بحـــوث ودراســـات


 

 

 

 

في نظرية الفعل الدرامـي

 

 الهدف الثقافي : د. مجيد حميد الجبوري

الأحد 27 يناير 2008 22:00 GMT


1ـ كثيراً ما يحدث في الدراسات النقدية ، خلط في الفهم لمصطلحي ( الحدث المسرحي ) مرده ، عدم الدقة في التفريق بين حدود المصطلحين المذكورين ، فغالباً ما يستخدمان للتعبير عن معنى واحد ، مع إن الدقة والموضوعية تتطلبان تمييزاً بينهما ، وبخاصة عند استخدامهما في نقد الدراما فالحدث ( Incident) بصورة عامة يدل على (( جزء متميز من الفعل ، وهو سرد (…. ) موجز أو تصوير يتناول موقفاً واحداً ))(1) . أما الحدث المسرحي فأنه يدل على (( أية واقعة تحدثها الشخصيات في حيزي الزمان والمكان وتسهم في تشكيل الحركة الدرامية والفعل المسرحي ))(2) .
أما الفعل ( Action) ـ في الأدب عامة ـ فأنه يضم (( حدثاً أو سلسلة أحداث واقعة أو متخيله تشكل المادة التي تتناولها القصة أو الرواية أو المسرحية)) (3) . في حين أن الفعل المسرحي ـ على وجه الخصوص ـ هو (( تحرك أو تطور الحادثة داخل الحبكة أو التكوين العام للمسرحية ))(3)

2ـ مما تقدم يمكن أن نفهم بأن الحدث جزء والفعل كل . فالأول يضم موقفاً واحداً فقط ، أما الثاني فيضم جملة أحداث تضم مواقف متعددة ، فهو تطور وحركة لا تقتصر على موقف بعينه . إذ أن الحدث يقتصر على لحظة الحدوث حسب ، أما الفعل فأنه يتتبع أثر الحدوث في الحركة العامة للمسرحية ( فعل ورد فعل ) . فإذا تمثلنا الحدث نقطةً ، فأن الفعل نقاط عدة ، لأن أثر الحدث موضعي ، أما أثر الفعل ، فأنه ممتد ، له جوانب خارجية مادية ترى ، وله جوانب داخلية وجدانية ونفسية تحس . ونخلص من هذا إلى أن الحدث يقتصر ـ زمنياً ـ على لحظة الحدوث ، بينما الفعل ـ زمنياً ـ يمتد لزمن ملحوظ ، ولا يقتصر على لحظة الحدوث حسب .

إن الفعل مهما كان محدوداً ، فأنه يشكل علاقات هي أوسع من فعل أي شخصية أو فرد من الأفراد ، بل إنها هي التي تقرر فعل الأفراد أو الشخصيات (5) .

3ـ في مجرى تحليل العمل المسرحي يتم التركيز ـ عادة ـ على مخطط ملحوظ لحركة الفعل يتضمن أهم النقاط الساخنة في المسرحية ( أي أحداثها البارزة ) . وقد أطلق الشكلانيون على الحدث البارز والمؤثر تسمية (( الحافز Motif )) وميزوه على أنه الجزء الذي لا يمكن تفكيكه إلى أجزاء أصغر مثل ( مات البطل ، أحبت البطلة ، فشل المتآمر … الخ ) ، أما الفعل فأنهم ميزوه على أنه جملة الحوافز المتتابعة زمنياً على وفق مبدأ ( السبب والنتيجة ) أو مبدأ الدافع والأثر )(6) .

4ـ وفي عموم الدراما يمكن تمييز نوعان من الفعل داخل البناء المسرحي ، فعل إيضاحي ، وفعل تخطيطي ، الأول يوضح ويشرح ويصف ، والثاني ، يشكل خطوطاً حركية لهيكل الأحداث ، فإذا غاب ، هذا الفعل ، أو اختفى ، فذلك يؤدي إلى هدم البناء برمته ، أما إذا غاب الأول ـ الإيضاحي ـ فأن ذلك لا يؤثر كثيراً على البناء ، بل أن كثرة وجود الأفعال الإيضاحية ، تعيق بناء الفعل الرئيسي للدراما ، فضلاً عن عرقلتها لتطور الشخصيات ونموها ، وغني عن القول ، إن كثرة الإيضاح تسطح الحركة الدرامية إن لم تعمل على إيقاف تدفقها أو إخلال تماسكها (7) .

5ـ إن حركة الفعل الدرامي وتطوره داخل المسرحية تشترط في المؤلف نظرياً أن يعمل على تركيب أحداثه بصوره تبدو وكأنها تجري في مجرى منطقي (( فمع كل خطوة يخطوها أبطاله يتعين علينا أن نعي أننا لو كنا في ظروفهم لما فعلنا إلا الشيء ذاته ))(8) .

