|
|
|
|
|
| |
|
|
|
كاظم الحجاج
بين درامية الشعر وشعرية الدراما |
|
|
| الهدف
الثقافي : د. مجيد حميد الجبوري |
الأحد 13 يناير
2008 03:27 GMT |

مقدمــة
الشعر والدراما قرينان لا يفترقان ، مذ عرفت الإنسانية الأدب ، واكتشفت
إمكانيته في جعل الحياة أكثر قبولاً للعيش .
فجميع المظاهر الدرامية التي كانت تشتمل عليها الطقوس الدينية
والتقاليد الاجتماعية القديمة اقترنت بالشعر ، وهو أمر كان شائعاً في
الحضارات القديمة ( الفرعونية والسومرية و البابلية والإغريقية ) وحتى
بعد انفصال المسرح عن الطقوس الدينية فأن الدراما بقيت تكتب شعراً
وأستمر هذا الحال إلى أن ظهرت الواقعية كمذهب أدبي في القرن الثامن عشر
، إذ لم يكتب الدراما خلال أكثر من سبعة عشر قرناً غير الشعراء ، بل أن
مقياس الشاعر المجيد في أوربا كان يتوقف على قدرته في كتابة المسرحيات
وعلى ما في قصائده من روح درامية ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، نذكر منها
( أسخيلوس ، وسوفو كليس ، ويور بيدس ، وأرستوفانيس ، وكوزنيه ، وراسين
، وبن جونسون ، وشكسبير ، وفيكتور هيجو ، وجوته ، وشيللر .. وغيرهم )
ومع أن ظهور الواقعية كان له الأثر الكبير في تحول لغة الدراما إلى
النثر بحجة تقريبها من لغة الحديث اليومية ، فأن ذلك لا يعني خلو
المسرح في العصر الحديث من المحاولات الشعرية ، نذكر منها على سبيل
المثال محاولات ( جان أنوي ، وت . س . أليوت ، ولوركا .. وغيرهم ) ومن
العرب نذكر على سبيل المثال أيضاً ( عبد الرحمن الشرقاوي ، وصلاح عبد
الصبور ، ومعين بسيسو ، وخالد الشواف .. وغيرهم ) بل أن النقد الحديث
ونقد ما بعد الحداثة بدأ يضع معياراً نقدياً للدراما الحديثة والمعاصرة
يتوقف على مقدار ما تشتمل عليه من مظاهر شعرية وتأسيساً على هذا الفهم
جاءت هذه الدراسة النقدية لشعر ودراما الشاعر العراقي ( كاظم الحجاج )
وقد تضمنت الدراسة ، ثلاثة مباحث رئيسية هي أولاً : درامية الشعر في
قصائد ( كاظم الحجاج ) وثانياً: شعرية الدراما في مسرحيات ( كاظم
الحجاج) وثالثاً : ملاحظات حول البنية الدرامية لمسرحيات ( كاظم الحجاج
) يأمل البحث أنه قد أوفى إبداع هذا الشاعر بعض ما يستحقه من تقدير .
1- درامية الشعر في قصائد ( كاظم الحجاج )
1-1 مؤشرات أولية
صدرت للشاعر ( كاظم الحجاج ) ثلاثة دواوين شعرية – لحد الآن – هي على
التوالي ( أخيراً تحدث شهريار – 1973 ، وإيقاعات بصرية – 1987 ، وغزالة
الصبا – 1999 )، وعند دراسة هذه الدواوين من وجهة نظر درامية ، ظهرت
للبحث المؤشرات الأولية التالية :
1-1-1 : لم يتلمس البحث أي بروز للمظاهر الدرامية في ديوان الشاعر
الأول ، وأن وجدت بعض المظاهر هنا وهناك ، فأنها جاءت مختفيةً أو عفويةً
– دون قصد - ، وفي كل الأحوال ، فأنها كانت نادرة ولا تثير الانتباه ؛
إلا أن تلك المظاهر الدرامية برزت بشكل يثير الانتباه ويستحق الدراسة
والتأمل في الديوانين التاليين .
1-1-2 : لغرض دراسة المظاهر الدرامية في شعر ( الحجاج) فقد أعتمد البحث
تتبع العناصر الفنية التي تشكلت منها تلك المظاهر ، بحسب ظهورها وتكرار
وجودها في قصائد الديوانين على حد سواء .
1-1-3 : وقبل الدخول في دراسة تلك العناصر منفردة عن بعضها ، يسجل
البحث أن القصد الدرامي كان أكثر اتضاحا في ديوان ( غزالة الصبا ) منه
، في ديوان ( إيقاعات بصرية ) ، إذ لاحظ – البحث – ورود أكثر من عنصر
درامي داخل القصيدة الواحدة ، كما أن العناصر الدرامية شكلت فيما بينها
علاقات متداخلة ومتشابكة ، أدت – أحياناً – إلى إمكان تمييز حبكة
درامية متكاملة ، أو إمكان تمييز بناء درامي مختزل في أحيان أخرى. على
أن العناصر الدرامية في ( إيقاعات بصرية ) جاءت في أغلبها – منفردة ،
ومن النادر أن يتداخل عنصران أو ثلاثة في نسيج الوحدة الواحدة ، كما هو
الحال في ديوان ( غزالة الصبا ) . وهذا يعطي البحث مؤشراً مفاده : أن
الدرامية في ( غزالة الصبا ) جاءت أكثر نضجاً من الدرامية التي جاءت في
( إيقاعات بصرية ) ويعود ذلك بحسب اعتقاد البحث إلى أن اثنتي عشر سنة
تفصل بين زمن ظهور الديوانين كانت كافية لتجعل الشاعر يقترب من الدراما
أكثر بخاصة – إذا ما عرفنا – أن تجربة الشاعر الدرامية بدأت تنضج خلال
الفترة المذكورة ، فمسرحياته الأربع – التي سيتعرض لها البحث لاحقاً –
كتبت جميعها خلال الفترة ذاتها ، حتى أن الشاعر في ديوانه الأخير (
غزالة الصبا) بدأ يعلن عن توجهاته الدرامية والفنية ابتداء من عنوان
القصيدة ، ومراجعة لعنوانات قصائد الديوان المذكور تؤكد ما ذهب إليه
البحث ( كاريكاتير شرقي ، سيناريو موت جندي في أرض أخرى ، التماثيل ،
الممثل ، قصيدة سيناريو – سكتيش ) وغيرها .
1-1-4 : المؤشر الآخر الذي يمكن تلمسه في ديوان ( غزالة الصبا) هو أن
الشاعر بدأ يستعين بوسائل فنية أخرى ، اعتمدتها فنون السينما والتشكيل
، والقصة ، والملحمة ، لتشكل تلك الوسائل الفنية بنية القصيدة الأساسية
. وهذا ينطبق على المطولات الشعرية التي وردت في الديوان المذكور ،
فضلاً عن ظهورها في مطولاته الشعرية التي لم تنشر بعد ، والتي تمت
قراءتها في مهرجانات المربد الأخيرة ومنها على سبيل المثال ( سفر
المرايا ) و ( تعال إلى حانتي ) .
1-1-5 : لكي يركز البحث موضوعته ، ولا يداخلها في موضوعات جانبية ،
فأنه استبعد من تحليله القصائد التي تظهر فيها إفادة من الوسائل الفنية
المستخدمة في فنون السينما والتشكيل ، أو تلك التي تقترب فيها بنية
القصيدة من الرواية أو الملحمة ، وركز في تحليله على القصائد التي
تتوافر فيها مظاهر درامية ، على أمل أن يفرد دراسة لاحقة للمظاهر
الفنية الأخرى في وقت لاحق بعون الله .
1-2 : المظاهر الدرامية في شعر ( الحجاج )
من خلال دراسة قصائد ديواني ( إيقاعات بصرية ) و(غزالة الصبا ) تمكن
البحث من رصد أربعة مظاهر درامية ظهرت مشتركة في الديوانين هي : (
تعددية الأصوات ، والتكثيف الدرامي ، والفعل الدرامي ، والمفارقة
الدرامية ) ، على أن ديوان ( إيقاعات بصرية ) تفرد بظهور ثلاثة مظاهر
درامية أخرى هي ( المناجاة الفردية ، والصراع الدرامي ، والجوقة )
وتفرد ديوان ( غزالة الصبا ) بمظهر درامي مهم آخر هو ( السيناريو
الدرامي ) ، وهذا لا يعني أن الديوان الأخير يخلو من المظاهر التي تفرد
بها الديوان الأول ، غير أن مثل هذه المظاهر جاءت – في الديوان الأخير
– متداخلة مع مظاهر أخرى مشكلة بنية متكاملة لسيناريو مسرح ، وقد أثر
البحث تسمية هذه البنية بـ ( السيناريو الدرامي ) .
1-2-1: تعددية الأصوات أو تعددية الشخصيات : يقيم الشاعر في بعض قصائده
حواراً صريحاً بين شخصيات متعددة ترد في القصيدة الواحدة . وفي الغالب
يكون صوت الشاعر هو إحدى هذه الشخصيات : ففي قصيدته الأولى من ديوان (
إيقاعات بصرية ) يرد حوارٌ بين الشاعر وضيفه على الوجه الآتي :
( ضيفنا يعشق الصمت / لكنه قال لي – في الصباح :- / الطيور التي لا
تسافر / لا تستحق الجناح ) (1) . يلاحظ في هذا المقطع وجود شخصيتين هما
القائل ( الضيف) والمستمع (الشاعر نفسه ) الذي وصف لنا حال الضيف أولاً
، وواضح من سياق المقطع أن الضيف حكيم والمستمع يريد تعلم الحكمة . وفي
القصيدة المعنونة ( أربعة وجوه بصرية تحت
القصف ) من الديوان نفسه وهي قصيدة تتكون من أربعة مقاطع تأخذ عنوانات
فرعية * ، يرد في المقطع الرابع (وجهي أنا ) ، حوار مفترض بين شاعر
جاهلي وبين شاعر معاصر هو ( الحجاج ) نفسه – كما يدل عنوان المقطع –
ويأتي هذا الحوار على شكل وصايا ينصح بها الشاعر الأول ؛ الشاعر
المعاصر ، بكيفية التصرف أثناء القصف ( قال لي شاعر جاهلي صديق :-/
حينما يبدأ القصف لا تنحن / وأمنح الخوف بعض الرجولة/ مثل الصعاليك إذ
يقتلون ! / وانتظر لحظة الموت / - وسط العراء / لا تنم في الملاجئ/ إذ
إنها / لا تليق بنا – معشر الشعراء-/ ولتقل مثلما قلت /- قبل الممات :-
/ لبث قليلاً/ يلحق الهيجا حمل ** /لا بأس بالموت / إذ الموت .. نزل )
.(2)
أما في قصيدة ( رؤيا حامد ) فيلاحظ بروز أكثر من مظهر درامي يتضح من
خلال استحضار الجندي ( حامد) لصورة حبيبته وهو في الحجابات المتقدمة ،
فيقيم معها حواراً وسط مساء ملتهب ( شفق من لهب تسكنه الألوان /- شفق
ترسمه الحرب ) (3) ، والشاعر هنا يختصر لنا وصف المكان ويحدد لنا
الزمان ، يقول حامد ( هاجسنا الأخير :/ بعد أن شبكنا أكفنا /- على سجية
الأكف بين عاشقين -/ أن تملكي عشرين من أصابع اليدين / وأن يكون لي
عشرون / وأرتبكنا -/ حين أردنا أن ترد /- في الوداع -/ كل إصبع لكفها –
خجلنا / -أنا وأنت / أن نعود أثنين /) (4). أن هذا المقطع – إضافة إلى
ما ذكر – يسجل صراعاً نفسياً يتضمن العديد من الانفعالات الشعورية التي
يمكن تتبع مجراها عبر سلسلة من الأفعال الواردة فيه ( شبكنا ، ابتهجنا
، ارتبكنا ، أردنا ، خجلنا ،نعود ). وعند تأمل هذه الأفعال ملياً ،
يمكن ملاحظة مظهر درامي آخر يتمثل في ذلك التحول والانقلاب الذي يحدث
في مجرى الأفعال ، فبعد التوحد الذي يحصل في أول المقطع ، يلاحظ حدوث
تحول وانقلاب عند نهاية المقطع ، عندما يحدث الانفصال . مما يجعل
الصورة الدرامية أكثر إثارة ً! أن التوحد والانفصال يحدثان – معاً-
أثناء الوداع ، وهو ما يمكن أن يفجر توتراً درامياً لأنه يسجل لحظة
عاطفية حارة تحدث بين عاشقين .
تعدد الشخصيات والأفعال يمكن ملاحظته – أيضاً- في قصيدة ( ما قاله هانئ
بن مسعود الشيباني في يوم ذي قار ) التي جعل منها الشاعر خطاباً مفتوحاً
يوجهه القائد ( هانئ بن مسعود ) إلى أناس تخاذلوا ووهنت قواهم وعجزوا
عن مواجهة عدوهم .
بنو شيبان ، أهلي / بلى! / ولتزجروا عني حصاني / ولكن .. حاولوا أن
تركبوه )(5) ، وعندما لا يجد عندهم اهتماما فأنه يتركهم ، ليوجه خطابه
إلى فتى بدوي ، محرضاً إياه على القيام بفعل لم يستطعه الآخرون ( بلى
أيها البدوي / إن ما
(يقلق الشهداء القدامى / سؤال صغير – كبير !/ إلا ما ؟ / بلى أيها
البدوي ../ فكن مرة ( أنت)/قل ما تريد ودع ما يراد ! فكل الحقول التي (
حرثت ) بالخراب / وديست بأحذية الغزو / لابد أن يعتريها الجراد ) . ثم
يتوجه – بعد ذلك – إلى ابنة عمٍ له ، ليسألها سؤالاً يحمل الكثير من
التكثيف الدرامي فترد عليه بجواب أكثر اختزالاً وأكثر درامية من السؤال
نفسه ( يا بنت عمي/- أتدرين ما يحزن الشهداء القدامى ؟/- عيون اليتامى
) .(7)
* العنوانات الفرعية هي : حامل الخبز ، الفراشة الخضراء ، الرجل الذي
مات خجلاً ، وجهي أنا – يراجع ( إيقاعات بصرية) ، كاظم الحجاج ، بغداد
: دار الشؤون الثقافية العامة ، 1987 :19- 31 .
