|
|
لقد كانت الحركة الصدرية قبل أن تتبلور معالمها الواضحة تيارا
ساريا وهائجا لبركان الصيرورة الاجتماعية السياسية. بعبارة أخرى،
إن التيار الصدري هو الحركة الأولى لتبلور مختلف مظاهر ومعالم
الاحتجاج الاجتماعي التلقائي في رؤية سياسية. وشأن كل بركان هائل
عادة ما يختلط لهيبه بدخانه، وسيله بحرائقه. لكنها العملية
الطبيعية لكي ترتسم معالم أثره في إعادة صنع تضاريس الطبيعة
والحياة الاجتماعية. وهي الحالة التي ميزت الانفجار الأول للتيار
الصدري، الذي أثار هلع النائمين واندهاش الناظرين وتأمل الحالمين،
بسبب معايشتهم المباشرة لحرائقه الكبيرة ولهيبه المرعب. وحالما
اقترب واندمج بعنفه الحار في مياه الحياة العراقية الباردة، عندها
أخذت تبرز مختلف ملامحه المتناقضة. لكنها تبقى في نهاية المطاف
الجزء الحيوي والطبيعي من صيرورة الوجود التاريخي للعراق المعاصر،
وكينونته السياسية الحالية والمستقبلة.
لقد كانت الحياة الاجتماعية والسياسية العراقية في أواخر المرحلة
التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية باردة حد الموت.
وبالتالي، فان الصعود الراديكالي للتيار الصدري كان يعادل من حيث
قيمته الاجتماعية والسياسية والفكرية والروحية فضيلة كبرى . فقد
كان صعوده العنيف تعويضا عن خمول الروح الاجتماعي. وبما أن التيار
الصدري آنذاك لم يكن واضح المعالم من حيث بنيته الداخلية وأفكاره
العملية، من هنا سيادة الحماسة المفرطة فيه.
لكن ذلك لا يعني أن التيار الصدري قد خرج الى الوجود من لا شيء.
لقد كان نتاجا طبيعيا وتلقائيا لزمن العراق الراديكالي. وهو زمن
أنتج، رغم مفارقاته وتناقضاته المخزية، الظاهرة الصدرية، التي كونت
الأساس المادي والروحي للتيار الصدري الأخير. وليس مصادفة أن يعتبر
التيار الصدري الأخير نفسه استمرار لما يسمى بتيار الصدر الأول
والثاني، أي تيار محمد باقر الصدر ومحمد صادق الصدر. وهي إشارة لا
تخلو من جوهرية العائلة، لكنها محكومة بفكرة ونفسية الفرد المجاهد.
فالصدر الأول هو المصدر الإيديولوجي لحزب الدعوة بمختلف أصنافه.
بينما لم يعد بالنسبة للتيار الصدري الأخير أكثر من فرد مجاهد في
سلسلة العائلة الصدرية الروحية. وهو السبب الذي يفسر ضعف أو انعدام
القيمة الفكرية والإيديولوجية لإبداعه النظري. وهو إبداع يتراكم في
حلقات العائلة الصدرية التي شكل محمد صادق الصدر حلقتها الأخيرة.
فهو اقرب من حيث المزاج والشخصية والتاريخ العملي والمصير الفردي
الى الجماهير كما هي بدون واسطة "الأحزاب".
فقد تمثل محمد صادق الصدر ثالوث التشيع الإسلامي والوطنية العراقية
والانتماء العربي في كل واحد. وهو الثالوث الذي نعثر عليه في صلب
المكونات المتناثرة للحركة الصدرية الأخيرة، بوصفها "منظومة"
أيديولوجيتها العملية. فقد كانت شخصية أبيه تسعى لتمثيل عناصر
التشيع والعراقية والعربية من خلال تمثل مصالح الفقراء والمهمشين.
