|
|
مظاهر دراميــة في النص
التراثي العربي-ج4
6-1: المظاهر الدرامية في
الكتب المؤلفة
|
|
الهدف
الثقافي : أ.م.د. مجيد حميد الجبوري |
الاثنين, 11/
كانون الثاني, 2010, 16:04 GMT |
|
| |
|
|
أعــــــداد
أ.م.د مجيد حميد الجبوري
6-1 : المظاهر الدرامية في نصوص
السير الشعبية
يرى أغلب دراسي السيرة الشعبية أن
تلك السير ترتبط بجانبين لا يمكن
تجاوزهما الجانب الأول ( واقعية )
السير الشعبية التي تفصح عن مدى
تطابقها مع واقع الزمن الذي ظهرت
فيه ، والجانب الثاني هو (
تاريخية ) تلك السير التي تستجيب
إلى الشروط التاريخية التي
أنتجتها تلك الفترة ( )، لهذا فإن
هناك نمطين من السيرة يختلفان عن
بعضهما الأول هو نمط ( السيرة
التقليدية ) وهو نمط يهتم
بالوثيقة التاريخية مسجلاً
الوقائع التاريخية فقط ونمط آخر
يمكن تسميته بنمط ( السيرة الفنية
) وهو يهتم بصياغة المادة
التاريخية صياغة فنية جمالية تهتم
بإظهار أثر الحدث التاريخي وتطور
الصراع بين الشخصيات فضلاً عن
الاهتمام بالجوانب النفسية لتلك
الشخصيات . ( ) ويرى البحث ـ
تأسيساً على الرأي السابق ـ أن
جميع السير الشعبية تدخل ضمن
النمط الثاني . ففضلاً عما تقدم
فإن العناصر الأساسية المكونة
للسير الشعبية يمكن ملاحظة
اشتغالها في الملحمة والدراما مع
اختلافات بسيطة في آلية الاشتغال
وهذا ما يؤكده الناقد ( ميك مال )
الذي يرى أن العناصر الأساسية
التي تشكل بنية السيرة الشعبية هي
: الفاعل والفعل والزمان والمكان
، وأن هذه العناصر هي ذاتها
العناصر المكونة لبنية الملحمة ،
غير إنها تشتغل فيها باتجاه
الشمولية والتوسع ، وإنها هي
ذاتها العناصر المكونة لبنية
الدراما إذ تشتغل فيها باتجاه
الخصوصية والتركيز ( ) ، كما يوضح
الناقد نفسه في موضع آخر بأن تلك
العناصر تشتغل في السير الشعبية
على مستويين ، إذ آن الفعل فيها
يمكن أن يشتمل على أحداث السيرة
من جهة ، كما أنه يشتمل على فعل
السرد الذي يسرد به النص تلك
الأحداث . وأن الفاعل يعني شخصيات
السيرة من جهة ويعني الراوي من
جهة أخرى ، وكذا الحال بالنسبة
لعنصري الزمان والمكان فهما يخصان
زمان ومكان الأحداث من جهة ، كما
أنهما يخصان ـ في الوقت عينه ـ
الزمان والمكان اللذين تروى فيهما
أحداث السيرة على جمهور المتلقين
من جهة أخرى . ( ) ومن خلال
التعرف على مفهوم السيرة الشعبية
وتحديد تعريف لها تتضح لنا
إمكانية اشتمالها على العديد من
الملامح الدرامية التي تؤكد
الآراء السابقة ، إذ يرد في تعريف
السيرة الشعبية ؛ على إنها ( نوع
أدبي قصصي طويل ، من أنواع القص
في الأدب الشعبي العربي ، وفيه
يتابع القاص مراحل حياة البطل
القصصي الرئيس ، الذي تنسب إليه
السيرة عادة ، ويعرض القاص وقائع
اشتباك هذا البطل مع الأبطال
الآخرين المناوئين وتلاقيه مع
الموالين ، كما يبين تدخلها مع
المواقف المصيرية في حياة قومه
وحروبه مع الآخرين ، ويتم سرد
السيرة الشعبية نثراً يتخلله
الشعر في المواقف المتوترة قصصياً
وإن كانت هناك روايات شعرية كاملة
لبعض السير الشعبية )) ( )،
وتتعدد السير الشعبية في التراث
العربي ، إلا أن هناك إجماعاً بين
الدارسين على أن أبرز السير
الشعبية التي مازالت راسخة في
الذاكرة الشعبية وتجري روايتها
أحياناً في المجالس الشعبية، وفي
السهرات الرمضانية على وجه الخصوص
هي :ـ 1. السيرة الهلالية (
تغريبة) بني هلال . 2. سيدة الزير
سالم . 3. سيرة عنترة بن شداد .
