج الكفاح المسلح
العريق بين عرب الجنوب المتراكمة في ضواحي العاصمة الى تكوين "جيش
المهدي". وهو الآخر لا عقائدية فيه شأن كل التنظيم العملي والخطاب
السياسي للتيار الصدري، عندما يؤخذ على حقيقته، أي من حيث رؤية
مقدماته الاجتماعية وغايته السياسية. انه مشحون بقوة الثار
الاجتماعي للمستضعفين (المهمشين). بعبارة أخرى، إن "جيش المهدي" هو
النسخة المنسوخة للصورة المبتغاة في خيال العوام والثوار القدماء
عن مواجهة السلطة المركزية العنيفة بعنف الثورة! وليس مصادفة أن
تكون مدينة الثورة وكل الأحياء الخربة للعراق العربي الى مصدر
وممول الحركة الصدرية "بالأرواح والدماء" النقية والفاسدة على
السواء. وفيها أيضا يكمن سر استجابتها العنيفة لمزاج الشيوعيين
القدماء والشيعة الجدد. ومنهما كانت تتراكم كمية ونوعية التجربة
السياسية المليئة بأخطاء الطفولة والرعونة الصادقة!
m-aljanabi@mail.ru