وهي الوحدة التي كانت تثير بقدر واحد عداء السلطة والحوزة
التقليدية. فقد كان نشاطه داخل العراق بقواه الخاصة. وهو سر انفجار
التيار الصدري الأخير بوصفه تيار الداخل العراقي. فقد انشأ الصدر
الأب تياره الخاص، بما في ذلك في عبر مختلف أشكال المناهضة غير
العنيفة للسلطة الصدامية، منظومة تأثيره في العراق بمعزل تام، بل
ومعارض للأحزاب والتيارات الشيعية الأخرى (المرتبطة بأقدار ونسب
مختلفة بإيران) . فمنذ الانتفاضة الشعبانية أصبح خطابه السياسي
والاجتماعي نموذجا لاستقطاب الكينونة العراقية المهمشة. وهو
استقطاب كان يحمل في أعماقه وحدة النزوع الشعبي والعراقي والعربي.
وتراكم عبر الأفراد والجماعات والمؤسسات الخيرية والمدارس. وهي
الخلايا التي كانت تعيد إنتاج نفسها تحت ضغط الغطاء الثقيل
للدكتاتورية. وحالما ارتفع عنها، فانه سرعان ما أخذ ينمو بقوة
ملفتة للأنظار، أتخذ رغم كل تنوعه الداخلي وحدة "التيار الصدري"
المحكوم بالأثر الروحي للصدر الأب.
وقد كانت مظاهره الأولى تقوم في التفاف مجموعة من رجال الدين
الشباب المنتمين " للحوزة الناطقة" التي أسّسها محمد صادق الصدر .
فقد أخذت البنية التنظيمية تتكامل بسرعة مذهلة. وهو أمر يشير الى
أن بوادرها ومقدماتها، بما في ذلك التنظيمية، كانت واضحة وجلية في
خيال ورؤية القوى الجديدة. وهي قوى كانت تحتكم في رؤيتها ومزاجها
ومساعيها من واقع العراق المهمش. وهو الأمر الذي أسبغ عليها وعلى
سلوكها ومواقفها وغاياتها أبعاد اجتماعية عراقية وطنية. وهي
العملية التي يمكن اعتبار صعود شخصية مقتدى الصدر تعبيرا نموذجيا
عنها. بمعنى أنها المرة الأولى التي تأخذ الحركة الاجتماعية
الشيعية زمام المبادرة خارج تقاليد "الحوزة العلمية" وأحزابها
التقليدية ومرجعياتها الروحية. وهي الظاهرة التي نلمح مظاهرها
الأولية في تحر التيار الصدري وتحرره من ثقل المرجعيات المحنطة
بقدسية المدن الحائرة في يقينها الضيق.
فقد تحرر الصدر والتيار الصدري الجديد من مرجعية الشيخ كاظم
الحائري، بوصفه المرجع الذي رشحه الصدر الأب لابنه. وهي فرضية
قابلة للجدل، لكنها لا تحتوي على أبعاد وقيم عملية ونظرية بسبب
الطلاق السريع والواضح بين تيار الحركة العراقية وقادتها الجدد
وبين بقايا المرجعية القابعة في مدينة قم. وهو تحول جوهري في ميدان
الفكرة النظرية والعملية والسياسية، أي كل ما يمكنه أن يبلور
الأبعاد الإيديولوجية الجديدة للتيار الصدري. وذلك لان غياب "المرجعية
الروحية" يجعل من العقل الاجتماعي وتجاربه الخاصة والعامة أسلوبا
للبحث والتدليل. أما في حالة التيار الصدري فانه دفع شخصية مقتدى
الصدر بالشكل الذي جعل منها في آن واحد مرجع الحركة ولسانها الناطق،
أي كل ما أعطى للحركة إمكانية التحرر من فكرة ونفسية وذهنية
الوصاية. وهو تحرر جعلها تسرح وتمرح وتفور وتثور في كل مكان.