4. سيرة سيف بن ذي يزن . 5. سيرة
الظاهر بيبرس . 6. سيرة الأمير
ذات الهمة . 7. سيرة الأمير حمزة
البهلوان .( ) ، وتشترك جميع نصوص
تلك السير بوجود مظاهر درامية
متعددة ؛ فضلاً عن أن رواية تلك
السير على جمهور المتلقين يحظى هو
الأخر بملامح تجسيدية مسرحية ،
فمن خلال استعراض أهم العناصر
المكونة لبنية السيرة الشعبية ،
يمكن أن تضح للبحث أهم المظاهر
الدرامية التي تشتمل عليها، وأهم
تلك العناصر ما يلي:
1-6-1 الفكرة:
تتميز السيرة الشعبية بوجود فكرة
واحدة؛ وعلى الرغم مما تحويه من
تشعبات أو تفرعات لكنها تبقى هي
التي تتمتع بسمة الهيمنة الأساسية
التي تقوم بتوجيه كل العناصر
الأساسية والفرعية الأخرى في النص
. وتعمل على أن تكون مركز جذب أو
استقطاب لها ، كما إنها تمثل جوهر
محتوى النص ، فالسيرة الشعبية
تتفق (( جميعها في إنها تقدم لنا
وظيفتها المركزية (... ) في بداية
الحكي ، وكأن براوية السيرة يدرك
جيداً طبيعة عمله ، لذلك فهو يبين
منذ البداية لماذا يحكي من خلال
تقديمه ( بؤرة حكائية ) بوضوح
وجلاء ، وقد تنسى في غمرة الأحداث
وتراكمها الهدف من الحكي ، لكنه
يظل وارداً ومحدداً ، لذلك ( يفضل
) الإمساك بهذه الوظيفة أو (البؤرة)
وتسجيلها ، في البداية لتكون
الإطار المعقول للتحليل والبحث))(
).
ولو استعرض ـ البحث ـ نماذج شهيرة
من السير الشعبية لوجد أهمية
الفكرة باعتبارها الجوهر الأساسي
الذي تقوم عليه السيرة ، ولتأكد
قيمة الوظيفة المركزية التي تقوم
بها الفكرة في إيصال الأهداف
الأساسية لكل سيرة على حدة ، فضلاً
عن اتضاح قيمة العبر والدروس
الأخلاقية التي يمكن أن تستشف من
تلك السير ، لأن الفكرة الأساسية
في السير تعمل عمل الفكرة
الفلسفية للمسرحية .
في سيرة ( الزير سالم ) (*) التي
تعد من أقدم السير من حيث حدثها
التاريخي ـ نجدها تبدأ بحدث نجاح
الأمير ( كليب ) في اقتحام قصر
الملك ( التبع حسان ) والقبض على
ذلك الملك والعزم على قتله ، غير
أن الملك المقبوض عليه ، يطلب من
الأمير ( كليب ) أن يمهله فترة من
الزمن يخبره عن أحوال الزمان
الآتي (( أمهلني ساعة من الزمان
حتى أفيدك عن جميع الأمور
والأحوال التي تحدث إلى آخر
الأجيال )) ( ). ويلحظ البحث أن
حكاية هذه السيرة تبنى على شاكلة
مقاربة للبناء المتداخل الذي تبنى
به ( مسرحية القناع أو ما تطلق
عليه تسمية ((المسرحية داخل
مسرحية)) ) وهو الأسلوب الذي
اشتهر به الكاتب الإيطالي
بيرانديلو ( ) . تستهوي الفكرة
الأمير ( كليب ) ويبدأ الاستماع
لغريمه فيلقي ( التبع حسان )
قصيدة طويلة تزيد على السبعين
بيتاً بذكر فيها ـ في البداية ـ
أخبار الأنبياء : موسى وداود
وعيسى (ع) والنبي المنتظر محمد
(ص) ـ باعتبار أن أحداث السيرة
تجري قبل ولادة النبي محمد (ص) ـ
ويشير فيها إلى أن ( كليباً )
سيقتل ( التبع حسان ) لا محاله
إلا أن ( كليباً ) سيقتل على يد (
جساس ) ثم يظهر بعد ذلك ( الزير
سالم ) وأبن أخيه ( الجرو ) ـ
ليتمكن الأخير من قتل خاله ( جساس
) ، وفي النهاية يقتل ( الزير ) ،
ويظهر في السيرة المذكورة إشارات
إلى السير الأخرى مثل ( سيف بن ذي
يزن ) و ( عنترة بن شداد ) و (