* * ( حمل ) هو الاسم الأول لشاعر جاهلي مغمور. ـ الباحث ـ
على وفق ما تقدم فأن الشاعر يظهر في هذه القصيدة عدة مظاهر درامية منها
الشخصيات والحوار و الزمان والمكان . وهو ما يفعله في قصيدته ( حوار )
التي يدل عنوانها على أن الشاعر يقيم حواراً مباشراً بين شخوص . فذا
رجل في الأربعين من العمر ، وذي فتاة مسرعة يلتقيان على جسر ويسيران
معاً – من بدايته حتى منتهاه – تحت رذاذ المطر ، فيبادر الرجل مخاطباً
الفتاة التي لا يُسمع صوتها ، ولكن يمكن أدراك ردود أفعالها ، من خلال
الصمت الذي يؤدي دوراً فاعلاً في هذه القصيدة : ( أنها تمطر منذ الفجر
…/- (… )/ -.. هل نرتاح بعض الوقت ..؟ / - ( … ) /- .. أو نمشي معاً
../ - هل تشربين ..؟ أنني لا أقصد الخمرة / أعني ! ربما نشرب الشاي /
أو القهوة .. أسمي ../ - ( … )/ - .. حسناً.. تقرئين الشعر / -(… )/-
.. قولي أي شيء ، فأنا أخجل أن يضطر هذا / الشاعر المسكين للإكثار من
هذه أل (… )/ ) .(8)
لو تأملنا هذه القصيدة ملياً لأمكننا تخيل دراما متكاملة وتصور حركتها
، فهذا رجل في الأربعين يعترض فتاة مسرعة على جسر ويضطرها إلى مجاراته
والسير معه بتؤدة – بالرغم من هطول المطر – طارحاً العديد من الأسئلة
التي تجيب عليها بالصمت المتواصل ، وعند نهاية الجسر تنتهي حركة
الدراما معلنة عن نهاية مفتوحة تثير العديد من الاحتمالات والتوقعات ،
وبهذه النهاية المفتوحة يتمكن الشاعر من جذب متلقيه ليجعله مشاركاً في
لعبته الدرامية مفكراً بنهاية يرجح أن تكون مناسبة أكثر من غيرها .
وفوق هذا ، يلاحظ أن الشاعر يعتني بصياغة الحوار ورسم تحولاته ، بحيث
يدرك المتلقي ردود فعل الفتاة ، دون الحاجة لسماع صوتها بفضل فاعلية
لحظات الصمت ، وما يلحقها من أسئلة متجددة . وقد عمد الشاعر إلى وضع
سياقين مختلفين للحظات الصمت ، بقصد التمييز بين – ماهو مسكوت عنه –
عائد للرجل وبين – ماهو مسكوت عنه- عائد للفتاة ، فحين يشير الشاعر إلى
صمت الفتاة فأنه يضع نقاطاً ثلاثة بين أقواس ، وحين يشير إلى صمت الرجل
فأنه يضع نقطتين اثنتين دون أقواس ، وهذا يدلل على استمرارية انفعالات
الرجل المفتوحة والمصرح بها إلى الخارج ؛ ويدلل على انفعالات الفتاة
المنغلقة والمحبوسة في داخلها ، كما يدل من ناحية أخرى إلى أن الرجل
كان أكثر لهفة من الفتاة على استمرار الحوار ، ويدل – أيضاً – على تردد
الفتاة وحيائها . ومن جانب آخر فأن الاختلاف في لحظات الصمت ومقدار
زمنها ، هو الذي ينظم إيقاع هذه الدراما الشعرية القصيرة ، فهي تتأرجح
بين زمنين مختلفين في التوقيت ، وهذا التأرجح يمكن أن يزيد في تأكيد
حالة القلق التي يمر بها الرجل ، وحالة الإرباك التي تمر بها الفتاة .
هذا التكامل في العناصر الدرامية يمكن ملاحظته – أيضاً – في قصيدة (
برقية أخيرة … من مقهى أدباء البصرة ) ، فبالرغم من اختلاف موضوع
القصيدتين ، غير إنهما لا تختلفان من الناحية الفنية فـ ( برقية أخيرة
… ) هي الأخرى تضم حواراً وشخصيات وصراعاً يحدث في زمان ومكان محددين:
فالمكان هو المقهى ، والزمان أحد أيام الحرب العراقية - الأيرانية ،
أما الشخصيات فهي تلك الوجوه البصرية التي تمثل مجموعة شعراء يجالسون
بعضهم البعض – يومياً- في هذا المقهى، والحوار تشكله الهمسات والإشاعات
عن هجوم محتمل يدبره العدو على مقربة من مدينة البصرة ، والفعل هو ذلك
التحفز للدفاع عن النفس والوطن ، والصراع هو بين ترقب متوتر لحدث منتظر
وبين تهيؤ لصد العدو ، الذي يحتمل أنه سيزحف باتجاه المدينة : ( لاشيء
في المقهى تغير / لا الوجوه ولا الكراسي / لا ضجة الشعراء /- ما أحد
تخلف -/ والهمس يسري في الدروب / ( قد يزحفون .. ! ) / وقيل – في
العشار :/ ( قد زحف الجراد )/ فلنشرب الشاي الأخير / ونملأ الشاجور/
وليأتوا ، ليبتدئ الحصاد ) (9). في هذه القصيدة يمكن ملاحظة التصاعد
الدرامي الذي افتقدته القصيدة السابقة ( حوار ) ، ويمكن ملاحقة هذا
التصاعد ابتداء من ( فلنشرب الشاي ..) وحتى نهاية القصيدة ، ولو تمت
مقاربة هذه القصيدة مع ما يحدث في الدراما لأمكن تلمس وجود أزمة
متصاعدة تنتهي عند نقطة الذروة ( ليبتدئ الحصاد ) ، وعند نقطة الذروة
هذه تأتي نقطة النهاية ، وهي نهاية مفتوحة لاحتمالات عديدة ، وهي نهاية
شبيهة بنقطة النهاية في قصيدة ( حوار ) . وعلى الرغم من قصر هاتين
القصيدتين نسبياً ، إلا أن البحث يجد فيهما كثافة درامية وظهوراً
لعناصر درامية متعددة .
وفي مطولته الشعرية ( لقاء إذاعي مع العريف المتقاعد حطاب ) يعتمد (
الحجاج ) الحوار وسيلة أساسية في بناء القصيدة ، وهو حوار يدور بين
مذيعة وعريف متقاعد ، في لقاء إذاعي يمتد طويلاً يروي فيه العريف (
حطاب ) محطات رئيسة من حياته العسكرية ، ومع إن القصيدة تعتمد صوتين
هما صوت المذيعة وصوت العريف ، غير إنها تتنقل بين مستويات زمنية
متعددة ، فتبدأ بلقاء يحدث في الحاضر : ( يا سادتنا/ هذا بطل من أبطال
الحرب / رجل في الخمسين / أبدل منذ سنين ، حربته بالمنجل / وبدأ يعمل
.. / - أهلاً.. ماذا تصنع ؟ / * إني أزرع../ - شيء رائع ..ماذا تزرع
؟/*- لا أزرع من أجل الأكل/ ولا للزينة ،/ لكني أزرع تعويضاً ). (10)
يلاحظ في هذا المقطع ، بناء التمهيد التعريفي للشخصية ، كما يلاحظ
التدرج في الإيقاع ، وكيف تحول الرجل من الحرب إلى السلم ، وكيف أبدل
الحربة بالمنجل وبدأ يزرع لغرض آخر غير الأكل والزينة أنه ( التعويض )
عما أتلفته الحرب . وبدءً من هذه البداية المتوترة ، وحتى نهاية
القصيدة يبقى إيقاع القصيدة بين توترٍ و استرخاء وبين تنقل في مستويات
الزمن ، فالشاعر في المقطع الثاني ينتقل من الحاضر إلى الماضي ( إني
رجل خاض الحرب ../ أتذكر إني – وأنا أتقدم أو أتراجع في الأرض الأخرى –
قد دست وروداً / وقطعت لأجل التمويه ، غصوناً / لا أدري كم كانت ..
ورأيت النخل يقص ) (11) ، يلاحظ أن الشاعر – هنا – لا يقصد رواية حدث
ما ، بل يقصد إبراز اللحظات الإنسانية التي تشيعها عبارات مليئة
بالكثافة الدرامية ( قد دست وروداً ) فهنا نلاحظ قسوة الفعل ( داس )
ورقة وجمال ( الورود ) ، وهذا ما يكرره الشاعر في البيت الذي يليه (
وقطعت لأجل التمويه ، غصوناً ) فلكي يموه الجندي المحترف على عدوه فأنه
يتنكر – يستخدم مكياجاً – ويخدعه بـ ( الغصون) ، والتي يمكنها أن تكون
– في الوقت نفسه – أغصان سلام – وهكذا تسترسل القصيدة في انتقالات فنية
متعددة مبينه وجهات نظر العريف ( حطاب) ، كما إنها تسترسل في سرد كثير
، لاسيما عند الحديث عن الماضي ، إذ تنتقل القصيدة بين الحين والآخر
إلى مستوى الرواية ، كما إنها تنتقل من الخاص إلى العام ،بخاصة في
المقاطع التي تسأل فيها المذيعة عن رأي ( العريف حطاب ) بالحرب ( في
رأيك ، هل يمكن منع الحرب ؟ / في كل الدنيا ، بين الشرق وبين الغرب
؟/*- حسناً .. لا أعرف أسماء الشعراء / الأمريكيين / ولا أسماء الروس
الشعراء/ لكن أدري ، لو أنهمو حكموا البلدين/ لو تعلن أحزاب الشرق
وأحزاب الغرب / عن ترشيح الشعراء / ليصيروا حكاماً ../(….) /هذا
التاريخ يسجل ، هل قامت معركة / بين الشعراء/ ) .(12) وهذه الأنتقالة
ترفع من مستوى الرواية إلى الملحمة . وخلاصة القول إن هذه القصيدة
اشتملت على تداخل بين حركة عناصر ثلاث هي : حركة الشخصيات التي يمكن
استشعارها من خلال الحوار ، وحركة الزمن في مستوياته المتعددة التي
يمكن ملاحظتها من خلال الأسترجاعات المتوالية ، وحركة الانتقال بين
مستويات الدراما والرواية والملحمة .
1-2-2 : التكثيف الدرامي : من البديهيات المعروفة في الدراما ، قدرتها
على التكثيف والاختزال ، وذلك لأن الدراما لا تهتم بالشرح والتفصيل
والإسهاب ، بل تهتم بالإيحاء ، وتعتمد الإيجاز ، لآن الإيحاء يبعد الفن
عن المباشرة والسطحية ويحمل المتلقي على التفكير والتأمل والانتباه ،
وأن الإيجاز يكثف المعاني والدلالات ويوفر للعمل الفني إيقاعاً خاصاً
يبعده عن الترهل والإطناب ، ومن جهة أخرى ، فأن الشعر الجيد يفيد – هو
الآخر- من التكثيف الذي يشحن القصيدة بكثير من الدلالات الموحية في
أبيات قليلة . وقد أدرك ( الحجاج ) حقيقة التقاء الشعر بالدراما من هذه
الناحية ، وأفاد منها – كثيراً – في قصائده ، ففي قصيدته ( سليمان
الحلبي ) أختزل الشاعر وصف حالة الناس الاقتصادية والنفسية بثلاثة أسطر
قصار ( يكفيك أن تعرف الناس/ من نظرةٍ للدكاكين / هل يشتري الفقراء ) .