لقد دفع البركان العنيف تيار الصدر صوب مياه العراق الباردة وليس
صوب أزقة الحوزة العلمية. من هنا حدة الخلاف العلني السريع
والمباشر الذي اندلع منذ الأيام الأولى لصعود التيار الصدري، بين
ما سيدعى بالحوزة الصامتة والحوزة الناطقة. وهو خلاف له مقدماته
ونموذجه في شخصية الصدر الأب. لكنه تحول في مجرى الانعطاف التاريخي
الشديد بعد سقوط السلطة الصدامية وصعود الاحتلال الى موشور
الإيديولوجية الصدرية الجديدة. ومن ثم ساهم ويساهم لحد الآن في
بلورة عناصرها وعيها النظري والعملي. وليس مصادفة أن تحمل الجريدة
الأسبوعية للتيار الصدري اسم "الحوزة الناطقة". فهو الاسم الذي كان
يتمثل تاريخ الصدر ولسان صوتها المعاصر. وليس مصادفة أيضا أن يتمثل
مقتدى الصدر تراث أبيه في النطق أمام جماهير المدن المهمشة، مبتعدا
عن "مراكز القرار" الخاضعة للسيطرة الأمريكية وتركيبها للأشخاص
والحركات .
بعبارة أخرى، لقد أبقى الصدر والتيار الصدري على كينونته الذاتية
بوصفه حركة المجتمع المهمش والمصالح العراقية التي لم ينطق باسمها
أي من التيارات والحركات والأحزاب والحوزات. وتحولت الكوفة الى
جانب مدينة الصدر المصادرة من اغتصاب الصدامية، الى ميادين الجدل
السياسي وشحذ القيم الإيديولوجية وتبلور المفاهيم العامة والخاصة
بالحركة الصدرية مما يجري في العراق وحوله. من هنا تقييم التيار
الجديد لماهية "الحوزة العلمية" بمعايير الرؤية الاجتماعية
والسياسية العملية والوطنية العراقية. لهذا نرى الصدر يتكلم عن "مرجعيات
لا تحبذ التدخل بالسياسة"، وأخرى "تتصدى للسياسة ولكن بصورة متورطة
مع قوى الاحتلال" ، وثالثة تتصف بمواقف "وطنية مشرفة"لكنها لا
تشارك بالضرورة مواقف وأعمال ورؤية التيار الصدري في كل شيء .
واعتبر الأولى مرجعية خاملة لا يمكن الرضا عنها، والثانية لا يمكن
اعتبارها "مرجعية دينية"، أما الثالثة، فإنها الأقرب إليه على
الأقل من الناحية الروحية والأخلاقية ولحد ما السياسية. غير أن
التيار الصدري، ظل حتى في حالة الموقف المتسامح والمؤيد والداعم
للصنف "الوطني المشرف" من المرجعيات، يتمتع باستقلالية تامة عنها.
وليس الرجوع الى تقاليد الصدر الأول والثاني بوصفهما سلسلة "الشهادة"
سوى الصيغة الأكثر بروزا بهذا الصدد.
إن الرجوع الى حلقات الشهادة الصدرية، يعني استقلالية التاريخ
والموقف من اجل صنع حلقاتها اللاحقة، أي سلسلة الحركة القابلة
للنمو خارج تقاليد وتأثير المرجعيات التقليدية للنجف وقم. وهي
عملية تحتوي في أعماقها أولا وقبل كل شيء على وحدة الأبعاد
الاجتماعية والعراقية. ولا يغير من ذلك شيئا كون هذا الرجوع بلا
منظومة ولا عقائد سياسية باستثناء الحد الضروري لتقاليد التشيع
المجاهد والنزوع العربي العراقي، أي تقاليد التضحية والانتقام
المتسامي المتراكمة في تاريخ العراق العربي. وهي التقاليد التي تشق
لنفسها الطريق الى "الإيديولوجية العملية" للحركة الصدرية، التي
يمكن رؤية ملامحها النموذجية، على سبيل المثال في "الأجوبة" التي
كتبها مقتدى الصدر ردا على أسئلة التيار نفسه بصدد الموقف من البعث.