بني هلال ) . فسيرة ( الزير سالم
) تقدم تنبؤات عن كل أحوال العرب
القادمة فضلاً عن إشارتها إلى كل
السير الشعبية التي أعقبتها ،
ففكرة ( الزير سالم ) يمكن عدّها
إطاراً لأفكار السير الشعبية التي
تعقبها ، ومقدمة لها ( )، أما
سيرة ( سيف بن ذي يزن ) فإنها
تبدأ بتباهي الملك بقوته وكثرة
جنوده وما أنجزه من فتوحات وصلت
إلى مدينة ( بعلبك ) شمالاً ، وهو
يفكر ـ جدياً ـ بغزو جارته على
الساحل الغربي ( الحبشة ) وذلك
لكونها أقرب البلدان إلى بلاده (
اليمن ) ، لذا فإنه يدعو وزيره
الحكيم ومستشاره الأمين المدعو (
يثرب ) لكي يشير عليه ويضرب له
تخت الرمل (( سيف بن ذي يزن :
لابد أن أسطو على جميع الخلق حتى
لا يبقى لي مقام ولا مخاصم ، عن
قريب تصير الحبشة لي ، وتحت حكمي
، فماذا تقول ؟! )) ( ). وبعد أن
يضرب الوزير ( يثرب ) التخت ،
يتبين له أن النبي نوح (ع) في
قديم الأزل قد دعا على أولاد أبنه
(حام) ولعنهم ، فقد دعا ربه على
أن يكونوا تحت رحمة وسيطرة أولاد
أبنه ( سام ) ، بعد أن يمسخهم
ويسود وجوههم ، لأن أباهم ( حام )
لم يتورع من التطلع على عورة أبيه
عندما هبت ريحاً فكشفت عورة أبيه
، بل أنه ضحك على ذلك وسخر منه ،
في حين سارع أبنه ( سام ) إلى
تغطية أبيه غاضباً في الوقت نفسه
على أخيه ( حام ) ، لذلك فإن كتب
الملاحم والملل تدل على أن دعوى
النبي نوح (ع) ماضية في التحقيق
فهي دعوة مستجابة (( فيكون جميع
الحبشة والسودان غلماناً وخداماً
لأولاد سام بن نوح .. وأني وجدت
في الكتب القديمة والملاحم ، أنه
لابد لملك من ملوك التبابعة، أن
يكون على يده انفاذ دعوة نوح (ع)
، وربما أن يكون أنت))( ) ، وهكذا
فإن جوهر فكرة هذه السيرة هي :
إنفاذ دعوى النبي نوح (ع) ،
والهدف الأساسي لها الاستيلاء على
بلاد الحبشة وإخضاعها لملوك اليمن
.
أما سيرة ( عنترة بن شداد ) فإنها
تبدأ باستعراض أنساب العرب
والتركيز على أولاد ( نزار )
الأربعة التي تدور بينهم حروب
عنيفة فتقع عليهم لعنة الله ،
لأنهم كانوا من عبدة الأصنام
والأوثان ، ولا يخافون الله
ويخشونه (( ولما أراد الله سبحانه
وتعالى هلاك أهل تجبرهم وتكبرهم ،
أذلهم الله وقهرهم بأقل الأشياء
عنده وأحقرهم لديه ، وكان ذلك على
الله يسير ، فسلط عليهم العبد
الموصوف بأنه حية الوادي الذكي
الفؤاد ... عنترة بن شداد ، الذي
كان في زمانه شرارة خرجت من زناد
، فقمع الله به الجبابرة في زمن
الجاهلية ، قبل ظهور سيدنا محمد
خير البرية )) ( ) ، لذا يبدو أن
الفكرة الأساسية التي تدور حولها
السيرة هي إذلال الكفار وإهلاكهم
وتسليط واحد من أقل أبنائهم قيمة
اجتماعية للقضاء عليهم والتمهيد
لظهور الرسالة المحمدية الطاهرة ،
ويتم تأكيد هذه الفكرة في أكثر من
موضع . وأبرز تلك المواضع ما ورد
في المجلد الثاني من السيرة نفسها
إذ يرد ما نصه (( وقد ذكرت الرواة
والأخبار(*) أنه كان خلقه الله
الملك الجبار وجعله نقمة على
جبابرة العرب ، حتى مهد الأرض
قدام النبي المنتجب : سيد العجم
والعرب (ص) لأنه كان في زمان
الفترة وأوان المشيئة ، فدمر
الأفيال وأهلك الأبطال ... حتى
طلعت في أثره الشمس المضيئة شمس
سيدنا محمد خير البرية (ص))) ( ).