(13) وفي مجموعة من القصائد القصار التي تحمل عنوان ( إيقاعات سريعة )
تأتي ست قصائد قصار هي ( انعكاس ، وتصحيح ، وتعتيم ، وسيما ، وتومان
البصري ، ومهر ) لتختزل وتكثف كثيراً من المعاني والدلالات في أسطر لا
تزيد عن ستة ولا تقل عن أربعة ، ففي قصيدة ( انعكاس) يكثف الشاعر صورة
للوحةٍ فنية ارتسمت أمام عينيه ، تحمل عناصر طبيعية عديدة ( صار النورس
/ وهو يطير / وراء الموجة- /ظلاً أبيض ) (14)، لاحظ العناصر الطبيعية
التي تجتمع في هذه القصيدة – اللوحة ( النورس – الموجه- الظل – البياض
– البحر ) ولاحظ العلاقة التي ترتبط بينها فتجمعها في صورة واحدة ،
ولاحظ – أيضاً- الأفعال العديدة التي تحتويها القصيدة ( طيران النورس –
حركة الموجه – المقارنة بين الطيران وحركة الموجه- المقارنة بين بياض
الطير وبياض المياه – ثم بين البياضين السالفين وبياض الظل ) ، كل ذلك
جاء في أسطر قلية. ألا يولد هذا الجمع الفريد بين تلك العناصر الطبيعية
، وتلك الأفعال الطبيعية لوحة تشكيلية رائعة يمكن أن تصور للمتلقي
تكثيفاً لمعاني الاندفاع والانطلاق وحرية الحركة ؟ ! ألا تدعو ذهن
المتلقي إلى النشاط والحركة – أيضاً – ؟ ألا يحق أن يرى – البحث- فيها
صورة مركبة من صور ( مسرح الصورة ) ؟ ألا يمكن اعتمادها لقطة -
بانورامية – في فلم رومانسي ؟! ومن ناحية أخرى ، ألا يمنح هذا الجمع
الفريد بين تلك العناصر المتحركة – ألا يمنح العين فرصة لتحسس درجات
اللون الأبيض المختلفة ( لون النورس – لون المياه – لون الظل ) ؟ ! .أن
الذي رسم هذه اللوحة وكثف فيها تلك العناصر والحركات في حيز ذهني صغير
وألتقطها في لحظة واحدة لهو مخرج مسرحي ورسام تشكيلي لا يقل في إجادته
عن مخرجين مسرحيين ورسامين تشكيليين. ويتكرر تكثيف الأفعال والمعاني
والدلالات في قصيدتي ( تصحيح ، وتعتيم ) – لاحظ بداية المقابلة بين
العنوانين - . في ( تصحيح ) يقول الشاعر ( آخر ما يفعله المحررون /-
قبل النوم - / في الجريدة / أن ينكروا أخطاءهم) (15). في الأسطر
القليلة الماضية يمكن ملاحظة قدرة الشاعر على المزاوجة بين سمات
الشعرية وعناصر الدراما ، فالأفعال المتعددة التي تقع في مكان واحد
وزمان واحد توحي بالكثافة الدرامية من جهة أولى ، أما الجمع بين أفعال
مختلفة ومتناقضة – في الوقت نفسه- فأنه يوحي بمظهر من مظاهر الشعرية (الفعل
– النوم –الإنكار) من جهة ثانية . يضاف إلى ذلك الجمع بين ظروف متضادة
( آخر – قبل ) وبين أعمال متضادة ، فالمعروف أن ، آخر ما يفعله
المحررون في مقرات الجرائد والصحف هو أن يصححوا أخطاء مقالاتهم قبل
صدور الجريدة عند الصباح ، في حين أن الشاعر جعلهم ينكرون تلك الأخطاء
، قبل أن يناموا في مكان عملهم الذي يفترض أن يكون مكاناً للعمل لا
للنوم . هذا الجمع بين كل هذه العناصر الفنية ، وبهذا الشكل المختزل ،
يجعل هذه القصيدة القصيرة جداً مثالاً نموذجياً للمزاوجة بين مظاهر
الشعرية ومظاهر الدراما ، وهو ما يمكن قوله عن قصيدة ( تعتيم ) التي
تليها : ( في غرف المستشفيات يغلق المريض / باب جرحه/ ويطفئ الآلام /
كي ينام ).(16)
وفي ديوان ( غزالة الصبا ) تكثر القصائد القصيرة جداً حتى يبلغ عددها
(26) قصيدة من أصل (40) قصيدة يشتمل عليها الديوان ، وكل هذه القصائد
تحمل تكثيفاً درامياً يختصر مسافات التوتر ويختزل الكثير من المعاني
والدلالات التعبيرية المختلفة ، ولكثرة تلك القصائد ، فأن – البحث –
أختار تلك القصائد التي يتمظهر فيها التكثيف الدرامي على أوضح صوره ،
ومنها قصيدة ( أعمار ) : ( أعمار الخرفان / تتراوح ما بين ../الراعي ..والجزار
).(17)
ومنها ( تعكير ) : ( ما أسهل أن يلقى حجر في الماء / ليشوه وجه البدر )
(18)، ومنها القصيدة القصيرة جداً ( نقد ذاتي ): - ( إني ..
رجل ..
يخجلٌ..
مني )(19)
وهذه القصيدة تنفرد عن غيرها بعدة سمات مميزة ، تجعلها جديرة بالتأمل :
فكثافتها الدرامية اشتملت كثيراً من الوسائل الفنية ، من ذلك : طريقة
الكتابة التي جاءت بها القصيدة ، فهي تشبه عملية التقطير – أن جاز
التشبيه – فالكلمات تتوالى كلمة ، كلمة ، وكل كلمة تأتي في بداية سطرٍ
، يتبعها فراغ كبير يشير إلى ما هو مسكوت عنه ، فهذه المساحة – الفارغة
– تؤشر – من الناحية التعبيرية – مدى تردد الشاعر في الإعلان عن فكرته
، بالرغم من إلحاحها عليه ، كما يمكن ملاحظة أن الكلمة الأولى والكلمة
الأخيرة تتماثلان من حيث التصويت والرسم ، كما أن الكلمتين الثانية
والثالثة تتماثلان من حيث الرسم ، وتشتركان بحرفين من أصل أربع حروف
لكل منهما ، بالرغم من التناقض المعنوي الذي تحمله دلالة هاتين
الكلمتين ، فمن سمات الرجولة عدم الخجل ، ومن سمات الخجل اقترانه
بالمرأة وليس بالرجل ، كل ذلك جاء ليبين لنا أبعاد شخصية المتحدث التي
يلاحظ إنها تعاني صراعاً نفسياً يتضمن تحدياً للذات في تمكنها من
التعبير عما هو في داخلها . ويمكن أن تكون هذه القصيدة محاورة مع الآخر
أو محاورة مع النفس .
1-2-3: الفعل الدرامي : مما يؤكد إفادة الشاعر من الدراما هو محاولاته
المتعددة لإدخال أفعالٍ درامية في قصائده ، وهو يسرد تلك الأفعال شعراً
– لا كما يسرد الروائي الأفعال ويصفها – وأنما يقدمها وكأنها عرض عياني
يحدث – الآن – مباشرة أمام المتلقي ، وبهذا فهو يقربها كثيراً من الفعل
الدرامي الذي يعرض – عيانياً – على خشبة المسرح ، من ذلك هذا المقطع
الشعري : ( داهمني ( الحراس ) في منامي/ دسوا أصابع الشكوك /- تحت
ظلمتي - / وفتشوا – وفتشوا / بين ثنايا خاطري / وفرشة السرير / لم
يعثروا إلا على رصاصة / فأسفوا/ لأنهم ما أسروا ضميري ) .(20 ) يلاحظ
في هذا المقطع : تتابع الأحداث وسيرها المتصاعد إلى نقطة ساخنة ثم
انكفائها باتجاه مغاير ، وربما معاكس ( داهمني
دسوا فتشوا ثم يحدث التحول : لم يعثروا أسفوا ما أسروا) أن هذا البناء
الذي يصل نقطة ما ثم ينحرف يؤشر بناء الفعل الدرامي في صورته التقليدية
، كما يؤكد وحدة الفعل الدرامي الذي أتخذ – من البداية – سيراً متصاعداً
يدعى- في الدراما : الخط الصاعد ، ثم عندما يصل نقطة الذروة يحدث فيه
تحول أو انقلاب ، فيتخذ عندها الفعل اتجاها مغايراً أو معاكساً يدعى :
الخط النازل . (21) وحركة الفعل النابضة – هذه – يمكن ملاحظتها في
العديد من القصائد ، ومنها قصيدة ( إيقاعات بصرية ) : ( لكن .. /
أبصرنا كفُ الله / تدلكُ قلب البصرة ِ/ من شرفته - / فوق الأرض )(22)
ومن ذلك – أيضاً- المقطع التالي – من القصيدة نفسها – حيث يمكن ملاحظة
أكثر من مظهر درامي فيه ، فهو يتوفر على شخصيات وفعل وبداية ووسط
ونهاية ( أي حبكة متكاملة ) ، كما يشتمل على حوارٍ ، ومفارقة درامية –
أيضاً- ( في الشناشيل في قلب ( نظران ) / أم تعلق قمصان أبنائها /
تعمدتُ ألا أراها تعلق نفس القميص / وهيأت عيني للحزن/ كان القميص به
ثغرتان /- كعينين –في أسفل القلب / يا أمنا – في الأعالي :-/ أحقاً
تظنين أن الشهيد / إذا عاد من موته ../ لن يغير قمصانه ؟) .(23) أليست
هذه مسرحية مأساوية قصيرة تتألف من مشهد واحد يكثف حيوات أشخاص متعددين
وتقدمهم في موقف درامي يشتمل على تصاعد متوتر ينتهي بتساؤل كبير تتعدد
الإجابات عليه ؟!، ولو راجع القارئ الكريم قصيدتي ( تصحيح ، وتعتيم )
اللتان ورد ذكرهما – آنفاً- لما بذل جهداً كبيراً في تلمس ما ورد فيهما
من أفعال درامية .
وعند تفحص ديوان ( غزالة الصبا ) فأن أولى القصائد التي تظهر فيها حركة
الفعل واضحة هي تلك القصيدة القصيرة جداً ( تحرير ) : ( الدمعة ماءٌ
مسجون / ينتظر الحرية/ في زمنٍ … قادم ) . ومع كثافة المعاني والدلالات
التعبيرية والترميزية التي تتوافر عليها هذه القصيدة ، فأن البحث يجد
فيها متابعة لحركة فعل إنساني يبدأ بتحرر الدمعة من العين وينتهي
بالتحرر من حزن قادم ( تطهير ) وبين التحرر الأول والتحرر الثاني
مسافات بعيدة أختصرها الشاعر وكثفها في نقطتين : هما نقطة انطلاق الفعل
، ونقطة انتهاءه ، وتفصل بين النقطتين مسافة الانتظار . وهي مسافة
يكررها الشاعر – ولو بصورة مغايرة – في حركة الفعل التي يمكن ملاحظتها
في قصيدة ( أمجاد) : ( حتى بين رصاصات الجنود/ رصاصات محظوظة / تلك
التي تخطيء أهدافها / ورصاصات تعيسة :/ تلك التي ترتكب../ أمجاد الحروب
). (25)أن الشاعر –هنا- يجري مقارنة بين فعلي انتظار : هما انتظار
الرصاصات الخاطئة ، وانتظار الرصاصات المصوبة نحو هدفها بدقة ، ويجعل
من الانتظار الأول محظوظاً ويجعل من الثاني انتظاراً تعيساً ، وهو –
بذلك – يجري حركة لفعلين مضادين في الاتجاه ، ولكنهما يسيران بمستويين
متوازيين مما يجعل القصيدة ترتفع إلى مستوى ذهني يخاطب العقل من خلال
مسها لحافة الرمز . فضلاً عن ذلك فأن الشاعر يعتمد في قصيدته – هذه-
على عنصر المفارقة الدرامية واللغوية – في آن واحد - ، فالمحظوظ هو
الذي يخطأ ، والتعيس هو الذي يصيب ، وبدلاً من نيل الأمجاد ، فأنه يجعل
– الأمجاد- ترتكب ارتكاباً . ويمكن للمتلقي أن يتلمس وجوداً لأشخاص
عددين في هذه القصيدة القصيرة : فهناك الأشخاص الذين يطلقون للرصاص وهم
ينقسمون إلى فئتين: مصوبون بدقة ، ومخطئون في التصويب ، وعلى الجهة
الثانية هناك فئتين: الضحايا والناجون من الموت . لذا يمكن القول إن
هذه القصيدة اشتملت على مظهرين دراميين غير الفعل الدرامي هما :
المفارقة الدرامية والشخصيات .
ويتكرر هذا الأمر تارة أخرى في قصيدة ( عبور غزة ) وفي مقطعين متتاليين
منها ، الأول : ( لم تسعنا غرفة التسفير / - كنا أربعين -/ منعوا
أرجلنا أن تنثني / فجلسنا واقفين ) (26)، فإضافة إلى وضوح الفعل
الدرامي والصراع الذي يعتمل داخل نفوس هؤلاء الأغراب والذي يؤشرهما
التزاحم في مكان ضيق ، هناك وضوح لعنصر المفارقة التي تبينها علامات
عدة ، منها : غرفة واحدة لأربعين شخصاً ، ومنها الجلوس وقوفاً ، كما
تؤكد تلك العلامات الصراع النفسي الذي يعاني منه هؤلاء الأشخاص ، وعليه
فأن المفارقة – هنا- لم تشتغل على وظيفة السخرية أو النقد فحسب ، بل
أنها تعدت ذلك إلى الاشتغال على وظيفة أخرى هي تأشير حدة الصراع
الداخلي عند أشخاص هذه الواقعة .
وفي المقطع الثاني يمكن تأشير فعل درامي وحركة للزمن والشخصيات ، كما
يمكن تلمس حوار بين تلك الشخصيات ( أقفلت مصر حاراتها /- يا سليمان -/
وأكتظ بالغرباء الرصيف / أذنت للصلاة الشوارع / الله .. أ..كبر../ لما
توضأت بالدم / أسلمت وجهك .. للشام )(27) ، وأذ يحدد الشاعر مكاناً
واضحاً لفعله ، فأنه يحدد زمنه الذي أعلن عنه الآذان للصلاة ، وأذ
يلاحظ بروز شخصيتين هما الشاعر وسليمان – المقصود سليمان الحلبي - ،
فأن المشهد لا يخلو من وجود أناسٍ آخرين هم أهل مصر والغرباء الذين
أكتظوا على الرصيف .
1-2-4: المفارقة الدرامية : وهي من الوسائل التي تستعين بها الدراما ،
لإبراز التناقض الحاد بين قوتين ، أو الأستعانه بها للمقارنة والتمييز
بين ما هو صالح وغير صالح ، كما تستخدم للنقد أو الهجاء أو السخرية كما
في الملهاة ، والوظيفة الأخيرة هي التي أشتغل عليها الشاعر في ديوان (
إيقاعات بصرية ) ، ويمكن ملاحظة ذلك في المقاطع الشعرية التالية :-
أ- ( يا عمال الماء/يا حراس الماء/ هذا رجلٌ يعطي / لكن .. لا يأخذ/ ..
كالميناء ) .(28)
ب – ( لم تسعنا غرفة التسفير / - كنا أربعين -/ منعوا أرجلنا أن تنثني
/ فجلسنا واقفين)(29) وسبق أن تمت الإشارة إلى هذا المقطع – آنفاً- .