وربما يعترض البعض على كلمة ( منطقي ) الواردة آنفاً ، لكن هذا الاعتراض يمكن إزالته لو تعاملنا مع المعنى المطلق للكلمة ، ففي ( اللامنطق ) منطق يحكمه ، وفي العبث واللامعقول ، منطق يجعله عبثاً ولا معقولاً .
6ـ وعملياً ، فأن الدراما باعتبارها ـ عرضاً عيا نياً ـ تتميز بكونها حضوراً أبدياً يرينا الفعل أثناء تطوره (9) . فضلاً عن قدرتها على استيعاب مستويات عدة لحركة الفعل ، معتمدة في ذلك على جملة التعقيدات ، والمفارقات ، والمقارنات وردود الأفعال ، فهذه العناصر ـ مجتمعة ـ تولد سلسلة من التغييرات في التوازن ، وأي تغير ـ منها ـ يشكل (حدثاً ) أو موقفاً . وحبكة المسرحية ـ بأكملها ـ ما هي إلا مجموعة المواقف المكونة من تغييرات ثانوية ورئيسية ، وذروتها ما هي إلا النقطة التي تمثل قمة الاضطراب لتلك المواقف والتغيرات . أن كل موقف أوكل تغير ( كل حدث) هو عبارة عن عملية متكاملة ذات مراحل ثلاث تمثل روح الفعل الدرامي ، والمراحل هي :
أ ـ ترقب التغير أو التهيؤ له ، ب ـ محاولة أحداث التغير ، جـ ـ نتائج التغير . وهذه المراحل ذاتها تشكل حركة الفعل الدرامي ـ بعامة ، فهو يتكون من :
أ ـ تهيؤ للقيام بالفعل ( نية أو موقف أو عزم ) ، ب ـ القيام بالفعل ( حدوثه ) جـ ـ الأثر الناجم عن حدوث الفعل ( رد الفعل ).
وهذه العمليات ـ يفترض ـ أن لا تتم بطريقة آلية ، بل بطريقة حيوية تتداخل العناصر فيها ، بحيث يشكل كل تغيير فيها ، تعقيداً صغيراً ضمن النسيج العام للحبكة المسرحية .
7ـ تبين مما تقدم أن حركة الفعل تمثل جوهر الدراما ، فإذا كانت الحبكة لدى ( أر سطو) تمثل روح الدراما ، فأن الفعل كما يرى البحث يمثل روح الحبكة المسرحية ، فهو ( روح الروح ) ـ إذا صح هذا التعبير ـ ، ولو تمثلنا الدراما أنساناً فأن الفعل هو قلبه ، ذلك لأن الدراما الحقيقية هي كما تراها بولتون (( بناء له أبعاد ه الثلاثة ، إنها ذلك الأدب الذي يمشي ويتكلم أمام أنظارنا ))(10) . فكل حدث مهما كان متناهياً في الصغر ، يصبح في الدراما دلالة ذات تأثير كبير

وشامل ، فصمت (هاملت )وتلفعه بالسواد وسط بلاط يطفح بالبشر والأفراح ، يمثل نذير شؤم يحيل ألوان المهرجان إلى سواد ، وطيبة ( بروتس ) وتلطفه مع ( كاشياس ) تقود المتآمرين إلى نهاية مهلكة ، وسقوط منديل ( دزدمونه) ـ سهواً يكلفها غالياً ، فضلاً عن دلالته المعنوية التي تعني ، سقوطاً للعفاف والطهر( 11).
8ـ أن الفعل الدرامي لا يعني ـ بالضرورة ـ الحركة المادية الخارجية ، أو الضجيج أو الضوضاء ، فهذه العناصر قد تؤدي جزءاً من وظيفة الفعل ، غير إنها لا تؤدي الوظيفة بأكملها ، فالوظيفة الأساسية لحركة الفعل ، هي محاولة إعادة تنظيم الوضعية الأساسية التي أختل توازنها ـ عند انطلاق حركة المسرحيةـ وزاد اختلالها مع تقدم الفعل نتيجة اختلاف الإرادات وتصادمها (12) .

* في جماليات الفعل الدرامي

1ـ الضغط والامتداد : يمكن تشبيه حركة الفعل أثناء صيرورتها في المسرحية الجيدة ، بموجة تتجه نحو ساحل البحر ، تبدأ صغيرة ثم ترتفع وتكبر بحركة مستمرة ، وتتداخل بين ارتفاع وهبوط ، حتى تبلغ أعلى نقطة لها ، قبيل وصولها الساحل بقليل لكنها تنحسر وتختفي تماماً عند الساحل ، فحركة الفعل تبدأ في العادة ـ صغيرة الحجم ثم تتضخم وتنمو ويزداد نشاطها مع تراكم المواقف والأحداث ، حتى تصل أقصى نشاط لها عند نقطة الذروة ، ثم تعود إلى الهبوط والتضاؤل عند نقطة النهاية ، كما يمكن تمثيل حركة الفعل الدرامي ونشاطه ، بعدة ظواهر طبيعية وفسلجية تجري مجراه في التداخل والانفصال :كحركة دورة الفصول الأربعة أو تداخل الليل والنهار ، أو حركات التنفس عند التوتر والاسترخاء ، أو ضربات القلب في حالات الاضطراب والتوازن النفسي أو العاطفي ، كما يمكن مقارنتها بحركة القطعة السيمفونية التي تبدأ بحركة هادئة ، يليها تصعيد موسيقي

حتى تصل أعلى درجات احتدامها في الحركة الأخيرة ، لتعود في نهاية هذه الحركة إلى الهدوء والتوقف . (13)
هذه التماثلات يمكنها أن تعطينا أول انطباع جمالي عن حركة الفعل وهو : الضغط والامتداد ، إذ يمكن تصوير حركة الفعل ـ ذهنياً ـ على أنها بالون ينفخ من الداخل فيكبر حجمه وينتفخ ، لكنه عندما يبلغ أقصى حجم له ينفجر فيفقد حجمه وحيويته ليعود ساكناً ، خامداً لا حياة فيه ، وحينذاك يكون قد وصل نقطة النهاية .
2ـ التحشيد :أما الانطباع الجمالي الثاني ، الذي يمكن أن نستخلصه من صيرورة حركة الفعل وديمومتها : أن هذه الحركة تنقل حشداً كبيراً من المعاني والدلالات التي لا يمكن حصرها وبصورة مكثفة ، تفوق كثيراً من الدلالات والمعاني التي ينقلها السرد ـ رغم سعته ـ فهي ، فضلاً عما تقدمه من معلومات ضمنية ؛ فأنها تشير بوضوح إلى الصلات بين الأحداث والأشخاص وتعطي مساراً محدداً لنمو الفكرة وتحولاتها ، كما أنها تنقل بوساطة المستويات الزمنية المتداخلة أو المتوالية: التفاعل الذي يحدث بين عناصر البنية الدرامية .(14 )
3ـ القدرة التوليدية : يمكن النظر لحركة الفعل ؛ على أنها حركة تركيبية معقدة فيها من الاستمرارية والقدرة على التوليد ما يجعلها مؤهلة لضم مجموعة كبيرة من الأزمات الصغيرة المتصاعدة ، منشئةً بذلك مجموعة من التوازنات والأخلالات المتتالية في المواقف الدرامية ، تنجم عن تغيرات في الإرادات والرغبات الخاصة بالشخصيات.
حالة التوليد المستمرة ، تعطينا الانطباع الجمالي الثالث عن حركة الفعل ، ويمكن تسميته القدرة التوليدية للفعل .
4ـ الميل إلى الوحدة والتكثيف : يتجلى الانطباع الجمالي الرابع لحركة الفعل في قدرته الاستيعابية التي تميل إلى توحيد كافة نقاط الفعل الساخنة ، وتفرعاتها الجانبية ، في وحدة واحدة ، بحيث أن كل ما يتفرع عن الفعل ، أو يمتد خارجاً ،