ولا تختلف فكرة سيرة ( بني هلال )
عن سابقتها ، فهي الأخرى ترتبط
بدعوى لشخصية مؤمنة وتشتغل السيرة
على أنفاذ تلك الدعوة فبعد أن
تفتح السيرة بالتعريف بنسب (بني
هلال) تشير السيرة إلى أن ( هلالاً
) هذا زار مكة في زمن الرسول محمد
(ص) بصحبة أربعمائة فارس من شجعان
بني هلال وتشرف بمقابلة النبي (ص)
فأمره رسول الله (ص) أن ينزل في
وادي العباس بن عبد المطلب ،
وتصادف أن النبي (ص) حينها كان
مشغولاً بحرب إحدى القبائل في
الجزيرة فأزره بنو هلال وشجعانهم
وعاونوه في حربه ( ) (( وكانت
فاطمة الزهراء (ع) راكبة في
هودجها ، فلما رأت الحرب زجرت
جملها لتخرج عن مشاهدة القتال ،
فشرد بها في البراري والفلوات
ولما رجعت دعت على من كان السبب ،
بالبلاء والشتات فقال لها والدها
(ص) : أدعي لهم بالانتصار ، فإنهم
بنو هلال الأخيار ، وهم لنا في
جملة الأحباب والأنصار فدعت لهم ،
فنفذت فيهم دعوتها بالتشتيت
والنصر معاً )) ( ) وهكذا فإن
فكرة هذه السيرة تتلخص بالتركيز
على أنفاذ دعوى السيدة فاطمة
الزهراء (ع) في بني هلال وتحقيق
إنفاذها هدفي الدعاء التشتيت
والنصر وهو ما يحدث في السيرة
فعلاً .
ومن خلال استعراض أفكار السير
الشعبية التي ورد ذكرها آنفاً ـ و
بالرغم من كثرة الأحداث والشخصيات
والأجيال التي يمكن أن تتعاقب في
السيرة الواحدة ، وكثرة الصراعات
التي تدور فيها ـ فإن الفكرة تبقى
فكرة واحدة ، ربما تغيب عن البال
في مواضع عدة؛ غير أن بنية
المواقف الدرامية ـ التي تتطور
على مبدأ التراكم وليس التطور
الخطي المتصل المتصاعد ـ تصل في
كل الأحوال على تأكيد الفكرة
المركزية التي بنيت عليها السير
جميعها .
1-6-2 الفعل في السيرة الشعبية :
أن من السمات البارزة التي تلفت
الانتباه عند تحليل هذا النوع من
النصوص هو اشتمالها على عدد ضخم
من الأحداث المتتابعة والتي تأتي
على مستويات متعددة ، منها أحداث
تأتي على مستوى واقعي وأخرى تأتي
على مستوى تعبيري ـ وهو ما يمكن
ملاحظته من ورود الكثير من
الأحلام والكوابيس والتنبؤات التي
تمر على الشخصيات ـ ، ومنها يأتي
على مستوى رمزي وهو ما يلاحظ من
كثرة وجود الأجواء السحرية
واشتراك شخصيات الجن والشياطين
والملائكة الصالحين في صنع
الأحداث وتقرير المصائر . وتشكل
الأحلام ـ على وجه الخصوص ـ دوراً
مهماً في بنية أفعال السيرة
وتطورها إذ تشكل أحياناً (( وظيفة
مركزية في السيرة بكاملها ، إذ
تغدو كل الأفعال اللاحقة مساهمة
بشكل أو بآخر في تأويل ذلك الحلم
وتحقيقه .. إنها ترتبط به ، و (
تعمل ) في اتجاه تحقيقه )) ( )
وعلى العموم فإن الأفعال الدرامية
في هذه السير تتشكل على هيئة فعل
مركزي واحد يضم أحداثاً فرعية
كثيرة جداً ، لكن الفعل الرئيس
الذي تتجمع عنده خطوط الأحداث على
مبدأ التراكم يشكل نواة السيرة
المركزية وهو الذي يحتفظ بجوهر
موضوع السيرة ، في حين تعمل
الأحداث والأفعال المتفرعة عنه أو
المتولدة منه وظيفة تحقيق أجزاء
موضوع السيرة بأكملها( ).