ج- ( بلى آل شيبان / كنا حراباً ../وكان المغيرون منا .. علينا / (…)/
وهل كنت قطعت إلا ذراعي / ( …)/ وهل – يا أيها القتلى – قتلنا / سوى
أبنائنا من ألف عام ؟/ وهل كنا تداعينا لحربٍ / لصد العدو / أو حفظ
الذمام )(30) أما في ديوان ( غزالة الصبا ) فأن المفارقة الدرامية تأخذ
منحىٍ آخر ، فهي تقوم بوظائف متعددة ، وتشتغل على أكثر من مستوى ، فهي
تكتفي بالمقارنة بين فعلين تارة ، أو تنتقل بين مستويين أحدهما رمزي
والآخر فلسفي تارة أخرى ، وفي كل أحوالها فأنها جاءت تحمل – في الوقت
نفسه – تكثيفاً واختزالا كبيرين ، مما جعلها أحياناً ترتفع إلى مستوى
المأساة ، ومثال ذلك قصيدة ( لولا ) التي تعلن في مستواها الفلسفي عن (
التسوس ) الذي ينخر باطن الحياة ، وتعلن في مستواها الرمزي عن المظاهر
البراقة التي تغلف باطناً عاث فيه الدود فساداً : ( أجمل بيتٍ فوق
الأرضِ / .. التفاح / لولا.. / أن الساكن .. دود ! ) (31)وفي قصيدة (
أمجاد ) التي تعرض لها البحث سابقاً ، نجد أن المفارقة تشتغل على ثلاث
مستويات هي : مستوى درامي يتعلق بالمقارنة بين الحظوظ الثالثة ، ومستوى
فلسفي يتعلق بالمصير الإنساني ، ومستوى ملحمي يتعلق بالحروب وأمجادها ،
والمستوى الأخير يمكن ملاحظة صورة له في قصيدة ( جنوبيون ) : ( مثل خبز
الأرياف ../ خرجنا من تنانير أمهاتنا /- ساخنين -/ لأجل أن نليق .. /..
بفم الحياة ).(32) ويلاحظ – هنا – أن الشاعر يؤخر مفارقته إلى النهاية
، بعد أن يعد لها أعداداً جيداً ، حتى تبدو وكأنها مفاجأة . والمستوى
الملحمي – للمفارقة – يمكن ملاحظته- أيضاً- في قصيدة أخرى تتحدث عن
التفاح أيضاً ( بين التفاح الناضج / والتفاح الفج / فتاة../في هذا
العمر .. الحامض) (33)، ولا يخفى على المتلقي الحصيف تلك الرموز التي
ترفع هذه القصيدة إلى المستوى الملحمي الذي أشرنا إليه . من ناحية أخرى
، فأن المفارقة في هذا الديوان اشتغلت – أحياناً على المستوى الواقعي
مقترناً بمستوى فلسفي ، وهو ما يمكن ملاحظته في قصيدة ( آدم وحواء) : (
في الشرق / لا رجل ولا أمراة/ هنا : ذكر وأنثى / حتى المجلة عندنا أنثى
إلى الذكر .. الكتاب )(34 ) . والمستوى الواقعي يقترن – في أحيان أخرى
– بمستوى رمزي – كما في قصيدة ( نضج ) : ( أني فتى كالبرتقالة شاحب /
والبرتقالة لا تخاف / لكنما .. / يصفر وجه البرتقالة / كلما قرب القطاف
) ، وتأتي المفارقة – هنا – شبيهة بصدمةٍ للمتلقي ، ذلك لأن الشاعر
يؤجلها إلى نهاية القصيدة فيعطيها فعل المفاجأة . والمفارقة الصادمة
يمكن ملاحظتها – أيضاً- ممتزجة بتكثيف درامي وفعل متكامل في القصيدة
القصيرة جداً ( سكيتش) : ( الرسام .. هم بتخطيط قفص / الطيور ../ هربت
إلى لوحة أخرى )(36) . ومن اليسير تلمس مظاهر الشعرية وهي تمتزج بمظاهر
الدراما من خلال مقابلة ( الرسام
الطيور ) و( هم هربت ) و( تخطيط قفص لوحة أخرى ).
1-2-5 : المناجاة الفردية : وهو مظهر درامي تفرد به ديوان ( إيقاعات
بصرية ) ويرى البحث أنه من أكثر المظاهر الدرامية وضوحاً في هذا
الديوان ، وربما يعود ذلك إلى أن الشعر – بطبيعته – يميل إلى الذات ،
فتراه يمثل صوتاً وحداً هو صوت الشاعر ، غير أن هذا الصوت الوارد في
قصائد ( الحجاج) لم يكن صوتاً يصف أو يسجل أو يسرد ، بل جاء معبراً عن
دواخل نفسية تعتمل فيها مشاعر متضاربة ، تشكل أحيانا صراعاً درامياً
واضحاً ، حتى تكاد تكون بعض تلك القصائد عبارة عن ( مسرحيات مونودرامية
قصيرة ) ، وأبرز تلك المناجيات الفردية هو ما يمكن ملاحظته في قصيدة (
ترنيمة لسرير فارغ ) فها هي الأم تضع ابنها الشهيد أمامها، وتعيد عليه
( ترنيمة المهد ) ، كما كانت تفعل حين كان وليداً صغيراً ( يا حبيبي /
حين أرضعتك / أوصيت حليبي / أن ينميك فتى قبل الأوان/ ويربيك شديداً
كالزمان / وطويلاً ../.. مثل أشجار العراق - / يا حبيبي ! / وتساءلت :
لمن/ فأتى صوتك / ( من أجل العراق)/ ) .(37) ومنذ هذا التمهيد الأولي
وحتى نهاية القصيدة، يلاحظ اعتماد الشاعر لحروف المد واللين التي جعلت
من القصيدة تتخذ إيقاعاً محايثاً لترنيمة شعبية شائعة اعتمدتها الأمهات
العراقيات * وهذا يضيف لهذه المناجاة الفردية تأثيراً ذي شحنات عاطفية
يقربها كثيراً من الشجن الجنوبي الذي تغلفه مأساوية شفيفة تثير في متلقٍ
عاش الحرب تعاطفاً كبيراً مع تلك الأم ، وهو أمر يخرج هذه المناجاة من
فرديتها ويجعلها مناجاة لكل أم شهيد ، فيسمو بها إلى الشمولية ويقربها
من الأجواء الملحمية ( يا حبيبي !/ تذكرُ الأرض نداء الأنبياء/ تذكر
الأرض الدماء / ولهذا ../ يا حبيبي .. تنحني الأرض/ لذكر الشهداء
).(38) وفي لفتةٍ من الإبداع الفني يمزج الشاعر الخاص بالعام في مقطع
شعري واحد، يقابل فيه بين ( الشهداء والأنبياء) : ( يا حبيبي !/ نم../
كما كنت على صدري تنام / نم .. فأن الأنبياء / يحرسون الليل / حتى لا
يفز الشهداء).(39) من المعروف أن الشعر العظيم والدراما العظيمة هما
اللذان يحولان ما هو ذاتي وخاص إلى ماهو شمولي وعام ، فذاك يجعل
الإبداع يرتفع بمحليته الخاصة ، جاعلاً إياها تتخذ مستوى عالمياً يعيش
أجيالاً وعصوراً عده ، ولو أسترجع المرءُ، نصوص ( شكسبير ، وسوفو كليس
، وبرشت ) أو نصوص شعراء ( المعلقات ، المتنبي ، المعري ، دانتي ،
ونيرودا ، والسياب .. وغيرهم) وجد أن الذي جعل أعمال هؤلاء المبدعين
تعيش عصوراً طويلة هو قدرتهم الفذة في تحويل ما هو خاص إلى ماهو عام
من جهة أخرى ، فأن من بين أبرز سمات الدراما الملحمية وكذلك الواقعية
هي سمة جعل الخاص عاماً ، فهموم الشخصية هي ليست هموماً ذاتية بقدر ما
تكون هموماً اجتماعية لفئة اجتماعية معينة ، كما في الواقعية أو هموماً
لشعب أو أمة كما في الملحمة .وأذ يمضي الشاعر قدماً في التحليق نحو
الفضاء الأشمل والأوسع جاعلاً من تلك الترنيمة البسيطة قضية عالمية ،
تراه يتجاوز المسافات محملاً – ترنيمته – مسائل فلسفية عميقة المعاني
تساهم في تخليد معاني الشهادة ، وتنبه المتلقي ، بل تستفزه نحو اتخاذ
موقف معين وتحذره من السكون وتحظه على الفعل ، وذي مهمة من مهام
الدراما الملحمية ذات الوظيفة الأيقاظية ، فهي تنبه وتحرض على اتخاذ
المواقف المناسبة إزاء ما يجري أمامها من متغيرات : ( يا حبيبي /
هذه الأرض التي متَ لها / تبكي المسا../هذه الأرض ../ المزار المفتدى/
ويحنا.. ندفنكم فيها ، ولا نمشي حفاة ؟ ).(40)
1-2-6 : الصراع الدرامي : أن وجود أي قوتين متعارضتين سواءً كانتا
تمثلان أشخاصاً أو أفعالاً أو أرادات أو رغبات متناقضة ، فذلك يولد
صراعاً ، والصراع في كل أحواله – يولد حركة ومتغيرات كثيرة تؤدي إلى
تغيرات في المصائر والأهداف ، وبالتالي فأن الصور أو الوضعيات التي
يمكن ملاحظتها في النهاية تكون غير الصور أو الوضعيات التي يمكن
ملاحظتها في البداية .
واستخدام الشاعر ( الحجاج) لهذه الوسيلة قدم له خدمة كبيرة وفرت له
تركيبات صورية متنوعة ، أضفت على بعض قصائده كثيراً من الثراء الفني ،
فضلاً عما وفرته لها من مسافات للتوتر ؛ شدت المتلقي وحملته على تحقيق
استجابات متواصلة مع تلك القصائد. فلو تأملنا المقطع التالي من قصيدة (
حامل الخبز) الذي يأتي على شكل أسئلة درامية تثير صراعاً بين الأرادات
والرغبات لأدركنا ، كم أفاد الشاعر من هذا المظهر الدرامي في قصائده (
لماذا يصير الخبز قرآناً/ لتقرأ فيه بأسم الله! / آيات السكينة والسلام
/ ليأمن الأطفال/ عند القصف).(41) وفي المقطع الثاني – من القصيدة
ذاتها – يستخدم الشاعر الصراع أيضاً ، لكنه هذه المرة يجعله صراعاً بين
الإنسان والظرف الخارجي( لماذا يحمل الأطفال أعباء الحقائب /- في
الصباح- / وحين يودعون البيت / يرتدون ، مذعورين -/ تحت القصف ؟/ لماذا
قال أبني الصغير/ ( نسيت شكل الصف )؟ (42) ، ثم يؤجج الشاعر الصراع مرة
ثالثة ليجعله صراعاً أكثر شمولية – من ذي قبل – عندما يعمم هذا الصراع
ليشمل به المدينة كلها ( لماذا تحجب الأكياس/ شمس مدينة الأنهار/ لماذا
تستحيل نوافذ العشاق في ( أم الدجاج)/ مراصدا للنار ؟/ لماذا – رغم أنف
الموت- لا يتوقف العشار ؟).(43) ولكي يكمل الشاعر صوره ويعطي نتائج هذا
الصراع الذي بدأ بأسئلة ذاتية ثم انتقل عبر أسئلة موضوعية - يواجه
الإنسان بها الظرف المحيط - إلى أسئلة شاملة ، فأنه يكمل الصراع
بالعودة إلى أسئلة الذات معيداً دائرة الصراع إلى الدوران ثانية في
دوامة لا فكاك منها ( لمن تحمل الخبز ؟/ لابطنَ يطلبه ( الآن) / كل
البطون / (تغدت) شظايا!/ وكل العيون التي ترقب الخبزَ ، من ساعةٍ /
لاعيون ! ) .(44) وهكذا .. فأن هذه القصيدة تقدم عدة مستويات من الصراع
، إذ تبدأ بصراع داخلي يدور في ذهن ونفس حامل الخبز ، ثم يتحول إلى
صراع واقعي يمثل صراع الإنسان مع الظرف المحيط ، ليتحول في مرة ثالثة
إلى صراع ملحمي وأخيراً يرتفع مستواه ليصبح صراعاً فلسفياً ، يطرح
أسئلة كونية .