ففي معرض إجابته على مواقفه من فكرة البعث وإيديولوجيته السياسية،
يشدد الصدر على كونها فكرة آنية صنعها "الغرب الكافر والثالوث
المشئوم" (إسرائيل وأمريكا وبريطانيا) لجعلها يدا ضارِبة ضد
الإسلام عموما وأتباع أهل البيت خصوصا، وإنها تأسيس للقومية الضيقة
المعارضة لفكرة الإسلام، وإنها جذرت العلمانية وأرست أسس
الدكتاتورية والظلم، وجعلت من قادتها آلهة فارتكبوا المحرمات بلا
وازِع ولا رادع.
لهذا نراه يجد فيمن اعتقد بفكرة البعث وامن بها محلا للعقاب! بحيث
نراه يقول "لو كنت مجتهِدا لأقمت عليه القصاص"!. كما وجد فيم يروج
لها استمرارا لمن "يدعم معاوية ويزيد والحجاج وهولاكو وكل ظالم عبرَ
مر العصور. فهو مروج للباطل ويستحق العقاب". لوم يجد تبريرا لمن
انتمى إليه بسبب العوز والإجبار، لان الإنسان إرادة. وحقيقة
الإنسان استعداد للتضحية من اجل الحق.). لهذا نراه يطالب بالقضاء
النهائي عليه مهما كان اسمع ولونه الجديد. إذ وجد في حزب البعث
مصدر الخراب المادي والروحي للعراق. وان كل ما قام به وأدى إليه هو
ظلم وجور ورذيلة. من هنا ضرورة القصاص العادل منه. بل وجد في "كل
كتبهم وإصداراتهم ومنشوراتهم كتب ضلال يحرم تداولها على الإطلاق".
من هنا دعوته "لاجتثاث أفكارهم وقلع أشخاصهم وعدم الانجرار خلف
السياسة التي تجعل منهم حزباً حكومياً مِن جديد". وطالب بمقاطعتهم
عل كافة المستويات ومطاردتهم أينما كانوا وحلوا كما كان يفعلون ضد
الناس. بل نراه يرد على سؤال متعلق بموقفه من "التشهير بهم وتعريف
الناس على قبائحهم وأفكارهم الخبيثة" بعبارة "نعم! جزاك الله خيراً
ففيه مرضاة لله تعالى"! كما نراه يطالب بنبذ ثقافة البعث وإزالة
مناهجهم من التعليم. وحول الثأر الشخصي من حزب البعث بسبب قتله
الصدريين (محمد باقر ومحمد صادق) نراه يقول "كوني وليا للدم أطلب
إقامة القصاص على كبير القَتلَة من العفالقة الأنجاس الهدّام (صدام)
عليه اللعنة والعذاب وعلى كل القتلة الُجرمين ممن كانوا يأتمرون
بأوامره الشيطانية الخبيثة. فما ضاع حق وله مُطالِب. فلَم تذهب
دماء الحسين دون عقاب. فقد كان المختار نِعمَ الآخِذ بِثَأرِهم.
اللهم، فإن كنت مستحقا لأن أكون آخذاً بِالثأر، ثأر آل الصدر، بل
الإسلام كافـة، فلك الحمد على ذلك، وإلا فاجعل قـتلَهم وتشريدهم
على يد مولانا الإمام المهدي، أو أيدي المؤمنين".