إن بنية الفعل في نصوص السيرة
الشعبية تأتي مقاربة في كثير من
ملامحها لبنية الفعل الدرامي ،
ذلك لأنها تتكون من مراحل ثلاث
أساسية هي :ـ
أ. الأوان :
وهو موضع في السيرة يتضمن نقطة
بداية الفعل ويمثل أوان ظهور بطل
السيرة وانطلاقه لإنفاذ النبوءة
أو الدعاء الذي تبدأ به فكرة
السيرة وتعني في الوقت نفسه نقطة
انطلاق فعل السيرة أو بداية تنفيذ
الفكرة ( ). ونقطة انطلاق الفعل
هذه تقترن ـ في الغالب ـ بحدوث
تطاول على المحرمات ـ كالمبادئ أو
التقاليد أو الأعراف ـ وهذا ما
يجعل السيرة تكتسب ((معنى تعليمياً
وذلك بمثابة إيضاح تصور لمعايير
السلوك المحددة والملزمة للمجتمع
)) ( ) ، أن الفعل المركزي في
السيرة يصور غالباً ـ التجارب
والمعاناة التي يمر بها البطل ،
أما نتيجة لتعقب منافسيه له، أو
نتيجة العقبات والظروف التي
يواجهها في أثناء التنفيذ مما
يجعل المهام التي يقوم بها صعبة
جداً ، ويجعل التحديات فيها
مصيرية، أو من خلال محاولات صده
عن تحقيق المهام والواجبات التي
وعد نفسه والآخرين بالقيام بها (
). ولكن بالرغم من هذه العوائق
والصعوبات فإنه يمضي نحو النهاية
، إذ تتراكم خلال تلك المواجهات
(( مختلف العناصر التي تمكن البطل
من التوفر على مستلزمات تحقيق
الدعوى )) ( ) . ذلك لأن تلك
العوائق تعمل بمثابة الحافز
لاستثارة البطل واستفزازه ليفصح
عن كامل طاقته وقواه ويقابل مرحلة
( الأوان ) في الدراما، ما ندعوه
بالوضعية الاستهلالية والتي
تتوافر على نقطة انطلاق الفعل .
ب . القرار :
وتبدأ هذه المرحلة بقرار البطل
للتصدي ومواجهة العوائق كافة التي
تقف أمام تحقيق ما ندب نفسه
لتحقيقه ، وتدعي هذه النقطة (
القرار ) ، ويقابلها في الدراما
نقطة المواجهة الأولى أو نقطة
الاصطدام الأولى أو ما تدعي
أحياناً بنقطة ( إشعال الفتيل ) (
).
ج. النفاذ :
وهي المرحلة التي تتضمن أنجاز
البطل لمهمته التي ندب نفسه
لإتمامها : كما تشتمل على
المواجهات والتحديات التي يواجهها
البطل كافة من أجل تحقيق هدفه
والتي تنتهي ـ غالباً ـ بوفاة
البطل أو مقتله ( ) ، ويقابلها في
الدراما مراحل التصعيد والتعقيد
وظهور الصراعات والأزمات والذروة
انتهاءً بالحل والنهاية. ( ) أن
بنية الفعل في السيرة الشعبية
تأخذ منحى شمولياً في أحداث
متشعبة مما يجعله كلي الأهداف ،
وهذا ما يقربه من الفعل في
المسرحية الملحمية( ) ، ومصداقية
ذلك: تتضح من استعراض سريع
للأفعال المركزية في أشهر السير
الشعبية ، ففي التمهيد المطول
الذي تبدأ به سيرة ( الزير سالم )
نجد قصيدة مطولة تلي حدثاً عنيفاً
يتمثل في احتلال قصر ( التبع حسان
) وما صاحب ذلك من ظروف وملابسات
ـ تذكر حيويتها وحركتها،
باستهلالات أفلام المغامرات
الأمريكية الحديثة ـ إذ تمهد تلك
الظروف الملابسات لفعل السيرة
المركزي ، وهو تمهيد يأتي عاصفاً
عنيفاً . ثم يعقب ذلك وضعية
أساسية تمثل أنفاقاً بين طرفين
هما ( كليب المهاجم من جهة ـ
والتبع حسان ـ الأسير من جهة
ثانية ) يكون شرطها الأساسي إمهال
الملك ( التبع حسان ) من القتل
ريثما يلقي نبوءاته على الأمير (
كليب )؛ تلك النبوءات التي تولد
تساؤلات وردود فعل كثيرة لـ (
كليب ) وإتباعه ، لذا فإن التمهيد
يأخذ مساحة كبيرة من السيرة ، إذ
يستغرق لوحده ما يقارب الخمسين
صفحة ( ) ، وهذا ما يذكر
بالتمهيدات الطويلة لنصوص
المسرحيات الرومانسية عموماً .