1-2-7: الجوقـة : وهي وسيلة فنية قديمة استخدمتها الدراما في فترات
مختلفة من تاريخها ، وقد تنوعت وظائفها وأغراض استخدامها ، واختلفت
باختلاف الفترات التاريخية ، وربما يعتبر استخدام الجوقة في مسرحيات –
برشت- هو الأكثر إثارة وتشويقاً وتنوعاً من بين تلك الاستخدامات ،(45)
إذ لم تقتصر وظيفة الجوقة في مسرحيات ( برشت ) على الوظيفة الفنية حسب
، بل تعدت ذلك إلى الوظيفة الفكرية ، فضلاً عن إضفاءها الشمولية على
المواقف التي تتخذها الشخصيات الرئيسة في المسرحيات المذكورة ، وبهذا
المعنى استخدم ( الحجاج) الجوقة في قصائده ( فلنقتل الصحراء../أو نرجع
إليها !! يا أمنا الصحراء لمينا/ أو فأبعدي عنا / .. كفانا رمل / يا
أمنا الصحراء/.. أين الأهل ) ،(46) وتظهر الوظيفة الشمولية للجوقة –
بصورة أكثر وضوحاً – في القصيدة الملحمية ( حراس الشط ) حيث يجعل
الشاعر الجوقة تشمل كل الذين سكنوا قرب ( شط العرب ): (عبر التاريخ /
قبل أن يبتكر البحر موانيه / نبتنا هاهنا / نحن لم نسكن جوار البحر
لولا إننا / نعرف البحر/ (…) لم نقل للنهر : آمنا بكلتا الضفتين / دون
أن يعلننا التاريخ حراس العراق ) .(47)
1-2-8: السيناريو الدرامي : في ديوان ( غزالة الصبا ) يمكن تحديد قصائد
جاءت وكأنها تشكل مسرحيات متكاملة البناء ، حيث تظهر فيها عناصر أساسية
للمسرحية مثل : الفعل ، والشخصيات ، والحوار ، والصراع فضلاً عن الفكرة
. ومن بين أبرز تلك القصائد الدرامية هي قصيدة ( الممثل) التي حولها
المؤلف – فيما بعد- إلى مسرحية بالعنوان ذاته . والقصيدة تأتي على شكل
سيناريو درامي كامل يشتمل على تخطيط أولي لنص مسرحي يتوافر على عناصر
متكاملة ، يمكن – فيه – ملاحظة مستويات درامية متعددة تتأرجح بين
الحقيقة والوهم ( وتزوجت جميع نساء الدولةِ / ( أعني كل بنات الكومبارس
) / ) .(48) كما يمكن – فيه- ملاحظة حركة الفعل الدرامي التي تبدأ
انطلاقتها عند اختيار مخرج مغرور ممثلاً بديناً ليمثل دور السلطان ،
وتنتهي حركة الفعل عند فشل ذلك الممثل في تمثيل دوره بسبب سماحته
الإنسانية – كأنسان- التي تطغى على قسوة السلطان العادل – الذي يمثله-
، وبذلك فأنه يفسد دوره في المسرحية والحياة معاً . ولا تخلو القصيدة
من الإشارة – بوضوح – إلى الصراع النفسي الذي يعتمل داخل هذا ( الإنسان
– الممثل) : ( كان عليّ – أنا السلطان العادل !- / أن أشنق شحاذاً / من
أجل رغيفٍ مسروق ) .(49) فضلاً عن اشتمال القصيدة على مسافة توتر
تولدها المفاجأة الدرامية التي تتحقق عندما يقضي واقع الحياة على وهم
الفن فيفسد كل شيء ( سامحت الشحاذ .. فأفسدت الدور ).(50)
2- شعرية الدراما في مسرحيات ( كاظم الحجاج )
أن بروز المظاهر الدرامية في معظم قصائد ( الحجاج) وتمكنه من استخدام
العناصر الدرامية ومزجها مع بعضها في شعره من ناحية وقربه من التجربة
المسرحية *كانا عاملين أساسيين في توجهه لكتابة النصوص المسرحية ، ومع
أن هذه النصوص كتبت – جميعها- نثراً ، ألا أن الحاسة الشعرية لم تكن
بعيده عنها ، فأضفت على تلك النصوص بعض السمات الشعرية ، كانت – رغم
قلتها- علامة مميزة لتلك النصوص .
وإذا كان البحث في مبحثه الأول قد أنحاز إلى الدرامية في شعر ( الحجاج)
وعذره في ذلك أنه تأمل ذلك الشعر من وجهة نظر درامية صرفة ؛ فأن البحث
سيتأمل النصوص المسرحية النثرية لـ ( كاظم الحجاج) من وجهة نظر الشعرية
، وسيعمل على دراسة الشعرية في كل نص مسرحي على حده وعلى الوجه الآتي
:-
2-1 : الشعرية في مسرحية ( الممثل)
2-1-1 المظهر الأول : أول مظاهر الشعرية يمكن ملاحظتها في مقدمة
المسرحية ، حيث يطالعنا التمهيد التعريفي بالشخصية بجمع بين معانٍ
متضادة وذلك عندما يقرن ( المؤلف ) البدانة باللصوصية ( أنا بدين حقاً
(…) إلا أنني لست من طبقة اللصوص ) (51)ثم يستدرك بعد ذلك فيبعد هذا
البدين عن طبقة الأثرياء ( أنا فقير من نسبٍ عريق في الفقر يصل إلى جدي
آدم) (52) ثم يعمد المؤلف على تحرير المعنى ليستوعب موضوعات أخرى عندما
يحاول إعطاء مبررات لفقر جدنا ( آدم) ( أدم هو أفقر إنسانٍ نزل على هذه
الأرض لأنه لم يكن يملك ما يستر عورته ) .(53) ومع أنه يأتي بهذه
العبارة بصورة عرضية ، إلا أن وجودها-هنا- يعطي انطباعا بتحرر المعنى ،
ومحاولة لأعطاء مبررات فلسفية تبدو – على بساطتها – مثيرةً في الوقت
نفسه ، مما يشجع المؤلف على زيادة هذا التحرر وتوسيع صورته ، عندما
يقول الممثل ( أنا أيها السادة ، وريث المجاعات البشرية منذ بزوغ فجر
الفقر على هذه الأرض السعيدة ) ، ولا يخفى على المتلقي اللبيب ملاحظة
الجمع بين المتضادات ، الذي جاء بانسجام،أسلوبي مثل ( فجر الفقر ،
الأرض السعيدة )(54)، كما أن الجمع بين كلمات ( بزوغ فجر الفقر) يخفي
مظهراً شعرياً آخر هو الإيقاعية في ترتيب كلمات ( بزوغ- فجر-الفقر)
والإيقاعية في ترتيب حروف كلمتي ( فجر- الفقر) ، إذ يمكن ملاحظة الطاقة
الإيقاعية المتفجرة في حروف (الجيم – القاف- الراء) المتكررة .
وعلى العموم فأن الصورة النامية المركبة تكتمل عند نهاية المقطع
الاستهلالي ، إذ لو تم إعادة تركيب الصورة وترتيبها من وجهة نظر نقدية
لرأينا إنها تتكون من المعاني التالية ( البدانة – اللصوصية – الفقر-
جدنا آدم – فجر الفقر- الأرض السعيدة ). أن هذه الصورة المركبة تضم
تناقضات ومتضادات متعددة ، وتمثل أول انحراف أسلوبي مبدع – في هذه
المسرحية – جاء على مستويات ثلاث هي : المستوى النظمي الذي يتعلق بنظم
المعاني ، والمستوى الإيقاعي الذي يتعلق بترتيب الكلمات والحروف ،
وأخيراً المستوى الثالث المتعلق بالانسجام الذي أحدثه المؤلف بين نظم
المعاني والإيقاع الداخلي المتدفق من ظهور الكلمات التي تضم حرف
القلقلة ( القاف) الذي تردد ظهوره كثيراً في المقطع ( حقاً – نقي –
فقير أبن فقير – عريق في الفقر – فجر الفقر ).
2-1-2 المظهر الثاني : وهو المظهر الشعري الذي يمكن ملاحظته في مقطع
آخر من مقاطع التعريف التمهيدي ، وذلك عندما يتحدث الممثل عن طريقة
ولادته ( أن ست نساء ساعدنها – يقصد أمه – على إخراجي منها ، بل
إخراجها مني )(55) ويمثل الاستدراك الأخير ؛ خرقاً للسنن ، أذ جرت
العادة على إخراج الوليد من أمه ، لا إخراج الأم من وليدها ، ويعود ذلك
إلى أنه كان وليداً بديناً ، فتعسرت ولادته ، وخرق السنن يعد مظهراً
شعرياً جاء ممتزجاً بمظهر شعري آخر هو كسر التوقع ، وذلك عندما يحقق
المؤلف صدمةً للمتلقي في نهاية المقطع المذكور .
2-1-3 المظهر الثالث : وهو ما يمكن ملاحظته في التمهيد التعريفي أيضاً
، وذلك عندما يعقد المؤلف مقارنة بين بدانة الابن ونحافة الأب ( أبي
عامل بناء ضئيل الحجم ( …. ) يده أنحف من عصا فأسه وربما لنحافته لا
يراه البناؤون )(56) ، والمقارنة هذه يمكن أن تعطينا مظهراً للتوازي
بين صورة الأب وصورة الابن ، ويزداد هذا المظهر الشعري وضوحاً عندما
يقابل المؤلف بين المتضادات في التركيب اللغوي الواحد ، مثال ذلك (
لكني عاندت أبي ونزلت في الموعد المحدد ( ….) ولم أتأخر لحظة كما كان
يأمل ) ، والمقابلة تظهر في كلمات ( عاندت نزلت ) و ( أتأخر يأمل )
(57)، فالعناد يعطي معنى الامتناع في حين ( نزلت ) تعطي معنى المثول ،
وكذا الحال في المقارنة بين ( أتأخر ) التي تعطي معنى عدم الوصول في
الموعد ، في حين تعطي كلمة ( يأمل ) معنى أمل تحقيق الموعد . والمثال
الأخير الذي يوحي بمظهر التوازي – أيضاً- هو ( لكن أبي فوجئ بحجمي
الهائل )،(58) والمقارنة – هنا- واضحة جداً بين ( الضئيل - الهائل) ،
وتزداد الصورة المتوازية سخرية في ( لبست قميص أبي وأنافي العام الأول
من عمري وكان ضيقاً علي ! تصورا ما أكثر ما كان المسكين ضئيلاً ).(59)
2-1-4 : المظهر الرابع : تشف الجملة الأخيرة من المقطع الآنف الذكر عن
مظهر شعري آخر هو المعنى المضمر الذي تشتمل عليه الجمل ، إذ إنها تضم
معنى آخر يخص الابن ، فقد جاءت السياقات التي سبقتها ، لتضع صورتين
متقابلتين للأب والابن معاً ، إلا أن المؤلف أوقف المقارنة في الجملة
الأخيرة ليخلق فجوة في المعنى يكملها المتلقي ، فما هو مضمر يمكن أن
يكون ( تصورا ما أكثر ما كنت بديناً ) ، ولو جاءت الجملة كذلك ، لأصبحت
ذات معنى بسيط مباشر تم الإعلان عنه سلفاً .
2-1-5 المظهر الخامس : وهو مظهر التجاوز المبدع وحسن التخلص . فبعد أن
يعرف المتلقي ، بأن المتحدث يعمل ممثلاً- وهو ما يفاجئ المتلقي –
يتساءل الممثل قائلاً ( قد تسألون – الآن – كيف أعيش ؟ كيف أغذي هذا
الكيان الهائل ) .(60) هنا يمكن ملاحظة الانحراف المعنوي الذي يظهر في
هذه العبارة ، فالجواب عن التغذية يكون – عادة – بذكر أنواع الأكل ،
لكن – المؤلف – يؤثر تعليق الجواب والانحراف إلى موضوع آخر يتحرر فيه؛
من الجواب التقليدي وينحرف عنه ، عندما يحسن التخلص بالانتقال إلى
موضوع آخر ، ويلاحظ هنا أن ( الحجاج) لم يكتفِ بحسن التخلص مرة واحدة ،
بل أكده عندما وسع في الصورة ومدها ، ليقدم للمتلقي إجابات منطقية عن
تساؤلات سابقة . أن التحرر والانحراف وحسن التخلص ؛ كلها مظاهر شعرية
جاءت – هنا- مشفوعة بمظهر شعري آخر ، هو التجاوز المبدع وذلك عندما
يقول الممثل : (قد يسأل البعض عن أسمي .. لا أهمية لأسم الممثل ، فهو
متعدد الأسماء ، في كل دورٍ له اسم … أغلب أسمائي لا يعجبني .. أسماؤنا
يفرضها علينا المؤلف ) .(61)
2-1-6 : مظاهر شعرية أخرى : وتتعدد مظاهر الشعرية في هذه المسرحية ،
لنجد لها أمثلة كثيرة ، وسيكتفي البحث بالإشارة إلى أبرزها بحسب ورودها
في النص المسرحي ، من ذلك :-
( هو سلطان ظالم ، لقبه أمام الناس ( السلطان العادل ): =(62)جمع بين
المتضادات .
( توقعي موتاً سلطانياً )=(63) خرق لسنن التعبير .
( أجمعي حذر الدنيا كلها )= (64)انحراف أسلوبي على المستوى النظمي ، إذ
كيف يمكن جمع الحذر ؟
( أن هذا السلطان الظالم شديد الغفلةِ ، كثير البلاهة )= (65)التوليف
بين المتضادات مع خلق شعور بالانسجام على مستوى المعنى والدلالة .
( نحن نرتاح لغير المعقول في تاريخنا ، ونفرح بالشاذ منه لأنه مثير )=
(66) وفي هذه العبارة ترد عدة مظاهر شعرية مجتمعة مع بعضها هي : أ-
انحراف على المستوى
النظمي ( نرتاح لغير المعقول) و ( نفرح بالشاذ) ، ب - التوليف بين
المتضادات على المستوى اللفظي ( الراحة غير المعقول ) و ( الفرح الشاذ
) و ( الشاذ – المثير ) . ج – الانسجام على المستوى الإيقاعي ، أذ
يلاحظ سيادة استخدام حرف ( الراء ) : ( نرتاح – غير – تاريخنا – نفرح –
مثير ) . د- الانسجام بين نظم المعاني والإيقاع ، إضافة إلى الانسجام
والتوليف الذي جمع بين المعاني المتضادة .
( أنت قائد العمل كله ونحن جنودك ( … ) قلت لنا مرة ً : أنا قائد لجنود
واعين ، ونحن كذلك ) (67)= التعويض من خلال إحلال المعادل المعنوي بدلاً
من المعادل اللفظي ، فقد تم إبدال لفظ ( المخرج ) بلفظ ( القائد ) ولفظ
( الممثلون) بلفظ ( الجنود) ولمرتين متتاليتين. وهو ما يتكرر وجوده في
المقطع التالي ( النص يقول : أن السلطان العادل ، رجل أكول وشره ، يحب
الدجاج وأفخاذ الخراف ويشرب النبيذ (… ) إلا أن السيد مدير الإنتاج
بخيل جداً (…) هل يعقل يا ناس أن يأكل السلطان الفلافل ويشرب الشربت
على أنه نبيذ ) (68). فإضافة إلى التعويض من خلال إحلال المعادل (
الدجاج وأفخاذ الخراف والنبيذ الفلافل والشربت) فأن المقطع يتضمن في
الجملة ذاتها- مفارقة معنوية تتمثل بسلطان يأكل الفلافل .
( أحرقت كفيّ تصفيقاً لك وحدك )(69)= انحراف أسلوبي على المستوى النظمي
، فالكف عندما تحرق فأنها تتعطل عن فعل أي شيء، فكيف به وقد أحرق كفيه
الاثنين ؟ ، أنه لم يحرقها بالنار ؛ بل بالتصفيق ، وهنا يكمن الانحراف
الأسلوبي .
