|
|
إن مأساة وآفاق الحركة الصدرية هما بقدر واحد مأساة وآفاق العراق.
بمعنى إنهما كلاهما نتاج ظروف الانحطاط، تماما بالقدر الذي يمثلان
محاولة الخروج من مأزقه التاريخي الفعلي. من هنا إشكالية البديل
الكبرى في العراق أمام جميع القوى السياسية بما في ذلك أمام الحركة
الصدرية. بل أنها الإشكالية الأعقد بالنسبة للحركة الصدرية بسبب
كونها الحركة الاجتماعية السياسية الوحيدة التي نشأت من صلب الواقع
العراقي وزمن الانحطاط الشامل فيه. وهو السبب الذي جعل منها حركة
تحمل كل متناقضات الوجود التاريخي للعراق المعاصر. من هنا لا يمكن
لأية إسقاطات تاريخية أو تملق إيديولوجي أو مواعظ أخلاقية مجردة
مهما كان مصدرها، أن تغير شيئا من مجرى الأحداث ما لم تتكامل
الحركة العشوائية الناشئة من خليط الانحطاط والوجدان في حزب سياسي
اجتماعي متميز. وهو تكامل مرهون لحد كبير بمدى قدرة الحركة (الصدرية)
على الارتقاء صوب الواقعية العقلانية. فهو الشرط الضروري لنمو
وتراكم منظومة القيم الاجتماعية والمدنية في الفكرة السياسية.
بمعنى تحول التيار الصدري والحركة الصدرية الى كينونة سياسية
اجتماعية لها إيديولوجيتها العملية وبرامجها الواضحة.
ومن الممكن توقع تعقيد الارتقاء بسبب طبيعة وحجم التركة الهائلة
للتوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية ورصيد الإرث التقليدي
في الوعي المذهبي السياسي. من هنا عادة ما تتخذ عملية التهذيب
والتشذيب والخروج على المألوف ومحاربة التقليد، بما في ذلك تجاه
أكثر الأمور بساطة، طابع الصراع الوجداني العنيف. بعبارة أخرى، إن
أي اهتداء سياسي جديد تمليه ظروف الحياة والصراع يصبح بالنسبة
للعقل والضمير شكلا من أشكال "الهداية". وهي مظاهر يمكن رؤية
أشكالها المتغيرة وأنواعها العديدة في حال تأمل تجربة الصراع
السياسي التي خاضها التيار الصدري في غضون السنوات الأربع الماضية.
وهي مظاهر تصب عموما فيما يمكن دعوته بالرجوع الى المجتمع وحركته
الداخلية. وهو الأسلوب الأولي والضروري بالنسبة لتيار اجتماعي
سياسي تلقائي (كالتيار الصدري) للخروج التدريجي من تقليد المرجعيات
التقليدية. انه سوف يتوصل بالضرورة الى أن مرجعية التقليد هي
مرجعية تقليدية، أي مؤسسة خارج التاريخ الفعلي بشكل عام والعراقي
بشكل خاص. وهي نتيجة يمكن رؤية أبعادها النظرية والعملية في تاريخ
"التيار" الصدري، أي تيار المدرسة الصدرية. وهو تيار وضع محمد باقر
الصدر أسسه ومقدماته الأولية عبر إشراك تراث التشيع الإسلامي في
جدل المعاصرة. وهو جدل إيديولوجي في اغلبه وعادي بمقاييس العلم
النظري، لكنه الأكثر جدارة وقيمة وأهمية بالنسبة لبلورة الوعي
السياسي العراقي والعربي والإسلامي المستقل وسط الكثافة الثقيلة
لجمود "الحوزة العلمية".
غير أن التيار الصدري الحديث لم يولد من أحشاء الفكرة الإيديولوجية
لمحمد باقر الصدر، بمعنى أن الحبل السري لغذائه الفكري
والإيديولوجي لم يحتو على مكونات "فلسفتنا" و"اقتصادنا" و"سياستنا"،
بقدر ما انه كان يمتص رحيق وجوده الأول من تربة القوى الاجتماعية
المهمشة وهواء الراديكالية العائم في عقلها ووجدانها. فالتيار
الصدري لم يكن مقيدا بأيديولوجية التشيع السياسي السابق (حزب
الدعوة) ولا بتقاليد العائلة (آل الحكيم). وهي تقاليد لم ترتق الى
مصاف الفكرة السياسية المتحررة من ثقل التقليد الميت لتراث
الأقدمين ومرجعياتهم "الحية" في "آيات" يصعب قراءتها بلغة المعاصرة.