يميل ـ في أغلب الأحوال ـ إلى تغذية الفعل الرئيسي وتقويته . فحتى بالنسبة للدراما الحديثة ، التي يميل بناء فعلها إلى التراكم أو الانشطار أو التهشيم أو التشظي ، فأن وحدة الانطباع الجمالي الذي تخلفه عمليات التراكم أو الانشطار ، أو التشظي ، تشير إلى وحدة غير ظاهرة لحركة الفعل .
لقد أدرك ( أر سطو ) قديماً هذه الوحدة حين رأى أن الخيال لا يستطيع استيعاب أكثر من فعل واحد في حبكة المسرحية ، وأن حركة هذا الفعل تقترن بتغير جوهري واحد يحدث عند نقطة التحول أو الانقلاب .(15)
ورغم الاختلاف الظاهري الذي توحيه أراء ( ليسنج ، وهيكل ) في هذا الصدد ، غير أنهما لم يذهبا بعيداً عما تقدم ، فالأول ( ليسنج) رأى في الفعل سلسلة من الحركات الموجهة نحو هدف نهائي واحد ، أي أنه يرى أن هناك اتجاه واحد للفعل ، مهما كانت قدرته على استيعاب حركات عديدة . أما الثاني ( هيكل ) فأنه يرى ضرورة وجود حركة موحدة لكافة خطوط الفعل ، التي تتكامل وتتظافر مع بعضها لتشكل بناءً كاملاً يتألف من فعل ورد فعل وصراع .(16)
والدعوة نحو وحدة الفعل يمكن ملاحظاتها حتى عند بعض المحدثين ـ بصيغ قد تكون غير مباشرة ، فذا ( فورستر ) ينتقد نمو الحبكة خارج حدود الفعل ، ويصر على أن تعمل شخصية البطل من خلال الفعل ـ الفعل وحده .(17)
5ـ الحيوية : أما الانطباع الجمالي الخامس ـ وهو الأكثر تأثيراً والأبلغ معنى ـ فهو الحيوية ، التي تمتلكها حركة الفعل ، إذ أنها تعمل ـ باستمرار ـ على تفعيل تصادم الأرادات وتوليد الصراع ، وتحفظ للمسرحية مكانتها الدرامية المميزة ، كما تتيح التمييز بين مسرحية درامية حقيقية ، ذات بناء محكم ، وبين مسرحية غير درامية أو ذات بناء غير محكم .
إن حيوية الفعل الرئيسي ، والأفعال المساعدة له ، هي التي تجعل من الأولى متميزة عن الثانية ، ذلك لأن حيوية الفعل تجعل من الأولى ( كلية الحركة ) بما تولده من تصادمات مستمرة متوالية ، في حين تجعل من الثانية ( موزعة الحركة )، فعلى سبيل المثال : فأن حركة أفعال المسرحية الملحمية

تكون مشتتة الحركة ، لايمكن الإلمام بها إلا وفق ما تراكمه من انطباعات ذهنية ، ذلك لأن المسرحية الملحمية في حقيقتها ( كلية الأهداف ) لا كلية الحركة لأنها تركزـ جل اهتمامها ـ على تحقيق الأهداف الكلية للمجتمع ، فهي لا تهتم ببناء الفعل وتطوره ، بل إنها تغيبه أو تجعله ثانوياً .(18)

6ـ الخاص والعام : تأسيساً على ما تقدم ، يتجلى لنا الانطباع الجمالي السادس لحركة الفعل : ذلك أن حركة الفعل في الدراما التقليدية تنطلق من الخاص إلى العام ، وهو ما يحقق لها قدراً أكبر من التفاعل الوجداني عند التلقي ، في حين تنفرد حركة الفعل في ( الدراما الملحمية ) في كونها تنطلق من العام إلى الخاص ، وهذا ما يحقق لها قدراً من التأمل والانتباه عند التلقي .
وفي هذه الحالة يمكن القول أنه كلما زادت حيوية الفعل وزادت تفاعلاته العاطفية ، أدى ذلك إلى أحداث متعة عاطفية ، وكلما قلت حيوية الفعل وزادت تفاعلاته الفكرية ، أدى ذلك إلى أحداث متعة فكرية .
* في علاقة المناجاة بالفعل الدرامي

من الأسئلة التي يمكن أثارتها في معرض دراسة بنية الفعل الدرامي : علاقة المناجاة بالفعل الدرامي ، فهل تعتبر المناجاة جزءً من الفعل ؟ أم إنها توقف للفعل يعمل على منع تدفقه ؟ ، هل تنتمي المناجاة إلى الدراما ، أم إنها تنتمي إلى الشعر باعتبارها سرداً للهواجس أو وصفاً لها ؟
يرى البحث أن المناجاة في أفضل نماذجها ـ هي تعبر عن نوايا ورغبات في طريقها للتكون ، أي إنها عبارة عن مناقشة للاستعدادات والإمكانيات والخطط ، يكون قبل التنفيذ . فالمناجاة ـ إذن ـ هي :
تهيؤ لتغير منتظر ، بمعنى إنها فعل في مرحلة الأعداد .
فحتى لو اتخذت الشخصية ـ في مناجاتها ـ قراراً أو عزماً ، فأن تنفيذ هذا القرار أو العزم ـ سواء تم تنفيذه أو لم يتم ـ فأن ذلك سيأتي لاحقاً.