( لا يخلص رقبة المخنوق إلا يده هو … وحراسك لهم مئات الأيدي ، ومئات
الأيدي لا مكان لها كلها .. بين يد الخانق والمخنوق ) (70)= يلاحظ في
هذه الجمل المتتالية الموسيقى الإيقاعية التي يمكن أن تنبعث منها ،
بالرغم من كونها جملاً ذات معانٍ غليظة وخشنة ، ولو سطرت هذه الجمل
بتراتب فوق بعضها ، ماشكَ أمرؤ من كونها مقطعاً من قصيدة شعرية . وتتضح
الموسيقى الداخلية في تلك الجمل من خلال مستويين :الأول : ترتيب
الكلمات والحروف ( رقبة المخنوق ) و ( الخانق والمخنوق ) ، والثاني :
ترتيب الجمل ( لهم مئات الأيدي – ومئات الأيدي لا مكان لها ) .
( اشنقوه غداً في ساحة المدينة ، وقولوا هذا جزاء من يسرق نعال
المؤمنين )=(71) يلاحظ في الجملة : التناقض بين صرامة الحكم وقسوته
وبين تفاهة السبب وضحالته.
( صبي لي حراماً ) (72)= بالرغم من قصر هذه الجملة ، إلا إنها تشتمل
على مظهرين شعريين ، الأول يتمثل بالانسجام على مستوى الإيقاعي الذي
يمكن ملاحظته من توالي حروف المد ( الياء والألف ) إضافة إلى ارتباط
تلك الحروف بحروف ذات طبيعة صوتيه تساعد على المد هي ( الصاد والباء
واللام والحاء والميم والتنوين ). أما المظهر الشعري الثاني فيتمثل في
ذلك التعويض اللفظي والمعنوي الذي يحدث من خلال إحلال لفظ ( الخمر)
بديلاً للفظ ( الحرام ) ، ويلاحظ أيضاً – رسم كلمتي ( الخمر – الحرام )
وما بينهما من علاقة في الرسم الإملائي .
2-2 : الشعرية في مسرحية ( الساعة )
2-2-1: المظهر الأول : يكثر المؤلف في هذه المسرحية من الثنائيات
المتضادة وتأتي تلك الثنائيات صوراً في أغلب الأحيان ، تجتمع في مكان
واحد ، ويفتتح المؤلف المسرحية بهذا المظهر الشعري ابتداءً من وصفه
المنظر وشخوصه ( رجل وأمراة – كتاب مفتوح وتلفزيون مغلق – فاجر ومؤمنة
- قرود ملونة بنظامين – مطبخ ومكتبة – قارئ وطباخة – قراءة وحرق سجائر
– ساعة وتوقف في الزمن )(73) قد جاءت هذه الثنائيات ضمن البنية
الداخلية للمسرحية ( حبكة المسرحية ) ، لأنها – أي الثنائيات – كانت
ذات فاعليه مهمة في تطور عناصر الدراما في المسرحية ، والأهم في ذلك
أنها شكلت جوهر فكرة المسرحية ، ذلك إذا ما عرفنا أن المسرحية تدور حول
فكرة ( الحاضر – الغائب ) : أبن غير موجود ، أبن لم يولد وربما لن يولد
، ومع هذا فأن الرجل والمرأة – شخصيتا المسرحية – يتعاملان معه على أنه
حقيقة موجودة ، فيحددان له وقت العودة والخروج من وإلى البيت ، كما
يحددان له قراءاته وعلاقاته ويختاران له زوجة المستقبل ، وغير ذلك من
الخصوصيات التي تتعلق به .
2-2-2: المظهر الثاني : ويتمثل بتلك الانحرافات الأسلوبية المتعددة
التي تأتي على المستوى النظمي في عدة مواضع ، من أبرزها ( أنت لم تلديه
، بل أنا الذي خلقته )(74). فالابن هو كائن متخيل ، خلقه الأب عن طريق
الوهم ، وهو لم يولد ، وربما لن يولد – كما ذكر آنفاً –. ويعود
الانحراف الأسلوبي بصورة أكثر وضوحاً وشاعرية – مرة أخرى – في ذلك
التدفق التنظيمي للأفعال الواردة في حكاية الناسك وإبليس التي يرويها
الرجل للمرأة ، والتي تبدو – للوهلة الأولى – وكأنها حكاية مقحمة على
النص ، إلا إنها – في حقيقة الأمر – تعد جزءاً مهماً وجوهرياً من أسلوب
الانتقال في المستويات المتعددة الذي أرتكز عليه بناء المسرحية . في
هذه الحكاية يعمل المؤلف على أبعاد سرده للحكاية عن الرتابة من خلال
إيراد أفعال الحكاية بصيغة الحاضر ، جاعلاً تلك الأفعال المضارعة تأتي
في مفتتح الجمل والعبارات لتكون مفتاحاً ضابطاً لإيقاع الجمل والعبارات
، ولو تم عرض تلك الأفعال بشكل متوالية متتالية ، فأن الحس الشعري
سيكون فيها واضحاً :
( يختبئ يخرج يسرق ينتقي / يصفح يرد يفترقان / يذهـب يشكو يخرج يرد
يطور/ يقول يخطط يمــد يجد ينسى / ) .(75) أن الانحراف الأسلوبي – هنا
– يبدأ – بتحويل صيغة الروي بالفعل الماضي إلى الروي بالفعل الحاضر ،
ولو جاءت أفعال الحكاية بصيغةٍ الفعل الماضي ، لأصبح وجودها وسط دراما
تعتمد الفعل العياني الحاضر ، ثقيلاً ومعيقاً لتدفق حركة الفعل داخل
المسرحية ، ولكن ورودها بصيغة الفعل الحاضر ، وجعلها جزءاً من لعبة
التسلية التي يقوم بها الرجل والمرأة يومياً ؛ زاد من انسيابيتها
وتدفقها من جهة ، وزاد من جعلها منسجمة مع نسيج الحركة العامة للمسرحية
من جهة أخرى ، فهي لم تأتِ سرداً لأحداث ماضية – كما جرت العادة في
رواية الحكايات – بل جاءت وكأنها أحداث تجري في الوقت الحاضر فخلقت
شعوراً بالانسجام التنظيمي مع سائر أجزاء النص ، وسمة الانسجام الشعرية
هذه تكرر ثانية مع حكاية تأخر الابن عن الوصل إلى البيت في موعده
المحدد ؛ التي حدثت كما يوحي النص قبل أربع سنوات من حاضر أحداث
المسرحية . (76)
2-2-3 : المظهر الثالث : ويبرز هذا المظهر عندما تبرر المرأة تأخر
أبنها المتكرر فهي تلتمس له الأعذار تلو الأعذار وإذا بالمؤلف يفاجئ
متلقيه برد فعل للرجل يقول فيه ( أتدرين ؟ أنا أعتقد أن النساء هن
اللواتي بنين سد مأرب ) (77)، وهنا يخلق المؤلف فجوة واضحة وكبيرة بين
الحديث عن تأخر الابن وبين الحديث عن نساء ( مفترضات ) بنين سد مأرب ،
وهذه الفجوة تؤدي إلى ظهور أسئلة كثيرة ، يولدها ذلك الافتراض المفاجئ
: إذ ، لماذا الافتراض بأن النساء هن اللواتي قمن ببناء هذا السد ؟ ثم
ما علاقة سد مأرب بتأخر الابن ؟ ولماذا يوجه هذا السؤال إلى المرأة في
هذه اللحظة بالذات ؟ .. وربما يمكن توليد أسئلة أخرى غير ما ذكر؛ هذه
الأسئلة المتعددة تؤسس مسافة للتوتر ، يشفعها المؤلف بإجابة تعتمد مظهر
شعرياً آخر ، عندما يستعين المؤلف بـ ( كسر التوقع) للإجابة على
الأسئلة التي ولدها الأفتراض – آنف الذكر – ويأتي الجواب بسيطاً ، على
لسان الرجل نفسه عندما يردف ما سبق بقوله ( فها أنت خير من يسد الأعذار
)(78) لتتضح – هنا العلاقة التي تربط بين بناء ضخم لصد المياه الفائضة
وبين صد المرأة ودفاعها عن أبنها وهي علاقة تأتي منسجمة على المستوى
المعنوي ( صد المياه – صد المرأة ودفاعها ) ، كما أن العلاقة تأتي
منسجمة على المستوى اللفظي – أيضاً من خلال مقابلة عبارتي ( سد مأرب سد
الأعذار ) فضلاً عن أن هذه المقابلة تبرز مظهراً شعرياً آخر هو مظهر
الإبدال اللفظي الذي أعتمده المؤلف فبدلاً من استخدام الفعل ( صد) أو
المصدر ( الصد) فأنه أستخدم الفعل ( سد) والمصدر ( السد) مخففاً من
وطأة ثقل الحرف ( صاد) مبدلاً إياه بحرف أخف وقعاً على الأذن هو حرف (
السين) ، ومن جهة المعنى والموقف الذي تمر به المرأة ( سد الأعذار)
يبدو اتهاماً أخف وطأة على المرأة من ( الصد) دفاعاً عن الابن .
2-2-4 : المظهر الرابع : ويبرز هذا المظهر من خلال مزج الشاعر لثلاث
سمات شعرية في مقطع نثري واحد ، فهو يأتي بـ ( كسر التوقع) ثانية
ليمزجه هذه المرة مع انحراف أسلوبي رائع يتضمن سمة شعرية ثالثة هي :
الانتقال من الخاص إلى العام ، وذلك عندما يحاول الرجل تبرير شربه
للخمر ، فيقدم مبررات تكون بعيدة عن الأسباب ، بأسلوب يقترب من العبث ،
إذ لا يمكن بعد الإطلاع – على المبررات – أن ترتبط المقدمات بالنتائج
وهنا يتجلى ( كسر التوقع ) ( الرجل : من حقكِ أن تكرهيها - يقصد الخمرة
– وأن تنغصيني حين أهم بشربها ، فالملعونة هي سبب الحروب بين الدول
والشعوب )(79) ويأتي الانتقال من المستوى الخاص إلى المستوى العام –
وهي واحدة من خاصيات الدراما الواقعية أيضاً – عندما يسهب الرجل في صب
لعناته على الخمرة عاداً إياها سبباً ( للاستعمار والتفرقة والعنصرية
والسيول والزلازل ومجاعات أفريقيا والتهريب والدعارة والإيدز والجهل
والإرهاب وثقب الأوزون ) (80)وزيادة في السخرية فأنه يضيف أسباباً أخرى
من بينها ( اغتيال أنديرا غاندي وحرب الشيشان … إلخ ) أن هذا الاستطراد
الذي يبدو خارجياً وفائضاً – لو أخذناه من جهة بنائية الدراما – جاء
منسجماً ومتلائماً أسلوبياً ومعنوياً مع حالة السكر التي وقع تحت
طائلتها الرجل ، بعد أن شرب كثيراً . فالانحراف الأسلوبي جاء – هنا –
على مستوى نظم المعاني والأفكار معاً ، كما جاء توليفاً بين عناصر
مختلفة ومتضادة في أغلبها ، لكنها جمعت بوحدة تأليفية واحدة ، جاءت
منسجمة مع حالة الثرثرة التي يقع فيها السكير بعد أن يشتد عليه سكره .
2-2-5 : المظهر الخامس : أن الشعرية في هذه المسرحية ، لم تكن لفظية أو
أسلوبية فحسب ، بل أن الشعرية – فيها – جاءت بمستوى أكثر عمقاً من
المسرحية التي سبقتها ، إذ إنها مست بنية الدراما ، وحبكتها الداخلية ،
فحتى بنية الشخصيتين جاءت هي الأخرى تحمل مظهراً شعرياً ، فالمؤلف لم
يختر للزوجين أي أسم ، كما أنه لم يقل عنهما : أنهما زوجان ، بل ذكر
إنهما رجل وامرأة ، وفي هذا تلميح شعري خفي يوحي بأنهما لا ينجبان ،
لأنهما لوكانا قادرين على الإنجاب لقال عنهما ( زوجان ) ، فالزواج من
بين أهم نتائجه الإنجاب ، وبما أنهما غير قادرين على الإنجاب فقد أثر
المؤلف على تسميتهما أو وصفهما بأنهما رجل وامرأة.
2-3 الشعرية في مسرحية ( ملابس العيد )
2-3-1 : المظهر الأول : يأتي هذا المظهر في مستهل المسرحية عندما
يستعرض الرجل ما سرق منه ، حيث يمكن ملاحظة الأنحراف الأسلوبي الذي
يأتي على المستوى الإيقاعي في ترتيب الكلمات والحروف ( حتى شتلة البرحي
.. انتزعوها من الحديقة
حتى خرطوم المياه (… ) حتى النخلة )(81)
يلاحظ في هذا المقطع الذي عمد البحث رسمه كما ترسم أبيات الشعر ؛
انسيابية الإيقاع وانسجام الموسيقى الداخلية فيه ، ومصدر ذلك يعود إلى
أن حرف ( الحاء) – وهو حرف شبه لين ، فيه إمكانية للمد الصوتي – جاء-
متوالياً – مع بدايات الجمل وبالقرب من نهاياتها ، مما جعل تلك الجمل
تحمل دفقاً موسيقياً يوحي بشفافية الشخصية المتحدثة – وهي شخصية المعلم
- ، ولو أن المؤلف عمل على تأجيل عبارة ( ليسوا لصوصاً هؤلاء )(82)
وجاء بها ، بعد جملة ( حتى النخلة ) لما شك أحد في أن تلك العبارات
تشكل مقطوعة شعرية ، يمكن أن يصبح ترتيبها على الوجه الآتي :
( حتى شتلة البرحي .. انتزعوها من الحديقة
حتى خرطوم المياه .. حتى النخلة
أي لصوص هؤلاء ! )
2-3-2: المظهر الثاني : يعقب ذلك ، مظهر شعري آخر يبين التوليف بين
المتضادات على المستوى المعنوي ، وذلك عندما يقول الرجل ( عسى أن
يملكوا شرفاً ما ، ولو شرف لصوص) ، ويتضح التوليف من خلال الجمع بين
معاني الشرف واللصوصية في تركيب لغوي واحد ؛ إذ كيف تجتمع فضيلة الشرف
مع رذيلة اللصوصية في موضع واحد ؟! هذا ما يجيزه الشعر فقط ، أن تلاقي
المتضادات على مستوى المعاني ، هو واحدة من السمات المهيمنة . من
الناحية الأسلوبية – في هذه المسرحية ، إذ يتكرر ظهوره كثيراً في جملٍ
تشتغل على أكثر من مستوى ، منها :
( ورود البلاستك ) = جمع بين ورود حية ذات عطر وبين مادة البلاستيك
الميت الذي لا رائحة له .