وهو ما يتكرر حصوله في سيرة ( سيف
بن ذي يزن ) وسيرة ( عنترة بن
شداد ) اللتين يتعرض تمهيدهما إلى
أنساب العرب وقصصهم الأولى
ونشأتهم ونشأة قبائلهم ، وتوزعها
في الأمصار ، وما حصل لها من فتن
وأحداث ، قبل أن يبدأ انطلاق
الفعل فيها ( ) .
1-6-3 الأزمنة والأمكنة في السيرة
الشعبية :
الأزمنة في السير الشعبية هي
أزمنة مفتوحة وغير محدودة ؛ إذ
تبدأ أحياناً مع بدء نشوء الخليقة
ولا تنتهي بانتهاء نهاية أبطالها
الأساسيين ؛بل إنها تتنبأ بأبطال
آخرين يظهرون في سيرة شعبية أخرى
، وهذا ما يقال أيضاً عن الأمكنة
التي تتنوع بين أمكنة واقعية
وأخرى خيالية منها أماكن معروفة
وأخرى مجهولة، والقصد من ذلك؛ هو
جعل السيرة تأخذ أتساعاً أفقياً
ومساحة عريضة لتشمل البلاد وكلها
والأماكن كلها ، في سعي لإعطاء
السيرة أهمية استثنائية تمكنها من
الخلود في كل الأزمنة والأماكن (
).
1-6-4 الشخصية في السيرة الشعبية
:
إن اتساع وحدة الزمن وتعدد
الأمكنة ، تستوجب حشد الأعداد
الكبيرة من الشخصيات ذات الأهواء
والرغبات والإرادات المختلفة ،
لذلك تحتشد في كل سيرة شعبية؛
العشرات من الشخصيات التي يبرز
منها ما يبقى متواصلاً خلال
السيرة بأكملها، وهذا ما يتعلق
بالشخصيات الرئيسة ، وبخاصة بطل
السيرة وأحد أصحابه المقربين ،
مثال ذلك ( عنترة وأخوه شيبوب )
في سيرة عنترة ، ( الزير سالم
وأخوه الأكبر ربيعة ) في سيرة
الزير سالم ، وهناك شخصيات تظهر
لفترة من الزمن ثم تنتهي بانتهاء
الوظيفة التي أعدت لها ، ولربما
تظهر ثانية وتختفي أيضاً ، كما أن
هناك شخصيات تظهر لمرة واحدة
وتختفي بالمرة ، ذلك لأن وظيفتها
تكون محددة ، وعلى العموم فإن
الشخصيات تتنوع من شخصيات آدمية
وأخرى من شخصيات الجن ، أو شخصيات
الحيوان ، أو المخلوقات الغريبة
التي لا تظهر إلا في أجواء خيالية
تخص تلك السير فقط ( ) ، وعلى
العموم فإن السير الشعبية تقدم
لكل شخصية ما تستحقها من سمات
مظهرية وسلوكية ونفسية تنسجم مع
طبيعتها مرفقة ببعض السمات التي
توقع تلك الشخصيات بالمشاكل أو
الموجهات وهو ما يذكر بالعيب التي
تعاني منه الشخصيات المأساوية ،
وهو ليس عيباً أخلاقياً ينقص من
القيمة السامية للشخصية، بل أنه
عيب سلوكي بسيط يؤدي إلى وقوع
الشخصية بالمأساة وهو ما يعرف بـ
( العيب التراجيدي )
draljupory@yahoo.com
m.algoboury@yahoo.com
aljupory@hotmail.com
التعليقات
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|