إذ أن حركة الفعل في لحظات المناجاة تدور في حلقة مغلقة هي ذهن الشخصية ، والنشاط فيها يكون محدوداً ، بل مسجوناً ، وهذا النشاط لا ينطلق ، إلا عندما تقـرر الشخصية تنفيذ خططها وقراراتها .

أن أي خطط أو قرارات ترد في المناجاة ، إذا دخلت حيز التنفيذ ، فأنها تنتمي للدراما وتكون جزءاً من الفعل ، أما إذا بقيت ، مجرد سرداً للهواجس أو توصيفاً لها ، ولم تجد لها حيزاً في التنفيذ ، فأنها تبقى بعيدة عن الدراما ، وهي تكون ـ في أحسن أحوالها ـ أقرب إلى الشعر ، لأنها لا تخدم حبكة المسرحية ، وتعد فائضة لا نفع فيها . ويلاحظ وقوع الكثير من المسرحيات الحديثة والعربية منها ـ على وجه الخصوص ـ في مثل هذه الفوائض التي لا نفع فيها . وعملياً ـ يمكن القول ـ أن المناجاة كلما كانت قصيرة ومكثفة وتحتوي على قرارات يلحقها تنفيذ ، كانت فعالة ومهمة في الدراما ، أما إذا طالت وكانت مسهبة وصفية خالية من القرارات ، فأنها تعد سرداً فائضاً أو شعراً عديم الجدوى للدراما .(19)

* في أنواع الفعل الدرامي

تعدد المذاهب والاتجاهات المسرحية ، واختلاف سماتها الجمالية وأهدافها الفلسفية، أدى إلى اختلاف في أبنية الفعل الدرامي داخل المسرحيات التي تنتمي إلى تلك المذاهب والاتجاهات لذا بالإمكان تمييز عدد من أنواع الفعل الدرامي ، تختلف عن بعضها وصفاً ووظيفة ً ، وعلى الوجه الآتي :

1ـ فعل الإرادة القدرية *


هو فعل مادي خارجي ، ينطلق من إرادة حتمية تفرض على البطل الدرامي شروطها وتقوده باتجاه واحد تسعى لتحقيقه وتنجح في ذلك ، رغم أرادة البطل وتطلعاته وطموحاته ، وهو ما يمكن ملاحظته في المسرحيات الكلاسيكية ( القديمة منها والحديثة ) فحركة الفعل في هذه المسرحيات تتمسك بسيرها ، باتجاه ثابت ـ واحد ـ لا تحيد عنه ، كما إنها تتمسك بوحدة صارمة لا تسمح بوجود أي أفعال ثانوية أو جانبية ، لأنها تعد ذلك خرقاً وتمرداً على القواعد العامة .(20) فضلاً عن أن أي تمرد ذاتي أو موقف جانبي يعد خرقاً أخلاقياً لأرادة القيم والمثل العليا التي تؤمن بها الكلاسيكية ومجتمعها الأرستقراطي .
لذا جاء الفعل الدرامي في المسرحية الإغريقية والمسرحية الفرنسية ـ في عصر النهضة ـ واحداً ، يمتزج فيه الجانبان المادي والنفسي ؛ امتزاجاً تاماً بهيمنة واضحة للجانب الأول على حساب الثاني ، فالفعل يوحد حركته نحو الخارج دائماً.
ومع أن الكلاسيكية الحديثة قد اهتمت بالعواطف والنوايا التي تعمل على إحداث تصادمات داخلية ، إلا أن اهتمامها كان منصباً في المقام الأول على أن تعمل تلك التصادمات الداخلية على دفع الفعل ـ في جانبه المادي ـ إلى أمام.(21)

2ـ فعل الأرادات الإنسانية

هو فعل متنوع يتناوب فيه الجانبان المادي والنفسي الهيمنة ، بانسجام وحيوية ، تجعلان منه زاخراً بالحيوية والنشاط ، ذلك لأنه ينطلق من أرادات إنسانية متنوعة المشارب والأهداف ، تقود الفعل باتجاهات متعددة ، فتضخ فيه كثيراً من الانفعالات النفسية ، وتقويه لأنها تعمل بمبدأ التغذية الدائمة ، فلا تنفلت ردود الفعل خارجاً ، بل تتجه نحو الداخل في وحدة تتجمع خطوطها لتصب في مجرى

الفعل الرئيسي ، وهذا ما تميزت به المسرحية الأليزابيثية ( الشكسبيرية على وجه الخصوص ) . ففي هذه المسرحية يمكن أن نميز هيمنة لحركة الفعل بجانبيها الداخلي والنفسي ولا نلبث أن نلحظ بعد فترة هيمنة لحركة الفعل في جانبها الخارجي ( المادي) ، ويتم هذا التحول بمرونة متناهية لا تكاد تلحظ ، أما لحظات الاحتدام القصوى ( الأزمات والذرى ) فأن الجانبين يلتحمان التحاما تاماً ، بحيث لا يمكن التمييز بينهما ، ليشكلا قوة فاعلة ذات طاقة هائلة تقلب الموازين محدثة التغير .
ونظراً لدخول أفعال ثانوية على حركة الفعل الرئيسية ـ في هذه الدراما ـ نجد أن حركة هذا الفعل لا تتخذ شكلها النهائي نتيجة تصرف حاسم يقوم به البطل منفرداً ؛ بل إنها تتخذ شكلها النهائي من إجمالي التنوع الذي تزخر به الأحداث مجتمعة ، كما يلاحظ أن الفعل الثانوي ـ فيها ـ يتسم بطابعه المستقل عند ظهوره في اللحظات الأولى ، إلا أنه يلتحم ـ تدريجياً ـ بالفعل الرئيسي ويخضع لمهمات التصادم الأساسية بعد ذلك ، فهو ( يتعشق ) بالحركة الرئيسية حتى يصبح جزءاً منها ، لا يمكن الاستغناء عنه .
أن الوظيفة الأساسية للأفعال الثانوية ـ في الدراما الشكسبيرية ـ تكون الكشف عن سعة وقوة تأثير التصادم بين الأرادات الإنسانية المتنوعة .(22 )

