الإنسان وصراع الحاجات


 

 

 الهدف الثقافي : د.آمال كاشف الغطاء

الاربعاء, 6 / كانون الثاني, 2010, 18:29 GMT



إن المجتمعات الإنسانية كافحت لتحقيق التغلب على ثلاث أمور أولا الحاجات الطبيعية كالطعام والمأوى والملبس والثانية تنسيق النظام الاجتماعي لضمان توزيع هذه الحاجات والحاجة الثالثة بدأت مؤخراً وهي المعرفة ومواكبة التقنيات الموجودة.
وأفراد هذه المجتمعات بما لديهم من مشاعر الأفراد من مشاعر موجودة لديها كالحب والعطف والإقناع والقسر تولد حاجات تتشابك الحاجات وتتقاطع وتؤثر في طبيعة الإنسان وكونه جسد وروح خلق بالفطرة محتاجا وهذه الحاجة تتوضح في قصة النبي آدم (ع) فالجنة تعني التكامل بأرقى أنوعه ولم يكن الإنسان محتاجا فيها وعند خروجه من الجنة خلقت الحاجة التي أدت إلى أول صراع فى التاريخ ،ولم تنجح الصوفية والبوذية عندما طرحت الزهد والتقشف أن تلغي حاجات الإنسان، والحاجة عاطفة تنتاب الإنسان لتحقيق ما يلبي ديمومة جسده ووجوده وعندما توضع موضوع التنفيذ تتوالد المصالح المشتركة لتتعاظم وتتفاقم وتكبر خاصة حين يتجاوز الإنسان مقدار حاجته إلى حاجات الآخرين محاولا الاستحواذ على ما لديهم . إن عدم إدراك بعض الأفراد بان منشأ العلاقات الإنسانية والمحرك لها هي الحاجة بشتى أنوعها مادية ومعنوية تجعلهم يذهبون ضحية أفكار خيالية لا وجود لها فالعلاقات الإنسانية تنتهي عندما تنتهي الحاجة ولو حاولنا أنت نوجع العلاقات إلى جذورها لوجدنا سواء على مستوى الدولة والمجتمع والعائلة عبارة عن حاجات نابعه عن الطبيعة الإنسانية والقطرة التي خلقها الله فى الإنسان من حيث إن الإنسان محتاج (أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) ولا يمكن تلبية حاجاته بمفرده إنما عن طريق الآخرين والشخص الحكيم هو الذي يعرف ما يريده الآخرون وحتى عندما يعمل شيئا دون مقابل فهناك بواعث أخرى كامنة في النفوس والأبرار الصديقون فقط هم الذين يعملون ولا يريدون لا جزاءاً ولا شكورا إنهم يعملون من اجل رفع الظلم وإقامة العدالة ويقودون عجلة التاريخ والمجتمعات الإنسانية نحو الأمام وقد أدركت الأديان هذه الثغرة لدى الإنسان فأعتبرت من الواجب أن يحترم الإنسان علاقاته ابتداءً من العائلة وانتهاء بالمجتمع دون النظر إلى الحاجة ولذا مبداء الأديان الواجب الذي يتطلب من الإنسان أن يغض النظر عن احتياجاته ويقوم بعمله بطواعية ،والإنسان يضع الكثير من المبررات لكي يبرر احتياجاته والضحايا هم فريسة التباين بين كمية الحاجة ونوعها فالدولة تطلب الولاء والطاعة والمواطنون يطلبون توفير الحاجات الأساسية وينشب الصراع في حالة حدوث عدم توازن.
إن الاستقرار والتوازن ينشأ عندما (أ) يجد ما يحتاجه لدى(ب) وبالعكس والمشكلة تحدث عندما يطلب (أ) أكثر مما يملك (ب) و(ب) يطلب من (أ) تجاهل احتياجاته أو إن (ب) يرفض طلبه احتياجات (أ) من مبدأ القوة وفي هذه الحالة وفي ظل غياب القانون تتحول العلاقة بين (أ)و(ب) إلى مستوى الصراع إن ما ذكره صموئيل هنتون عن صراع الحضارات لا أساس له من الصحة فالصراع هو صراع الحاجات والتاريخ يذكر التحالف بين دول الحلفاء وروسيا الشيوعية ضد دول المحور بقيادة هتلر فدول الحلفاء والمحور كلاهما نظام رأسمالي ولكن المصالح اقتضت التحالف في الحرب العالمية الثانية كما إن التعاون الذي تم بين أمريكا والإسلاميين في أفغانستان ضد الحكومة الشيوعية الموالية لروسيا هو مثال آخر على ان الصراع هو صراع الحاجات وليس الأفكار وفي العراق نشأ الصراع بين أبناء الطائفة الواحدة لتضارب الحاجات في غياب القانون .