فإذا كان حزب الدعوة وآل الحكيم كما كشفت أحداث العراق ما بعد سقوط
الدكتاتورية عن أنها قوى الماضي، بمعنى انعدام علاقتها بالمستقبل
الحقيقي. وأن مفهومها عن المستقبل هو الإبقاء على "نقاء" الماضي،
أي فكرة السيد والعبد بعد رفعها الى مصاف المقدس. وهو أمر يضعها
بالضرورة بالضد من فكرة الحرية والتقدم والعلم. كما أنها تتعارض مع
فكرة الوطنية والمواطنة والصعود العربي للعراق. وهو سر صعود مرجعية
الثورة (اقصد مدينة الثورة) بوصفه الخط الموازي في بدائله لتقاليد
التشيع السياسي. فتقاليد ونفسية وذهنية ومزاج الحركة الصدرية هي
تقاليد مدينة الثورة العراقية ومكوناتها الاجتماعية، بوصفها منطقة
البؤس والحماسة الإنسانية الرفيعة، ومصدر من مصادر القوة الهائلة
للروح البغدادي والعراقي والعربي.
وبما أن التيار الصدري هو الممثل الراديكالي للوجدان العراقي
المعذب، من هنا احتواءه على إمكانية الارتقاء الى مصاف الرؤية
العقلية والعقلانية العراقية العامة. فالتيار الصدري هو تيار "العراق
الداخل"، أي المكون المتراكم من واقع العراق الفعلي. كما انه
التيار المتنامي من صلب الإشكاليات الواقعية العراقية، والمتحرر من
تاريخ "الاتفاقيات السياسية" المبرمة بين القوى العراقية القديمة
المناهضة للسلطة الصدامية. وهي اتفاقيات كانت محكومة أما بالعجز
الذاتي أو الخضوع لإملاء القوى الخارجية ونواياها وأهدافها
المختلفة. ومن ثم فإنها تبقى عاجزة عن العمل بمعايير الوطنية
العراقية العامة والمستقبل المتحرر من قيود الماضي وقوة الاحتلال.
إن الإمكانية الكامنة في التيار الصدري تجعله قادرا، مقارنة بغيره
من التيارات الإسلامية، على أن تبوء مكانة القوة الأكثر فاعلية
وتأثيرا وايجابية بالنسبة لترسيخ قيم الإصلاح السياسي، وبالتالي
وضع حد لنفسية وذهنية الانتقام الهمجي. لكنها إمكانية محكومة بمدى
استعداده لإعلاء مرجعية التشيع للعراق والنظام الوطني والدولة
الشرعية. والسبب يكمن في أن الارتقاء الفعلي للحركة السياسية
وقدرتها على تمثل المصالح الجوهرية للمجتمع المجزأ يرتبط
باستعدادها على توحيد التقاليد والارتقاء المحكوم بقيم المعاصرة.
فالحداثة الفعلية هي تلقائية التطور المعقولة بوعي الذات التاريخي
والثقافي. وفيها يكمن مصدر التقدم الاجتماعي وتراكم المؤسسات
والاحتراف والقيم والأفكار والمبادئ والمنظومات. وهي إمكانية يمكن
رؤية مثيلها في ارتقاء الحركة السياسية الشيعية في لبنان الى مصاف
حزب الله، الذي يمكن تصنيف تجربته على أنها الأكثر نموذجية في
العالم العربي الحديث (بالنسبة للحركات الإسلامية السياسية).
والإجابة على السؤال الذي يمكن توقعه عما إذا كان بإمكان التيار
الصدري الارتقاء الى مصاف التيار السياسي الفكري المستقل عن ثقل
العادة والتقاليد، يقوم أولا وقبل كل شيء في كيفية تأسيسه للفكرة
الوطنية العراقية، وتجسيد الصيغة الواقعية والمعقولة لفكرة
المركزية الدولتية، وتحقيق مرجعية الحرية والنظام.