3ـ فعل العاطفة والذات الحرة

أن تأثر الرومانسيين الكبير ـ بشكسبيرـ وإعجابهم الشديد بأعماله جعلهم يحاولون تقليده أو الكتابة على شاكلته ، وقد نجحوا كثيراً في قصائد رائعة ، شعراً ، إلا إنهم لم يكونوا ـ كذلك ـ في قصائدهم الدرامية ، ونقطة الاختلاف بينهم وبين سلفهم ـ فيما يخص موضوعنا ـ أنهم في الدراما ـ كما في الشعر ـ أعلوا من شأن العاطفة ، ومجدوا الذات البشرية ، وجعلوها الفيصل في حسم

الأرادات واتجاهاتها في حين كان سلفهم يعلي من شأن الإرادة الإنسانية ويخضعها لاختبارات النفس والعاطفة ، لينتصر لها في النهاية . غير أن تلاميذه انتصروا لعاطفتهم المشبوبة وذاتهم المتفردة بمعزل عن الذوات الأخرى ، وبالتالي كانت العاطفة لديهم الحاكم والقاضي الذي يحسم كل شيء.
وعلى وفق هذا التأسيس ، جاءت حركة الفعل الرومانسية مغايرة لحركة الفعل في الدراما الشكسبيرية ، إذ جرى في المسرحية الرومانسية توسيع وامتداد لحركة الفعل الرئيسي ، فكثرت فيها الأحداث الجانبية والامتدادات الخارجية ، فأصبحت وحدة الفعل لا تتحقق من خلال الالتحام ـ الذي كان يتحقق عند شكسبير ـ بل تتحقق من خلال التجميع والتجاور بين حركة خطوط الأفعال الثانوية التي كانت تهيمن أحياناً على حساب حركة الفعل الرئيسي ، لذا تعددت الأزمات ، وزادت النقاط الساخنة ، وكثرت المواقف الدرامية ، بسبب الأحداث العارضة أو الطارئة التي تؤدي إلى انفلات العاطفة وتعرضها للانقلابات المفاجئة مولدة إخلالات مستمرة في التوازن ، مما يجعل حركة الفعل مليئة بالقفزات والانعطافات والانحرافات السريعة ؛ التي تحمل كثيراً من التوترات الدرامية ، فليس غريباً على المسرحية الرومانسية كثرة اللحظات الميلودرامية التي تفجر ردود أفعال عاطفية أو نفسية متأججة ؛ هذه التنوعات تجعل السمة المهيمنة لحركة الفعل الرومانسي هي السمة الوجدانية ( العاطفية) ، التي تهيمن على السمة المادية ، وتقودها باتجاهها بل تجعلها في خدمتها ، إذ يلحظ في المسرحية الرومانسية أن عناصر الفعل المادي تنبع من داخل الفعل الوجداني . (23)
وقد أدى توسيع حركة الفعل وامتداداته الخارجية وتفرعاته الثانوية بصورة مفرطة ـ إلى دخول عنصر ملحمي في المسرحية الرومانسية ، وهو ما يلحظ ـ بشكل واضح ـ في تلك المشاهد التي تضم مجاميع بشرية من عامة الشعب ، تحشد في زمن واحد أو مكان واحد أو موقف واحد ، لكنها سرعان ما تختفي

وينسى دورها كما في مسرحيات ( اللصوص) و ( وليم تل ) لـ (شيلر ) ، و ( رميو وجولييت ) لـ ( شكسبير ) .
أن العنصر الملحمي الذي ورد في هذه المسرحيات لم يستطع الامتزاج امتزاجا حقيقياً مع فعل المسرحية الرئيسي ، بل بقي مجرد خلفية تاريخية للأحداث . إذ أن التأكيد في المسرحية الرومانسية ـ عموماً ـ يتم بإبراز الخط العام لحركة الفعل الحاضر ، دون النظر أو الرجوع إلى الخلفية التاريخية ، كما كان يحدث في الكلاسيكية .(24)

4ـ فعل التكثيف والتركيز

هو فعل واحد مكثف ومركز ، ذو اتجاه واحد ليس فيه أي امتدادات خارجية أو تفرعات ثانوية ، يتحد جانباه الخارجي والداخلي اتحادا لا يمكن التمييز بينهما ، أو ملاحظة أيهما هو الأكثر هيمنة من الأخر ، وهو ما يظهر في المسرحيات الواقعية والطبيعية ، ورغم أن حركة الفعل تعمل باستمرار على الكشف الدائم عن الجانب النفسي ، غير أن هذا الكشف لا يتم الإعلان عنه إلا في المواقف أو اللحظات الحرجة أو العصبية ، إذ أن الجانب الداخلي يحاول أن يستظل أو يتغلف تحت الجانب المادي ( الخارجي) ، فالدوافع النفسية والعاطفية لا تعوق حركة الفعل المادية بقدر ما تحاول التفاعل معها تفاعلاً صميمياً وتدفعها نحو وجهة حتمية واحدة تتشابك فيها كل الدوافع مرتبطة بعلائق مؤسسة على وفق مبدأ السببية ، مولدةً ردود أفعال منطقية مقنعة .
أن اتحاد الجانبين ( الخارجي والداخلي ) من حركة الفعل ، يعطيها شداً وتوتراً كبيرين ، إذ أن الجانبان يعملان بصورة تجعل أحدهما يقوي عمل الآخر بصورة متواصلة ، في عملية تشبه عملية ( برم الحبل ، أو ظفر الجدائل) .