والمجتمع يكون في حالة الاستقرار حين تكون العلاقة بين الحاجات والعدالة علاقة مساواة وإذا كانت عكسية بحيث زادت الحاجات وقلة العدالة فيسود الظلم والاضطهاد وإذا قلة الحاجات وزادت العدالة فالمجتمع فى حالة جمود وتدهور اقتصادي وفكري.
وعلى مستوى الإفراد تنشأ علاقة بين الحاجات والعدالة ونستطيع تقسيم المجتمع الى :
1. كثير الحاجات كثير العدالة
2. كثير الحاجات قليل العدالة
3. قليل الحاجات قليل العدالة
4. قليل الحاجات كثير العدالة
ان النوع الأول هم الإفراد الخيرون الذي يقدمون الخدمات للآخرين ويدفعون بعجلة الإنسانية إلى الأمام ويشرعون القوانين ويأتون بالرسالات وينظمون المجتمعات ويعالجون المحن بالعلم والمعرفة ان كثرة حاجاته وعدالته تجعله يفكر بالتقدم والازدهار والرفاهية ويقر مبدأ الوجوب ان النوع الثاني فهم الطغاة الذين يتسمون بالوحشية البدائية , التظاهر بالرقة والاندفاع فهم يسخرون الآخرين لتلبية احتياجاتهم دون ان يقدموا شيئا وتؤخذ الأولوية لديهم تنفيذ لرغباتهم وإرادتهم مهما كانت الإدارة فقد قال نابليون عند غزو موسكو "لا يفل من عزيمتي قتل مليون جندي " أما النوع الثالث فهم ضحايا لايدركون شيئا ويسخرون من قبل النوع الثاني الذي يستعملهم لتنفيذ غاياته ومآربه . والمبدعون هم النوع الرابع الكتاب والرسامين والمخترعين وهولاء لا يخضعون للروتين لتمتعهم بالذكاء المفرط ويتعرضون للاضطهاد من قبل الصنف الثاني ويتعاونون مع الصنف الأول . ان هذا التقسيم نجده في حياتنا الاعتيادية فهذه النماذج الأربعة نجدها في البيت والشارع والعمل دون ان ندرك ذلك ونرى الأبناء ضحية جبروت آبائهم والزوجات ضحايا جبروت أزواجهن وتواجدها على مستوى الدول فهناك دول عدوانية ودول تقدم المعرفة والإبداع ودول أخرى تذهب ضحايا للدول العدوانية وفي كل الحالات نحتاج الى قوانين دولية صارمة تضع حداً لطغيان دولة على أخرى وقوانين إقليمية تصون المجتمعات من الفوضى والضياع فنستطيع ان نحد من ظاهرة النوع الثاني واستفحاله في المجتمع عن طريق فرض القانون الذي يجد من الرغبات والأهواء الجامحة للنوع الثاني ونحمي النوع الثالث من استغلاله ويحفظ الرابع من سطوته واندفاعه ان القوانين هي الأداة الفعالة لحفظ التوازن بين طبقات المجتمع . وتحفظ للمجتمعات القوية التي يتمتع أفرادها بكميات كبيرة من الحاجات من الفوضى وتوازن بين الرغبة الأنانية المتطرفة وحاجات البشر الضروريه ولن يكون للعدالة معنى دون فرض قوانين تحفظ للمجتمع انجازاته وإبداعه .

 

 

amgwad@yahoo.com

 

 

 

 

التعليقات


 

 

الاسـم

 

الموضوع

 

العنوان

 

 

 

 

 

 

 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الهدف الثقافي

Copyright © 2005 [tahayaty@yahoo.com]. All rights reserved
Revised: 06/02/10