( الدجاج المجمد )= جمع بين حيوية الحيوان وبين صلابة التجمد .
( الأحلام المسروقة) = جمع بين أملٍ وفقدان أملٍ من جهة وجمع بين (
الحلم ) وهو خاصية فردية ، وبين السرقة التي يشترك فيها أكثر من شخص
كما يوحي النص ، كذلك جمع بين حلم الزواج على صعيد الذهن وبين السرقة
المادية على صعيد الواقع .
( الجوع وقاية المعدة )= جمع بين الجوع الذي يتسبب بألم المعدة ، وبين
دواء للمعدة يكون هو الجوع نفسه .
( سرقوا مرآة الزينة التي جمعت صورتينا قبل أسبوع )= جمع بين لحظة
السرقة ولحظة الإجتماع ، تلك اللحظة التي جمعت بين الرجل وخطيبته وهما
يتأملان مرآة الزينة معاً .
( الأجانب الذين يصنعون لنا قماش الكله ) = جمع بين أجانب أغراب يصنعون
لنا شيئاً له علاقة بخصوصياتنا – الخاصة جداً- ، وهذا المعنى يتكرر
أيضاً في جملة ( سرقوا حتى ثياب النوم التي انتقيتها لكِ في سرية وأنا
خجل من البائع ).(90) وهنا يبدو الأمر أكثر خصوصية ، وتبدو السرقة أكثر
استباحة ، فالرجل – الذي كان ينتقي ملابساً لخطيبته – كان خجلاً من
البائع وهو ينتقي تلك الملابس الخاصة ، مع أنه يمارس حقاً طبيعياً من
أبسط حقوقه ولكن اللصوص لم يخجلوا من سلب ذلك الرجل المسكين أخص
خصوصياته ، وخصوصيات خطيبته ، وهم لم يكتفوا بالسرقات المادية ، بل
تعدوا ذلك إلى السرقات المعنوية والأخلاقية ، عندما سلبوا منه فرحته
بشراء تجهيزات زواجه ، وسرقوا منه نجاحه في انتقاء تلك التجهيزات ، كما
حرموه من حقه بإسعاد خطيبته ، وحرموها هي الأخرى من الفرح بكل شيء.
وأخيراً فأن مظهر التوليف بين المتضادات على المستوى المعنوي يأتي من
خلال جعل رجال الشرطة يكلفون بواجب حراسة زينة الشوارع ليلة العيد بدلاً
من حراسة البيوت ، والمؤلف – هنا- يحاول إضافة مظهر شعري آخر يأتي على
المستوى اللفظي عندما يقابل أكثر من مرة بين لفظتي ( أشرطة – شرطة ) .
ويكفي دليلاً على سيادة مظهر التوليف بين المتضادات أن فكرة المسرحية
ترتكز على فرضية ( سرقة ملابس العيد في ليلة العيد).
2-4: الشعرية في مسرحية ( معجزة بذور الخردل )*
2-4-1: المظهر الأول : يبرز في التوليف بين المتضادات الثنائية على
المستوى المعنوي واللفظي ، مثال ذلك ( صارت دموعها تقل ، بعد كل موت
جديد (…. ) أن يكبر الحزن تقل الدموع ) ، يلاحظ أن قلة الدموع يقترن
بإضافة موت جديد ، ويتبين المظهر الشعري في المقابلة بين متضادين
يقترنان ببعضهما هما ( القلة الإضافة ) وكذلك ( الكبر القلة ) ، و
يتبين المظهر أيضاً من خلال الجمع بين ثنائيتي ( الكبر والقلة) من جهة
و(الحزن والدموع ) من جهة أخرى.
2-4-2 : المظهر الثاني : هو مظهر التوازي ، وذلك من خلال عقد المقارنات
التي تؤكد التقابل بين المعاني والألفاظ مثال ذلك : المقارنة بين الجار
الحكيم ، وأبن الجيران : ( المرأة1 : جاري يجوز أن يكون حكيماً في
الستين معلماً متقاعداً مثلاً ، شعره ابيض مثل طباشير
المدارس / المرأة 3: أبن الجيران ( … ) ذلك الصغير الخفيف الذي شعره
مثل سبورات المدارس).
تلاحظ – هنا- المقابلة بين الحكيم الهرم ، والصغير الخفيف ، ثم تلاحظ
المقابلة بين الشعر الأبيض بلون الطباشير والشعر الأسود بلون سبورات
المدارس ، فالبياض يوازي الحكمة ، والسواد يوازي المراهقة ، ويلاحظ أن
التوازي جاء من جنس واحد . فالسبورات والطباشير من مستلزمات المدارس
وقد أحلتا كبدائل لصفات بشرية ، لذا أضفى هذا الإحلال مظهراً شعرياً
آخر أضاف جمالاً إلى المظهر الشعري الأول . والمثال الآخر على التوازي
يمكن ملاحظته في تلك المقارنة الساخرة التي تجري أثناء قراءة النسوة
لقصيدة بعثها أبن الجيران لإحداهن :
( المرأة 3: أنتِ باقة كراثي . المرأة 2: ( متحدية ) بل باقة ريحاني )
، حيث تكون المقابلة –هنا- لفظيه ومعنوية في الوقت نفسه ( كراثي ريحاني
) .(93)
* بغية عدم التكرار وعدم الإطالة ، فأن البحث سيقتصر في تحليله لمظاهر
الشعرية في هذه المسرحية على أبرزها فقط . الباحث
2-4-3 : المظهر الثالث : ويمكن ملاحظة هذا المظهر ، في ذلك الانحراف
الأسلوبي ، الذي يحدث على المستوى الإيقاعي في أكثر من موضع ، ومن أبرز
أمثلته ، ما يأتي في المشهد الثاني الذي يجمع بين الأم الثكلى التي
تسأل وبين الشاب الذي يجيب على أسئلتها ، إذ يلاحظ أن أغلب افتتاحيات
ونهايات الجمل التي يقولها الشاب تأتي شعرية ،
مثل ( من الوساخة يموت الناس هذه الأيام
خذي هذه
و اغسلي أخاه )(94)
ويمكن تمييز الموسيقى الشعرية في هذا المقطع – من خلال ملاحقة توالي
حرف ( السين) وتبادله مع حرف ( الخاء) بالرغم من ثقل الحرف الأخير .
والمثال الآخر من حديث الشاب أيضاً ( المدينة لا أحد … أكلتها الصحراء
يا أم )
ويمكن أدراك الموسيقى الداخلية – هنا- من خلال ملاحظة تناوب المتحركات
مع السواكن على التوالي . كما يمكن ملاحظة المستوى الإيقاعي – أيضاً-
في ترتيب عموم الجمل التي تأتي على لسان الشاب في هذا المشهد ، وبخاصة
ذلك المقطع الذي يردد فيه كلمة ( مواطن ) لأكثر من مرة في مواضع
متقاربة ، تجعل منها لازمة شعرية تضبط الإيقاع وتوجهه :
( معجزة بشرفك يا مواطن ؟
المعجزات لا تموت يا مواطن
المعجزات على الأرض – الآن – يا مواطن
الأسبرين معجزة يا مواطن
أين أنت ؟ طز … يا مواطن )
2-4-4 : المظهر الرابع : وتأتي أفضل قطعة شعرية خالصة كتبها المؤلف في
مسرحياته – قيد الدراسة- في المشهد الثالث من هذه المسرحية ، وهو
المشهد الذي يملي به الروحاني وصاياه على أحد تلاميذه ، إذ يمكن ملاحظة
المستوى الإيقاعي للجمل من خلال الموسيقى الداخلية الناجمة عن ترتيب
الحروف والكلمات والجمل على حد سواء ، مما يجعل إمكانية وزن هذه الجمل
عروضياً أمراً في غاية السهولة واليسر .
( أرضنا هي التي تبارك سماءنا
أصعد إلى سمائك ، وأنت هنا ما تزال
أنظر إليها وحدها ، تنزل إليك السماء
أغلق أذنيك عن الرياء
تسمع أزيز ملائكتك
أفعل هذا لو شئت ، لكن لا تنس الإنسان
من الخبز اليابس تخرج الحكمة والمعجزات
أنسان ظاهر جداً هو الإله الخفي هناك )
3- ملاحظات حول البنية الدرامية لمسرحيات ( كاظم الحجاج )
3- 1انطباعات أولية
أن الانطباع الأول الذي يرتسم أمام المطلع على مسرحيات ( كاظم الحجاج)
قراءةً أو مشاهدةً هو تلك البساطة المتناهية التي تحفل بها تلك
المسرحيات . ولا يعني ذلك – مطلقاً – إنها مسرحيات مسطحة أو ضعيفة
البناء ، بل يعني الوضوح وتجنب الغموض والرمزيات المظللة ، ويبدو أن
المؤلف وضع أمامه فكرة عرض تلك المسرحيات لأكبر عدد من الجمهور فأبتعد
عن الإيغال في التجريب أو التظليل أو الغموض شأنه في ذلك شأن شعره الذي
كانت من أهم سماته المهيمنة البساطة والوضوح .
أن دراما ( كاظم الحجاج ) من حيث الأسلوب تعتمد على ما يمكن تسميته (
السهل الممتنع ) ، وأسلوب – كهذا – لا يتيسر ألا لمن خبر الكتابة وعرف
أسرارها ، فضلاً عن أن الكتابة للمسرح تحتاج إلى خبرات مضافة ، فهي
كتابة يتجنبها الكثيرون ولا يخوض غمارها إلا المغامرون الذين لديهم
دراية بالحرفة المسرحية .
وتأسيساً على ذلك ، يرى البحث : أن مغامرة ( الحجاج) في الكتابة للمسرح
حظيت بقدرٍ جيد من التوفيق ، بدليل أن ثلاث من مسرحياته وهي ( الممثل ،
والساعة وملابس العيد )* أنتجت عروضاً حظيت بانطباعات نقدية وقراءات
إخراجية موفقة ، بل أن المسرحيات المذكورة تم تقييمها في مسابقات
مختلفة ونالت جوائز متقدمة على صعيدي النص والعرض .
والانطباع الثاني الذي يمكن تسجيله على مسرحيات ( الحجاج) إنها –
بالرغم من جدية موضوعاتها – جاءت وكأنها تضمر ألعاباً مسلية ، وأن مصدر
المتعة الرئيسي فيها هو : تلك الألعاب التي يمكن استشعارها ، سواءً
أثناء القراءة أو العرض ، بل أن الكاتب لايجد ضيراً – أحياناً – من
التصريح بها ، كما فعل في مسرحية ( الساعة ) عندما يلعب الرجل والمرأة
، لعبة الاحتمالات وهذه اللعبة جاءت ضمن لعبة اكبر منها اشتملت عليها
المسرحية وهي لعبة الزمن . أما في مسرحية ( الممثل ) ، فأن بناء
المسرحية جاء ليوحي بلعبة يمكن تسميتها بلعبة الوهم ، ونظراً لهيمنة
الأصوات في مسرحية ( ملابس العيد) فيمكن القول إنها أشتملت على لعبة
للأصوات . أما مسرحية ( معجزة بذور الخردل ) فأن السيادة كانت لمنطق
الموت والسخرية منه ومن معانيه ، لذا يمكن القول عنها :إنها مسرحية
تضمر لعبة للموت .
أما الأنطباع الثالث الذي يتضح في مسرحيات ( الحجاج) فهو حضور المؤلف
في مسرحياته : صوتاً أو صورة أو ملامح شخصية ، فالمؤلف لم يغب عن أي من
مسرحياته ، ففي ( الممثل) تجده في شخصية – الممثل- سلوكاً وتصرفات
وموهبة ،و بالرغم من ملامح البدانة التي تتصف بها شخصية – الممثل – وهو
ما يناقض الهيئة الجسدية للمؤلف ، غير أن سلوك
الشخصية وردود أفعالها تشي بالكثير من صفات المؤلف الشخصية . وفي
مسرحية ( الساعة) تجد المؤلف في شخصية الرجل بكل ملامحه وسخريته
وثقافته ومجمل تصرفاته . وفي مسرحية ( ملابس العيد) تجده في شخصية
الرجل- المعلم -، الذي سرقت كل أحلامه ليلة العيد ، وفي مسرحية ( معجزة
بذور الخردل ) فأن صورة المؤلف تكون حاضرة في المشهد الأول على لسان
النسوة وهن يصفن الجار الحكيم ومن ثم تجد صورته في شخصية ( الروحاني )
الذي يملي وصاياه على أحد تلاميذه ، كما نجد صورة المؤلف ضمناً في
شخصية الشاب التي تظهر في المشهد الثالث من المسرحية .