إن هذه الإجابات النموذجية تعكس طبيعة التفكير والذهنية الصدرية،
بمعنى اتصافها بالمباشرة وتوليفها المعقول لما اسميه باللاهوت
الشيعي والناسوت العراقي. وهو توليف يتمحور ويتجسد من خلال الأبعاد
الأربعة الكبرى للفكرة الصدرية الحالية، ألا وهي "مواجهة المحتل"
و"عراق الداخل" و"التضحية الاجتماعية" و"الانتقام التاريخي". وإذا
كان البعد الأخير (الثأر والانتقام) هو الأكثر والأوسع انتشارا
وترسخا في إجاباته فلأنه يتعامل مع الإشكالية الأشد إثارة بالنسبة
للأبعاد الأخرى. من هنا تركز فكرة الثار فيها بوصفها جزء من معترك
البدائل. وهو الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان غياب
المنظومة الفكرية والإيديولوجية الواضحة لا يعني انعدامها. على
العكس إننا نستطيع لمح ما يمكن دعوته بالمنظومة الخفية لتعايش
عناصر التشيع والنزعة العراقية والروح العربي من خلال الأبعاد
الأربعة التي جرت الإشارة إليها أعلاه .
كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بان التشيع والعراقية والعربية هو
ملك وملكوت وجبروت التيار الصدري، أي ثالوث التشيع المذهبي وليس
الطائفي، والوطنية العراقية العامة وليس الجهوية، والنزوع العربي
الجامع لكليهما. لكنه ثالوث لم يتكامل بعد في منظومة فكرية واضحة
المبادئ وإيديولوجية سياسية لها أطرها الدقيقة وتنظيمها العملي.
وهو الأمر الذي يجعلها جزء من آفاق التيار وحركته المنظمة. وهي
آفاق تتفاعل فيها أربعة أبعاد جوهرية وهي أبعاد الداخل، والمواجهة
للمحتل، والتضحية الوجدانية والاجتماعية، والانتقام التاريخي. كما
أنها الأبعاد التي تتفاعل فيما بينها في مجرى الصراع العشوائي
والعنيف السائد في ظروف العراق الحالية. من هنا غلبة الطابع
التجريبي فيها. لكننا نلمح في الوقت نفسه تهذبها تحت ضغط تفاعلات
القوى المحلية والإقليمية والدولية. وهو تهذب يجري من خلال توسع
وتعمق العناصر الواقعية والعقلانية في التعامل مع القوى والأحداث.
وهي عملية تحد من فاعلية المزاج والأهواء الراديكالية في التيار
الصدري، وذلك بسبب التكامل النسبي الأولي والعملي لثالوث التشيع
العراقي العربي بأبعاده الأربع المشار إليها أعلاه. من هنا تباين
نسب هذا البعد أو ذاك في المواقف العملية للتيار الصدري، لكنها
تعمل في ظروف العراق الحالية من خلال التعامل مع الإشكاليات الأكثر
واقعية وإلحاحا وضغطا على التيار نفسه. وليس مصادفة أن نرى بروز
هذه الأبعاد بصورة متباينة من حدث لآخر، لكنها تعكس في ديناميكيتها
حركة التيار الصدري وتحرره من العقائد المذهبية. ففي الأسابيع
الأولى التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق انتشر أنصار الصدر في
شوارع الأحياء الشيعية الفقيرة من العاصمة بغداد وقاموا بتوزيع
الغذاء. كما تم إلغاء اسم "مدينة صدام" واستبدالها ليس عبر الرجوع
الى اسمها الأول (مدينة الثورة) بل تقديمها باسمها الاجتماعي
الجديد "مدينة الصدر". وحالما جرى تأسيس "مجلس لحكم المؤقت" نرى
التيار الصدري ينشأ حكومة منافسة. كما نراه يرفض دعوة الحكومة
للمشاركة في مؤتمر وطني. ثم يهاجم إياد علاوي، بوصفه رئيس وزراء
الحكومة المؤقتة، ويعتبره استمرار للاحتلال الأمريكي للعراق. ثم