تتسم حركة الفعل في المسرحيات الواقعية : بوجود محاولات متكررة للتصالح مع الوضعية الأساسية والانسجام معها في محاولة لخلق توافق أو تصالح مع حركة المحيط ،إلا أن تلك المحاولات تبوء بالفشل ، الأمر الذي يجعل حركة الفعل تتخذ مساراً جديداً ترتد به إلى داخل النفس البشرية مولدة رد فعل عنيف يتفجر عند نقطة الذروة ؛ رد الفعل العنيف هذا يكون من القوة بحيث يستنفذ طاقات الفعل والشخصيات والفكرة ، والحبكة عموماً ؛ لذا تكون نقطة الذروة ، هي ذاتها نقطـة النهاية وبدلاً من أن تجيب النهاية عن الأسئلة المثارة في الوضعية الأساسية فأن النهاية تثير أسئلة أكثر أهمية وجدية ، وهذا ما جعل المسرحية الواقعية تتسم بالنهايات المفتوحة( المثيرة ) التي تفتح الباب واسعاً لعديد من النهايات المقترحة ، وبذلك فأنها تكون نهاية درامية ـ بحق ـ لكونها تحمل في داخلها افتراضات محتملة عديدة .(25)

5ـ فعل التشظي والتهديم

وهو فعل حيوي متعدد المستويات ، كثير التفرعات ، مندفع إلى الأمام دائما، تنتقل حركته بمرونة عالية ـ بين المستويات المتعددة للواقع والخيال والوهم والحقيقة ، وهو ما يمكن ملاحظته في المسرحيات التعبيرية .
حركة الفعل تبدأ ـ في العادة ـ من مستوى واقعي ثم تنتقل إلى المستويات الأخرى ، وهي تبدو مندفعة قوية في بدايتها ، محاولة تأكيد قدرتها على اختراق وتغيير الوضعية الأساسية التي تبدأ بها المسرحية ، غير أنها تصطدم بوضعية أكثر قوة وثباتاً ورسوخاً منها ، مما يجعلها تنكفئ إلى الداخل محاولة إعداد العدة للاختراق ثانية ، لكن محاولاتها المتعددة والمتكررة تتحول إلى مجرد محاولات يائسة عاجزة عن التأثير ، هذا التكرار لحركة الفعل ـ يمكن ملاحظته في

المسرحية التعبيرية . وفي كل مشهد من مشاهدها ، وهذا التكرار الذي يستنزف طاقة الفعل والشخصيات ، يؤدي إلى تحطم حركة الفعل وانشطارها ويؤدي إلى تشظيها في اتجاهات متعددة ، الأمر الذي يحولها في النهاية إلى أشلاء فعل مفكك إلى أجزاء صغيرة متناثرة ، أو يحيلها إلى فوضى مجردة ، لا جدوى منها .
تكثر حركة الفعل هذه من التركيز على الجانب الداخلي ( النفسي ، والعاطفي) على وجه الخصوص ـ مظهرةً إياه بصورة مضخمة على شكل صرخات وإندفاعات عاطفية ونفسية مفاجئة وعنيفة ، وهذا ما يؤدي إلى استنزاف طاقة الشخصية ويحيلها إلى العجز أو الانتحار .(26)

6ـ فعل السكون الظاهري

وهو فعل يبدو ظاهره ساكناً خاملاً ، لكن داخله يكون شديد الغليان والاضطراب ، وأن جانباه الخارجي ( المادي ) ، والداخلي ( الذهني ـ هنا ) لا يؤثر أحدهما على الآخر ، كلاهما يتجهان ، باتجاه واحد ، لكنهما لا يتفاعلان مع بعضهما بل أنهما يسيران بموازاة بعضهما ، وحركة الفعل هذه يمكن ملاحظاتها في المسرحية الرمزية ، التي تنكرت لقيمة الفعل المادية ، وعملت على أضعافها أو اختزالها أو إخفائها إلى أقل قدر ممكن . لذلك لا يكاد المتلقي أدراك حركة ظاهرة للفعل ، بقدر ما يشعر بوجود شيء مبهم يتحرك في الظل ،يحتاج إلى تفسير ، كما أن حركة الفعل في المسرحية الرمزية لا تحفل كثيراً بالجانب العاطفي والنفسي ، بل تسعى إلى تقديم نشاط فكري لا يثير العاطفة بقدر ما يستفز الفكر ويحمله على التأويل ، لذا فأنها جردت الفعل من سمات أساسية له : مثل الضغط والنشاط والتنامي والتطور ، فأثر ذلك على مجمل حركة المسرحية ، مما جعلها تبدو خالية من عناصر الترقب والتوتر والتشويق ، وفي أغلب الأحوال ، فأن حركة الفعل الداخلية ( المستوى الذهني ـ الرمزي ) يبنى في المسرحية الرمزية على مبدأ

( التراكم الذهني ) وليس على مبدأ ( النمو أو التطور )، ذلك لأن هذه المسرحية تجد في مبدأ ( التراكم الذهني ) وسيلة جيدة لإخفاء ما ترمي إليه من معانٍ ودوال رمزية فالهدف الأساس الذي تسعى إلى تحقيقه هو تحريك الذهن وحمله على التأويل والتفسير .(27)

7ـ فعل الدائرة المغلقة

هو فعل يغلق نفسه في دائرة يمكن ترسيم محيطها على شكل نقاط ، داخل وضعية أساسية غير واضحة الحدود ، وذات مستويات ذهنية ونفسية وعاطفية متعددة ، أنه فعل يكتفي بنقاط التحضير والتهيوء ، دون أن ينتقل إلى مراحل التنفيذ ، وأن حدث مثل هذا الانتقال ـ أحياناً ـ فأنه لا يحدث كاملاً ، بل أنه يتوقف عند نقطة الشروع في التنفيذ أو يقفز إلى مرحلة ما بعد التنفيذ ، ليظهر رد فعل ، لفعل لم يحدث .
حركة الفعل هذه يمكن ملاحظاتها في مسرحيات العبث واللامعقول ، إذ يتم في هذه المسرحيات تركيز الحياة الداخلية للشخصية بما فيها من مقومات نفسية ووجدانية وذهنية دون تعرض للأرادات أو الأهداف ، أو إنها تقدم عرضاً للأهداف والإرادات دون أن تقيم صراعاً أو تصادماً بينها وبين المقومات المذكورة آنفاً . فضلاً على أن المحيط الذي يشكل الوضعية الأساسية يبقى محيطاً هلامياً لا يضغط أو يتقاطع أو يصطدم بأي من تلك العناصر والمقومات.
هذه العوامل ـ مجتمعة ـ لا تؤدي إلى قيام حركة أو نشاط واضح للفعل يدفع به نحو اتجاه معين ، إذ أن حركة الفعل تكثف نفسها في موقف واحد تدور بداخله ، ولا تطوره أو تخرج عنه ، وهذا الموقف يتمثل بالكشف عن أحباطات الشخصية المركزية ، أو الشخصيات الأخرى مبرزاً خوفها وندمها ، كما أنه قد يكشف في أحيان قليلة عن ظلال صراع داخلي لا يمكن الأحاطة بأسبابه .