3-2 علامات مكرره
أن الدارس الدقيق لمسرحيات ( كاظم الحجاج) يمكنه أن يميز وجود علامات
مهيمنة يتكرر ظهورها في مسرحياته بإلحاح ، يبدو أنها مقصودة من المؤلف
من أبرزها ما يلي :-
3-2-1: الفقراء : إذ يمثل الفقراء الخلفية الأساسية لمجتمع مسرحياته ،
ففي ( الممثل) تكون الشخصية الرئيسة من فئة الفقراء ، بل أن حبكة
المسرحية الداخلية التي تمثلها فرقة التمثيل تنتهي بشنق أحد الشحاذين
بتهمة سرقته لرغيف خبز ، وجميع شخصيات ( معجزة بذور الخردل ) هي شخصيات
فقيرة ، عدا شخصية الملك ، الذي يظهر هو الآخر فقير الإرادة . كما أن
خلفية شخصيات مسرحية ( الساعة ) تشي بأنها شخصيات ذات دخل محدود ،
وجميع الشخصيات التي ورد ذكرها – آنفاً – هي شخصيات نبيلة مغلوبة على
أمرها ، وهنا يبدو أن ( الحجاج) أراد أن يبدي انحيازه اللامحدود لهذه
الفئة فجعل منها أبطالاً لمسرحياته .(98)
3-2-2 : أعمار الشخصيات : جميع شخصيات ( الحجاج) المسرحية هي شخصيات
تعدت الأربعين من العمر ، عدا شخصية الشاب ( الميت) التي تظهر في
مسرحية ( معجزة بذور الخردل ) ، وربما يعود ذلك إلى اعتقاد المؤلف بأن
الشخصيات في هذا العمر تكون قد وصلت قمة نضجها الاجتماعي والنفسي
والفكري ، وبالتالي فأنها تكون مسؤولة عن كل تصرفاتها وأقوالها
ومواقفها وسلوكها .(99)
3-2-3 : السرقة : وهي علامة مهيمنة ترد في جميع مسرحياته – قيد الدراسة
– مع اختلاف في وظيفتها ، ففي مسرحية ( الساعة) تكرر دائماً عبارة (
سرقة الملامح) وفي أكثر من موضع ، وفي ( ملابس العيد ) فأن موضوع
المسرحية يرتكز على حادثة سرقة موجودات وأثاث بيت المعلم ، لكن السرقة
الأبلغ في هذه المسرحية هي سرقة أحلام الرجل ، وسرقة ملابس أطفال الجار
، أما في مسرحية ( الممثل) فنجدها سرقة معنوية تتمثل بسرقة عواطف الرجل
ومشاعره ، كما ترد السرقة تهمة لشنق الشحاذ الذي سرق الخبز ، وشنق
الرجل الذي سرق نعال المصلين ، والسرقة هنا – بالطبع- سرقة مادية ، غير
أن السرقة الواردة في مسرحية ( معجزة بذور الخردل ) تكون سرقة معنوية
ومادية في آن واحد تتمثل بموت الأبن وسرقة أعمار كل الفقراء التي يقوم
بها ( ملك الموت) دائماً . وجميع تلك السرقات تشكل مواقف مأساوية في
حياة الشخصيات ، ويبدو أن المؤلف يريد أن يؤكد بهذه المهيمنة موضوعة
الاستلاب الذي تقع تحت طائلته جميع شخصيات مسرحياته .(100)
3-2-4: الزمن : بالرغم من أن الزمن في مسرحية ( ملابس العيد ) لا يعدو
ليلة واحدة ، إلا أن المكالمة الهاتفية التي يجريها الرجل مع مركز
الشرطة ، استطاعت أن تستوعب تاريخاً ممتداً لقرون عديدة . وعلامة الزمن
تبدو من العلامات المهمة في مسرحيات ( الحجاج) فهو يعتني بوصفها ،
ويجعلها تأخذ وظائف تأويليه متعددة ففي مسرحية ( الساعة) يعلن العنوان
عن تعامل مباشر مع الزمن ، فأذا ما عرفنا أن الساعة متوقفة عن الحركة
عند زمن محدد هو ( الثالثة) فأن ذلك يجعل الذهن ينصرف لتحليل هذا الزمن
وتلك الإشارة في عدة مستويات ، فضلاً عما يجري التأكيد عليه داخل
المسرحية من أن الخواء الذي أقترن بتوقف الساعة قد بدأ منذ ( أربعة عشر
عاماً ) .
وفي مسرحية ( معجزة بذور الخردل ) فأن السنة الواحدة التي انتقلت فيها
حركة المسرحية ، كانت كافية لتغير كثير من مصائر الشخصيات ، فضلاً عن
أن المسرحية تتحدث عن أموات كانوا يموتون للمرأة كل سنة تمر .(101)
3-2-5 : المعلم : شخصية المعلم هي من الشخصيات التي يتكرر ظهورها في
مسرحيات ( الحجاج) وظهورها يقترن – دائما- بظهور شخصية المؤلف أو
اختفاءها وراء إحدى الشخصيات ، فالشخصية الرئيسية في ( ملابس العيد) هي
شخصية معلم ، وشخصية الرجل في ( الساعة) هي شخصية معلم متقاعد ، وفي (
معجزة بذور الخردل ) تأتي شخصية المعلم ضمناً ، من خلال شخصيات (
الروحاني الحكيم ، والمرأة التي تصبح حكيمة للمدينة ).(102)
3-2-6 : الكتب والتليفون : وهاتان العلامتان تكرران بصورة أقل ، ففي
مسـرحيتي ( الساعة وملابس العيد ) تكون الكتب من المهينات الفكرية
والاجتماعية في حياة الشخصيات ، أذ أن الرفيق الدائم للرجل في ( الساعة
) هو الكتاب الذي لا يفارقه – مطلقا ً- ويحرص على مصاحبته ويتمنى أن
يورثه لابنه المفترض ، وفي ( ملابس العيد ) تبدو سرقة الكتب من بيت
المعلم وكأنها سرقة للفكر والحضارة . أما التليفون ، فأن الاستخدام
الوظيفي له في المسرحيتين المذكورتين يختلف اختلافا تاماً ، فأذا كان
في ( ملابس العيد) هو الوسيلة الوحيدة للاتصال بالعالم الخارجي ، فأنه
في مسرحية ( الساعة) يكون أخرساً ميتاً وجزءاً من الخواء والعزلة التي
تعاني منها الشخصيات ، فعدا اللحظة الأخيرة التي يرن فيها التليفون ،
وهي اللحظة التي تكون المسرحية فيها ، قد لفظت أنفاسها الأخيرة ، فأنه
يكون صامتاً أخرساً طوال المسرحية . (103)
3-3 السمات المهيمنة في البنية الدرامية
3-3-1: تداخل المستويات الدرامية :يلاحظ في مسرحيات ( الحجاج) ميلاً
إلى الاشتغال على مستويات متعددة تتداخل فيما بينها بمرونة وشفافية ،
وهذه سمة تجعل من بناء تلك المسرحيات بناءاً فيه الكثير من الحيوية
والنشاط ، ففي مسرحية ( الممثل) كانت آلية ( المسرح داخل مسرح ) هي
الآلية المهيمنة في بناء المسرحية ، مما يجعل هذا البناء يولد بنية
داخلية اقتربت كثيراً من بنية ( الحبكات المتداخلة ) * . إذ يمكن تلمس
حبكتان داخل النص هما : حبكة إطار تخص علاقة الممثل بالفرقة التمثيلية
، وحبكة داخلية تخص المسرحية التي تمثلها الفرقة التمثيلية ، وتسير
الحبكتان – أول الأمر – كلاً على حده ، لكنهما تتداخلان في المشهد
الأخير ، حيث يمكن – في هذا المشهد – تلمس مستويين متداخلين مع بعضهما
الأول هو مستوى واقعي والثاني هو مستوى وهمي يمثله مستوى الفن . أما
مسرحية ( الساعة ) فبنيتها الدرامية هي عبارة عن انتقالات بين مستويات
متعددة ، تبدأ بانتقالات بين مستوى الواقع تارة ومستوى الوهم تارة أخرى
والأخير يتضح بتمثيل الشخصيتين لحكاية ( الناسك والشيطان ) ثم يعقب ذلك
انتقالات زمنية متعددة تمثل مراحل نشأة الابن ، كما تفصح عن انتقالة
زمنية – بعيدة – إلى الماضي في حكاية ( سيد الساعات) وتليها انتقالة
إلى مستوى الحلم ، بعد أن يشرب الرجل الخمرة وتنام الأم ، ثم أنتقالة
تحدث بين اليقظة والحلم عندما يفيق الرجل من ( سكرته) . وطوال حركة
المسرحية ، فأن الرجل والمرأة يمثلان شخصيتين وهميتين هما شخصيتي الأب
والأم ، وهما في الحقيقة ليسا كذلك . وفي مسرحية ( ملابس العيد) يبرز
التعدد من خلال الانتقالات الزمنية أثناء المكالمة الهاتفية التي يقوم
بها الرجل مع مركز الشرطة ، إضافة إلى تلك الأستذكارات المتعددة التي
تجعل الشخصية تنتقل إلى مستوى الخيال وهو يتذكر لقاءاته المتعددة مع
خطيبته . أما في مسرحية ( معجزة بذور الخردل ) فأن التعدد يظهر من خلال
وجود مستويين يتداخلان مع بعضهما أحياناً وينفصلان عن بعضهما أحياناً
أخرى ، تسير بهما حركة المسرحية منذ بدايتها حتى نهايتها ، الأول مستوى
واقعي يظهر في المشاهد الأولى والثاني تعبيري يكثر ظهوره ابتداءً من
نهاية المشهد الثاني وحتى نهاية المسرحية .(104)
3-3-2 : الميل الى تكثيف الزمن وتقليص المكان : بالرغم من تعدد
المستويات الذي مر ذكره - آنفاً- إلا أن هناك ميلاً لدى الكاتب
للاقتراب من وحدتي الزمان والمكان . فمسرحية ( الساعة) لا يخرج حدثها
الرئيس عن صالة البيت ، ولا يزيد زمن أحداثها عن ساعة واحدة تساوي زمن
عرض المسرحية ، أما مسرحية ( ملابس العيد ) فهي لا تخرج عن صالة البيت
– أيضاً- وتجري جميع أحداثها في ساعات الصباح الأولى من يوم العيد .
وبنوع من المرونة فأن مسرحية ( الممثل) لا تتعدى أماكن أحداثها : بيت
الممثل وقاعة المسرح ، أما زمن حدثها الرئيس فلا يزيد عن شهر واحد يمثل
زمن التمارين الأخيرة للمسرحية التي تعرضها الفرقة التمثيلية.أما
مسرحية ( معجزة بذور الخردل ) فأن أماكن أحداثها محدودة أيضاً ، وهي لا
تتعدى الأماكن الثلاث : كوخ المرأة ، وبيت الروحاني ، وقصر الملك ، أما
زمن أحداثها ، ، فأنه يحتوي نقلة زمنية واحدة مقدارها سنة واحدة . أن
هذا الميل نحو التحديد أضاف شيئاً من التكثيف والاختزال والاقتصاد في
بنية المسرحيات المذكورة ، فضلا عن كونه أصبح عاملاً ساعد الدراما على
إنجاز مهامها التأثيرية لأنه أدى إلى التركيز على المواقف الدرامية من
جهة ، والتركيز في التلقي من جهة ثانية .(105)
3-3-3 : فقدان الإرادة عند الشخصيات : شخصيات ( كاظم الحجاج) المسرحية
هي شخصيات تقترب – أحياناً- من شخصيات مسلوبة الإرادة ابتداء وانتهاء ،
وربما تقترب – أحياناً – من شخصيات ( تشيخوف ) في هذه الخاصية .
أن ما يميز شخصيات ( الحجاج) هو ذلك الحضور الحسي الآني لها ، فبالرغم
من عدم امتلاكها خلفية تاريخية واضحة ، إلا أن حاضرها الآني فيه ؛ ما
يجعلها مؤهلة لتكون شخصيات حية ، فحاضرها يشمل ظروفاً تؤجج داخلها
صراعاً نفسياً ، يبقى أسيراً داخل حدود النفس ، ولا يرتقي لمواجهة
المحيط أو البيئة . أنها تبدو شخصيات كثيرة الشكوى ، قليلة الفعل .
فذاك ( الممثل) يفشل في التصريح بحبه لحبيبته ، لا لسبب ، غير عدم
قدرته على التصريح بشكل مباشر ، لذا فأنه يلجأ إلى التصريح بشكل غير
مباشر عن طريق الوهم – التمثيل ،(106) وهو أسلوب لم يوصله إلى هدفه .
وذاك الرجل الذي لم ينجب طفلاً وهو يعلم – جيداً – أنه هو وزوجته غير
قادرين على الإنجاب تراه يلجأ – هو الآخر- إلى الوهم و أحلام اليقظة
ليخلق طفلاً يربيه ويتخيله صبياً ثم شاباً ، ولا يفعل شيئاً لتغير هذا
الواقع الوهمي ، بل أنه يقسم ويجبر زوجته على القسم بعدم مراجعة أي
طبيب لمعرفة سبب العقم الذي أصابهما .(107) وذا المعلم الذي ، تسرق كل
أثاث بيته وعدة زواجه يستغرق في أحاديث جانبيه ، لا علاقة لها بموضوع
السرقة ، بل هو يؤثر تقديم شكوى جاره على شكواه – ومع أن ذلك يعد نبلاً
من جانبه – إلا أنه لم يفعل شيئاً لنفسه غير ترك الأمر للآخرين ، علهم
يجدون له حلاً ،(108) فعدا شخصية ( الأم ) في مسرحية ( معجزة بذور
الخردل ) – التي تبحث عن حل مستحيل – لا نجد أي فاعلية تذكر لتلك
الشخصيات .
3-3-4 : إخفاء الصراع : أن الصراع في المسرحيات – قيد الدرس – هو صراع
مختف ، غير ظاهر ، ربما يمكن تلمسه داخل الشخصيات ، فما تم التنويه عنه
في الفقرة السابقة يشير إلى أن الشخصيات لم تكن لها القدرة على
المواجهة والتحدي ، فهي لا تدخل في صدامات مع الغير ، وحتى تلك الثورة
المفاجئة التي يقوم بها الممثل في نهاية مسرحية ( الممثل) هي ثورة تجري
على مستوى الوهم ، إذ تحدث أثناء تمثيله لدور ( السلطان) ، أي بعد أن
يتنكر بالسلطة وال | |