اشتبك أنصار الصدر مع أتباع آية الله السيستاني في مجرى التحضير
لتسليم السلطة (الشكلي) للحكومة العراقية. واعتبر الائتلاف العراقي
الموحد لا يمثلون سوى أنفسهم. كما صرح بعدم شرعية الانتخابات
العراقية مادام الاحتلال موجوداً. دون أن يفرض على المجتمع ذلك أو
أن يجرد حتى أنصاره من حق المشاركة في الانتخابات. كما نراه يهدد
الحاكم الأمريكي للعراق آنذاك بول بريمر بالثورة في حال عدم جعل
الإسلام مصدرا رئيسيا للتشريع في العراق. وفي الوقت الذي يحارب
بقوة الاتجاهات التكفيرية والطائفية السياسية السنية ويدعو رجال
الدين الشيعة للمشاركة الفعالة في الحياة السياسية، نراه ينظم
مظاهرات تضم شيعة وسنة في بغداد ومدن أخرى في مجرى معارك الفلوجة
والنجف وغيرها. وفي الوقت الذي وجهت إليه اتهامات "فرق الموت" في
مواجهة "النواصب"، فان خطابه السياسي مشحون بنبذ الطائفية، والدعوة
للوحدة الوطنية. وقد دعم بالقول والعمل أهل مدينة الفلوجة في مجرى
المعارك العنيفة آنذاك. كما أرسل بعض قواته لدعم التركمان والعرب
في كركوك ضد التجاوزات والجرائم العرقية للأحزاب الكردية. بل نراه
يتعدى حدود العراق ليعلن نفسه اليد الضاربة لحزب الله اللبناني
وحركة حماس الفلسطينية. وقد كانت اغلب مواقفه محكومة بهاجس التحرر
الوطني العراقي من الاحتلال. فقد شدد دائما على عدم قبول "العيش
بين حفر الاحتلال"، وان "الواجب الديني والوطني" يلزمه بالسعي من
اجل الحصول على المطالب حسب المستطاع، لكنه "لن يرضى بالاحتلال"،
وأن من يقر بالاحتلال ليس بعراقي"، وان "الحركة لا تسمع قولا لغير
العراقيين". وانه يرغب بأن "تكون العملية السياسية أو الوطنية ضمن
الحوزة العلمية والمرجعية"، كما أن من الممكن "التعاون مع
الأمريكان بالجهد الذي نقدر عليه، لكنهم محتلون ويجب أن يرحلوا".
وهي الفكرة التي وضعها في قوله "إننا مع أي نوع من أنواع المفاوضات
مادامت جدية ولا تتضمن ما يخالف ثوابتنا من وجوب رحيل المحتل وفق
سقف زمني مدعم بضمانات دولية". وهي الفكرة والمواقف العملية التي
ظل متمسكا بها حتى في مجرى ونتائج تعرضه للضربة العنيفة بأثر معركة
النجف.
بعبارة أخرى لقد اخذ التيار الصدري يتمرن ويتمرس في دهاليز اللعبة
السياسية، لكنه ظل أكثر وضوحا وأمانة في التعبير عن مبادئه الكبرى
ألا وهي: معارضة الاحتلال، والوحدة الوطنية، والمعارضة السياسية
للسلطة بوصفها استمرار أو أداة بيد الاحتلال. وهي ممارسة كانت
تتشبع بمعايير الرؤية الواقعية، التي وضعها الصدر في إحدى كلماته
التي تقول "نحن نعمل بعدة تكتيكات تبعا لظروف المرحلة الراهنة. ومن
الممكن أن تستمر مرحلة من المراحل فترة زمنية قصيرة، وقد تمتد
فيشتبه الأمر على البعض فيظنها طرحا نهائيا غير قابل للتبدل. نعمل
بعون الله وفق ظروف مختلفة تتطلب تغيير بعض توجيهاتنا من دون
الخروج على أهدافنا الرئيسية". وهي فكرة يمكن رؤية مختلف مظاهرها
العملية والسياسية في مجرى السنوات الأربع الأخيرة. ذلك يعني، أننا
نقف أمام ديناميكية محدودة بشروط الحياة العراقية الحالية الخربة،
وفساد اغلب قواها السياسية، وضعف البدائل العقلانية والوطنية
العامة، لكنها الأكثر فاعلية ومن ثم الأكثر إشكالية بالنسبة
للبدائل.
m-aljanabi@mail.ru