وعندما نتأمل تاريخ التيار الصدري الفتي، فإننا نلحظ في مجرى تصلب
عوده على جملة مفاصل عامة وكبرى تؤيد الفرضية المطروحة أعلاه، ألا
وهي، ارتقاءه من حركة راديكالية مغلقة نسبيا الى حركة سياسية
للشيعة عموما، ومنها الى حركة اجتماعية سياسية شيعية، وأخيرا
ارتقاءها الى مصاف الحركة العراقية العامة (في ظل بقاء عناصر
ومكونات الجهوية والمذهبية بوصفها مكونات ثانوية). وهو ارتقاء يشير
بدوره الى احتواء التيار على إمكانيات الإصلاح المنظومي الذاتي،
ومن ثم إمكانية ترسيخ أسس منظومة الارتقاء التلقائي. وهي أيضا
عملية يمكن رؤية بعض عناصرها في سلسلة تطور التيار الصدري من
الغوغاء الى الأصحاء، ومن اللاعقلانية الى الواقعية، ومن العوام
المتحمسة الى العوام المتحسسة، ومن التهور الى الانضباط، ومن
الوحدة الى التجزئة، ومن خلالها الى التنظيم المعقول. ذلك يعني
إننا نقف أمام سلسلة تتألف من ست حلقات مترابطة يمكن رؤية معالمها
الخاصة والواضحة في مجرى أربع سنوات من التجربة السياسية المستقلة.
وهي تجربة تبرز قيمتها وأهميتها وديمومتها في ظهور ملامح النخبة
السياسية المحترفة . إلا أن آفاقها الفعلية الكبرى بالنسبة للمصير
العراقي ترتبط بمدى قدرة الحركة ونخبتها السياسية على توحيد وإنتاج
سبيكة جديدة مرنة وواقعية تحتكم الى العقلانية والرؤية الوطنية
العامة من اجل تحييد عناصر التجزئة في التيار الشيعي العام، أي
الاستحواذ العقلاني على الساحة الشيعية ومن خلالها تقديم برنامج
البديل الوطني العراقي العربي. وهو تحييد يشترط تذليل الانحراف
الداخلي وتقاليد العائلة والجهوية الميزة للحوزات الدينية وأطرافها
السياسية. وفي حال انجاز هذه المهمة يمكن للتيار الصدري أن يسهم في
تحييد القوى المحلية والقومية الصغيرة والعرقية، ولاحقا القوى
الخارجية المتصارعة على مصالحها الضيقة في العراق (إيران وبعض
سلطات الدول العربية).
إن هذه السلسلة العملية الصعبة مرتبطة بدورها، بل محددة بكيفية
تذليل الخطر الداخلي الأكبر بالنسبة لوحدة العراق وتكامله الذاتي.
وهو خطر يكمن الآن في تفاعل القوى العرقية (الكردية) والطائفية
السياسية العربية. لكنه خطر يضمحل ويتضاءل بصورة سريعة وعاصفة في
حال إخراج قوى الاحتلال. وهو الأمر الذي يجعل منها مهمة أولية. فهو
الشرط الضروري لتكامل الدولة والمجتمع والهوية الوطنية، كما انه
مقدمة تحييد وتذليل تأثير قوى الاحتلال ودورها الممكن والمحتمل في
الحياة الداخلية للدولة العراقية.
فالدولة العراقية الحالية عارية تماما أمام الولايات المتحدة
والتدخل الأجنبي. ومن ثم فان القوة القادرة على استعادة "العتمة"
هي القوة التي تتمتع بتاريخ العداء للقوة الأمريكية، وليس القوى
التي تعلقت بأذناب الاحتلال وسارت بركابه. فقد خلطت هذه القوى بين
إمكانية إقامة علاقة طبيعية وضرورية بين العراق والولايات المتحدة
كدول وأمم، وبينها وبين قوى الجيش والاستخبارات! لكن المهمة التي
تقف أمام التيار الصدري لا تقوم في محاربة هذه الاتجاهات، بل
بتقديم البدائل الايجابية عبر الاستحواذ على الساحة الشعبية
بمعايير الرؤية الوطنية العراقية العربية، والدفاع عن فكرة الحرية
والنظام الديمقراطي. فهو الأسلوب الذي يذلل النقص الفعلي في التيار
الصدري ويسحب البساط في الوقت نفسه من جانب التيارات التي تجعل من
قيم العلمانية والديمقراطية أداة الابتزاز وليس لبناء الدولة
والمجتمع والثقافة. وليس مصادفة أن نرى اشتراك اغلب القوى المختلفة
والمتحاربة والمتناحرة فيما بينها بالعداء للحركة الصدرية. بحيث
تحولت الحركة الصدرية الى هدف كل من يشترك مع الولايات المتحدة
الأمريكية بمعايير الاحتلال! من هنا اشتراك مختلف القوى في
محاربتها تحت حجج لا قيمة لها ولا شرعية مثل "العلمانية"
و"الديمقراطية" و"الشرعية". وهي كلمات فضفاضة ولا محل لها في إعراب
القوى التي تدعيها. بل يمكنني القول، بأن الحركة الصدرية هي الأكثر
علمانية وديمقراطية وشرعية في ظروف العراق الحالية. وهي المكونات
التي تستقيها من مقوماتها العراقية الفعلية والتصاقها بالمجتمع
وتمثيل قواه المسحوقة والصاعدة. فالعراق ليس بحاجة الى علمانية
لصوص وديمقراطية عبيد بأيدي الاحتلال، كما انه ليس بحاجة الى شرعية
كاذبة، دستورها مثل قرآن الحركات التكفيرية والإرهابية، يمكن توظيف
آياته ومواده حسب الحاجة والطلب.