أن حركة الفعل المغلقة هذه تؤدي إلى أبعاد هذا النوع من المسرحيات عن روح الدراما وتقربها من روحية القصيدة الغنائية أو (الشعرية )، أو تقربها من التداعيات الذهنية التي يكثر وجودها في رواية ( تيار الوعي ) ، إذ لا يمكن ملاحظة أي تقدم مضطرد لحركة الفعل ، ولا يمكن تأشير أرادات إنسانية متناقضة تصطدم مع بعضها ، وعليه فأن حركة الفعل في مسرحيات العبث واللامعقول تظهر خالية من الأحداث التي تحدث تغيرات في حركة الفعل ، بل أنها تظهر ، وكأنها تغلق نفسها في حيز ضيق لا مجال للفكاك منه ، بسبب تركيزها الشديد على كشف الحياة الداخلية بمعزل عن المحيط .(28)

* في مشكلات حركة الفعل في المسرحية الحديثة

قبل اختتام هذه الدراسة نرى من المفيد ـ التنويه إلى بعضٍ من الملاحظات التي تخص بناء حركة الفعل في المسرحية الحديثة ، والتي تشكل تحديات لبناء هذه الحركة بناءً محكماً ؛ ومنها :
أ ـ وجود مسافة واسعة بين محفزات الفعل الخارجية ( المادية ) وبين محفزاته الداخلية ( النفسية أو الشعورية أو الذهنية ) مما يؤدي ـ أحياناً ـ إلى توسيع أو هيمنة الجانب المادي على حساب ضعف الجانب الداخلي أو العكس ، مما يجعل الفعل يبدو في الحالة الأولى آلياً ، ومفتعلاً في الحالة الثانية .
ب ـ أن القرارات التي يتم اتخاذها في مرحلة التهيوء تتخذ شكلاً اندفاعياً ـ أحيانا ـ لكنها لا تجد لها فرصة للتنفيذ داخل حركة المسرحية ، أو أن التنفيذ يكون بمستوى أدنى من قيمة القرار ، وهذا ما يجعل الفعل يبدو غير مقنع أو عديم التأثير .
ج ـ أن بعض نقاط الحسم التي تظهر في اللحظات المثيرة جداً ( الأزمات ، والذرى ) تأني من خارج بنية الفعل والمسرحية بعامة ، مما يضعف من أثر الفعل درامياً ، ويجعل الحل يبدو قسريا مفروضا من الخارج ( آله من ألآلة ) ، فضلاً

عن إحداثه لشرخ بين السبب والأثر .
د ـ أن مبدأ حركة الفعل في المسرحية الحديثة ـ عموماً ـ هو مبدأ التجميع أو التراكم ، وليس مبدأ التطور والنمو ، والمبدأ التراكمي في بناء الفعل ، يجعل من الصعوبة الإمساك بحركة الفعل ، وتلمس نقاطها الساخنة ، وهذا ما يجعل المسرحية الحديثة أما تبدو وكأنها ساكنة ، خاليه من التوتر ، أو تبدو متوترة دون فسحة للاسترخاء ، أو إنها تبدو دائمة الاستفزاز ، والصورة الأولى يمكن ملاحظتها في المسرحيات الرمزية ، والثانية في المسرحيات التعبيرية والثالثة في المسرحيات الملحمية ، ومسرحيات الغضب والاحتجاج .


* هوامش البحث
(1) معجم المصطلحات الأدبية ، إبراهيم فتحي ، تونس : المؤسسة العامة للناشرين المتحدين ، 1986 :137.
(2) معجم المصطلحات الدرامية ، د. إبراهيم حمادة، القاهرة : دار الشعب ، 1971 :126.
(3) معجم المصطلحات الأدبية ، إبراهيم فتحي : 261ـ 262 .
(4) معجم المصطلحات الدرامية ، د. إبراهيم حمادة :207 .
(5) ينظر : الدراما بين النظرية والتطبيق ، حسين رامز محمد رضا، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1972 : 340 .
(6) ينظر : نظرية المنهج الشكلي ، نصوص الشكلانيون الروس ، ترجمة : إبراهيم الخطيب ، الرباط : الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1982: 181 .
(7) ينظر : الدراما بين النظرية والتطبيق ، حسين رامز محمد رضا :342ـ 345.
(8) إضاءة تاريخية على قضايا أساسية ( الصورة ـ المنهج ـ الطبع المتفرد) (القسم الثاني ) ، ف .ف . كوجينوف ، ترجمة :د.جميل نصيف التكريتي، بغداد : دار الشؤون الثقافية ،1993: 452 .
(9) ينظر : تشريح الدراما ، مارتن أسلن ، ترجمة : يوسف عبد المسيح ثروت، سلسلة ( الكتب المترجمة ـ 51) ، بغداد : منشورات وزارة الثقافة ، 1978.
(10) تشريح المسرحية ، مارجوري بولتون ، ترجمة : دريني خشبة ، القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية ، 1962 : 10 .
(11) تنظر : مسرحية ( هاملت ) ، وليم شكسبير ، ترجمة :جبرا إبراهيم جبرا ، بيروت المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط5، 1979 : 38، وتنظر:

مسرحية (يوليوس قيصر ) ، ترجمة : عبد الحق فاضل ومصطفى طه حبيب ، القاهرة : دار المعارف ،1973 : 109 ، كما تنظر : مسرحية ( عطيل) ، وليم شكسبير ، ترجمة جبرا ابراهيم جبرا ، كويت : وزارة الأعلام ،1978 : 182.
(12) ينظر : نظرية الأدب : يا . أي . ايلسبورغ وآخرون ، ترجمة : د. جميل نصيف ، سلسلة ( الكتب المترجمة ـ 92 ) بغداد : منشورات وزارة الثقافة والأعلام ، دار الرشيد للنشر ، ط1 ، 1980 : 576.
(13) ينظر : صناعة المسرحية ، ستيورات كريفش ، ترجمة : د. عبد الله معتصم الدباغ ، بغداد وزارة الثقافة والأعلام ، دار المأمون ، 1986: 17ـ 18 .
(14) ينظر : تشريح الدراما ، مصدر سابق : 14 .
(15) ينظر :فن الشعر ، أرسطو ، ترجمة : د. عبد الرحمن بدوي ، بيروت : دار الثقافة ، 1973 :24 ـ32 .
(16) ينظر : إضاءة تاريخية على قضايا أساسية ، مصدر سابق : 430ـ 436.
(17) ينظر : الحبكة ، إليزابيث دبل ، ترجمة : د. عبد الواحد لؤلؤة ، سلسلة ( المصطلح النقدي ـ 2) بغداد : وزارة الثقافة والأعلام ، دار الرشيد للنشر ، 1986: 16 ـ 33.
(18) ينظر : الرواية التاريخية ، جورج لوكاتش ، ترجمة : صالح جواد عبد الكاظم ، سلسلة ( الكتب المترجمة ـ 149 ) بغداد : وزارة الثقافة والفنون ، 1978 : 124 ،184 .
(19) تنظر : مسرحية ( هاملت ) ، وليم شكسبير ، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا : 99ـ 105 ، 106 ـ 107 ، وتنظر أيضاً : مسرحية ( عطيل ) ، وليم شكسبير ، ترجمة : جبرا إبراهيم جبرا ، 214 ـ216 .
( * ) أن تسميات أنواع الفعل الدرامي ، هي تسميات مقترحة من الباحث .

(20) تنظر : مسرحية ( أنتيجوني ) ،سوفوكليس ، ترجمة: طه حسين ، بيروت : دار العلم للملايين : ط2 ، 1978: 135ـ183. كما يمكن مراجعة مسرحية ( أوديب ملكاً ) ضمن الكتاب نفسه : 19ـ254 .
(21) تنظر : مسرحية ( أندروماك ) جان راسين ، ترجمة : طه حسين ( مسرحيات راسين المجلد الأول ) ، القاهرة : دار المعارف، 1968: 263 ـ344 ، ويمكن مراجعة مسرحية ( فيدرا) ، جان راسين ، ترجمة : يوسف محمد رضا ، بيروت : دار الكاتب اللبناني ، 1967 : 53 ـ190 .
(22) تنظر : مسرحية ( هاملت ) ، وليم شكسبير ، ترجمة جبرا خليل جبرا : 27 ـ214 ، وتنظر أيضاً مسرحية ( مكبث ) ، ترجمة : جبرا إبراهيم جبرا ، سلسلة ( من المسرح العالمي ـ 124) . كويت : وزارة الأعلام ، 1980 : 57 ـ 187 ، كما يمكن مراجعة : مسرحية ( الملك لير ) ، وليم شكسبير ، ترجمة : جبرا إبراهيم جبرا ، القاهرة : دار الهلال ، 1971 : 15ـ 152 .
(23) تنظر : مسرحية ( هرناني ) ، فيكتور هيجو ، تعريب : خليل مطران ، بيروت : دار مارون عبود ، ط1، 1975: 15 ـ 149 .
(24) تنظر : مسرحية ( اللصوص ) ، فريدريش شيلر ، ترجمة : د. عبد الرحمن بدوي ، سلسلة ( من المسرح العالمي ـ 145 )، كويت : وزارة الأعلام ، 1981 : 97 ـ 128 ، 135 ـ153 ، 176 ـ 177 على التوالي . كما يمكن مراجعة مسرحية ( رميو وجوليت ) ، وليم شكسبير ، تعريب : رياض عبود بيروت : دار مارون عبود ، ط1 ، 1979 : 7ـ36 .
(25) تنظر : مسرحية ( بيت الدمية ) ، هنريك إبسن ، ترجمة : كامل يوسف ، سلسلة ( مكتبة الفنون الدرامية ـ3 ) ، القاهرة : مكتبة مصر ، د: ت :7 ـ 146 .

(26) تنظر : مسرحية ( الغوريلا ) ، يوجين أونيل ، ترجمة : د. محمد إسماعيل الموافي ، كويت : وزارة الأعلام ، 1981 : 11 ـ 171 ، وتنظر أيضاً : مسرحية ( ست شخصيات تبحث عن مؤلف ) ، لويجي بيرانديللو ، ترجمة : محمد إسماعيل محمد ، القاهرة : دار النهضة العربية ، 1967 : 44 ـ173 .

(27) تنظر : مسرحية ( الطائر الأزرق ) ، موريس ميترلنك ، ترجمة : يحيى
حقي ، القاهرة : الدار المصرية للتأليف والنشر ، 1966 : 25 ـ210 .

(28) تنظر : مسرحية ( في انتظار جودو ) ، صاموئيل بيكيت ، ترجمة : د.
فايز اسكندر ، ( ضمن كتاب مسرح العبث ) ، الهيئة المصرية العامة
للتأليف والنشر ، 1970 : 6ـ 67 ، كما يمكن مراجعة مسرحية
( المغنية الصلعاء ) ، يوجين يونسكو ، ترجمة : محمود حجازي
، القاهرة : دار الفكر ، د: ت : 123 ـ178.

draljupory@yahoo.com
- m.algoboury@yahoo.com
- aljupory@hotmail.com

 

 

التعليقات


 
 

الاسـم

 

الموضوع

 

العنوان

 
 
 
 
 

 

الصفحة الرئيسية

 
 

 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الهدف الثقافي

Copyright © 2005 [tahayaty@yahoo.com]. All rights reserved
Revised: 02/22/08 / Tel :313-615-0053