إن تحقيق هذه المهمات العملية الكبرى مرتبط بتطوير الأسس الأولية
والشروط الذاتية للحركة الصدرية، أي الانطلاق مما فيها ودفعه الى
الأمام بمعايير الوحدة المتلازمة لما أسميته بثالوث التشيع
والعراقية والعربية. أي توليف فكرة التشيع العراقي العربي، بوصفه
تشيعا للعراق العربي (بوصفه هوية ثقافية وليست دينية أو مذهبية أو
عرقية أو جهوية). وهي مهمة ممكنة التحقيق من خلال:
1. توحيد الطائفة بلا طائفية، ودمجها بإشكاليات العراق العامة
والعربية الثقافية. بمعنى التنبه الدائم لكي لا تسقط الحركة في
اوحال المواجهات الطائفية (الشيعية والسنية) ومشاريعها الجزئية
والضيقة.
2. أولوية وجوهرية الصراع مع النفس، عبر صنع البديل الذاتي في
الفكرة والممارسة والقيم والمبادئ والأهداف.
3. الارتقاء بالتيار الى مصاف الحزب السياسي. وهي عملية ينبغي أن
تمس بنيته الفكرية والإيديولوجية والتنظيمية وشعاره الأساسي
وبرامجه واسمه.
وهي مهمات يمكن وضع لبناتها الأولى أو تجريبها العملي من خلال
إدراجها ودمجها في التحضير أيضا للانتخابات القادمة. بمعنى العمل
من اجل بلورة برنامج واضح المعالم يتمثل تقاليد الحركة الصدرية
ويرفعها الى مصاف المنظومة السياسية، أي منظومة البرامج والشعارات
العملية والمستقبلية. والصيغة المثلى هنا أن تلتف برامجها
المستقبلية حول شعارات الدولة الشرعية، والقانون، والديمقراطية
وتداول السلطة، والحرية. أما شعاراتها العملية فتلتف حول قضايا
القضاء على البطالة، وتطوير الزراعة، والاهتمام بالصحة، ومهمات
الدفاع عن حقوق المرأة والأطفال. فهي الجوانب والقضايا التي تشكل
محور الاستقطاب الفعلي لمكونات الروح والجسد العراقي للسنوات العشر
القادمة. وبالتالي ينبغي أن تكون جزء من برنامج مستقبلي أوسع
يترادف في العقل والوجدان العراقي مع فكرة صنع عراق قوي معافى. وهو
برنامج يفترض بلورة الأولويات التالية: التربية والتعليم، والتصنيع،
والعلم والتكنولوجيا المدنية، والحرية الفردية والاجتماعية،
والثقافة. وفي حالة تمثل التيار الصدري لهذا الاتجاه، فانه ملزم
بتغيير اسمه بالشكل الذي يجعله مرادفا في الوعي السياسي والاجتماعي
للعراقيين مع حزب الدولة والأمة. وهو حزب سياسي اجتماعي ينبغي أن
يحفر فكرة العراق وانتماءه العربي وآفاقه المزدهرة في كافة ميادين
ومستويات نشاطه العملي. فهو الأسلوب الضروري للتحول، بما في ذلك في
ميدان الايديولوجيا من اللاهوت المذهبي والديني الى الناسوت
العراقي والعربي. وعبرها فقط يمكن تذليل جبرية الزمن والارتقاء الى
إرادة التاريخ. وهي المهمة التي لم يقم بها أي من الأحزاب السياسية
في مجرى نصف قرن من الزمن، أي في مجرى الانقطاع التاريخي عن
التاريخ الذي ترافق مع انتصار انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958
وحتى الاحتلال الأمريكي للعراق. (انتهى)
