نعتقد ان اية مقاربة قرائية او
مداخلة نقدية لخطاب فينوس فائق
الشعري لابد لها من الاشتغال على
ثلاثة مستويات , ألأسلوبي
والدرامي والدلالي , فهي اسلوبيا
- مثلا - لاتنفك تبحث في المنطوق
اللغوي وأدلته بأتجاه أنتاج
صورتها الذهنية - الماقبلية - تلك
الصورة التي تعكس تفردها على
الاداء الوظيفي المتعدد المستويات
, كالجمالية والاتصالية كما انها
لاتتوقف عند حدود ألأشتغال على
الدلالة بل توغل في البحث عن
العلاقة بين الرمز ومرجعياته
كاشفة لنا قدرة متقدمة جدا في
امكانيات تحريكه - الرمز - جراء
الاستخدام . لذلك سنحاول قراءة
خطابها المبدع على الوفق الآتي .
اولا : المستوى الدلالي .
يقاوم خطاب ( فينوس فائق ) الشعري
قصدية اثره المعنياتي الذي يتوفر
عليه او ينتجه التراكم الصوري في
بنيته , وذلك ليس لأن اثره يكمن
في امكانية بوحه عن وجوده الذاتي
حسب أو اسقاطه لأي مدمج خيالي
يقتفي أثرالتشفير والترميز في
منظومة الانساق العلامية المنتجة
لتلك الانشاءات الصورية - الرامزة
- ويفككها - كبنية - على أساس
التدليل ذي ألأثر
ألأيقوني ثابت الدلالة كما أننا
لا يمكن أن نقر بأن ثمة مرجعيات
ذاتية تحيل أليها الدوال لتشتق
دلالاتها فيكون التدليل عملية
تحول من مستوى نصي الى آخر يلتقي
عبر التأويل داخل التجربة
المجتمعية للنص - اللغة - ليكون
الاثر المعنياتي في منجزها الشعري
امكانية التحول العلاماتي من
الرمز او الشفرة الى الثابت
الدلالي في التجربة المجتمعية
جراء أشتغال قصدية القراءة على
المنطوق اللفظي او الحرفي وحتى
المرجعي للمنجز ذاته (( أعلم أني
اسبح في أعماق المستحيل / ولن
انجب منك / لاوردة نرجس / ولاشمسا
/ ولا حتى رصيفا التقيك في نهايته
)) *أعماق المستحيل , الانجاب ,
زهرة النرجس , الشمس , ..دوال
ايقونية الدلالة والاثر المعنياتي
في مقابلاتها المرجعية , ألا انها
قد تؤسس معناها الذاتي في مخيلة
التلقي من خلال أمكانية التحول
الشفراتي او الرمزي المعتمد على
المجال اللعبي او الحركي بين
الدال والمدلول وامكانية ازاحة
الاثر المنتج لمصلحة فعل القراءة
كاحلال ليصبح المقابل المعنياتي :
اليأس ونرجسية الذات المستوحدة
المستفردة , الازل , الا ان هذا
الاثر سرعان ما يتهاوى وينهار
جراء التراكم الصوري في سياق
الخطاب ذاته (( أعلم أنك واحد
لاشبيه لك / لم تلد ولم تولد ))
والمسافة هنا بين الدال ودلالاته
هي المسافة بين الحقيقة والوهم
الممكن والمستحيل الوجود والعدم ,
وتلك المسافة أوهنت ورققت الصلات
المعنياتية بين المفهومين -
الذاتين - كدلالات . أن شرطية
الترميز الصارمة والملازمة
والمهيمنة على الانشاء الصوري في
خطاب فينوس فائق الشعري تصادر
امكانية ان يكون الرمز بحد ذاته
معادلا موضوعيا للأثر المعنياتي
أو حتى منتجا له , سواء كان علامة
مصاحبة أو مؤول اليه (( ذات لقاء
بتوقيت رصيف / عند منعطف شمس
افقية / على قارعة لقاء / تصافحنا
)) ** الدوال هنا لايمكن ان تحيل
الى نفسها علامات الشيء ذاته,
بتوقيت رصيف , عند منعطف شمس ,
على قارعة لقاء, مفردات على وفق
صور تشكل مظهر من مظاهر
اللامرجعية , وبذلك تحيل التلقي
الى المنطوق ذاته وبقوة معززة
بذلك امكانية انفتاح جديد على
المستوى الدلالي للخطاب يقود الى
تكثيفه علاماتيا معززا في نفس
الوقت واقعية القصد ,أنها تحدث
خلخلة في بنى السرد الصوري رغم
تراكمه المتوالي لتدفع التلقي الى
التماهي داخل تلك البنى ليتوحد مع
المنطوق ذاته (( ذات لقاء بتوقيت
رصيف / .../.../.../ تصافحنا /
لاتبح بصوتي / فنساء المدينة
يتربصن بفستاني / ... / تعثرت
بصوتك / .../ تقاطعنا كسهمين /
فالتقينا كفراق / وافترقنا كلقاء
)) بمفهوم آخر لايمكن ان يكون
المرجع - التجربة المجتمعية - هو
القصد او الاثر , بل المنطوق ذاته
وذلك ما نطلق عليه متفقين مع (
تودوروف ) الايقونات الاستعارية ,
ذلك لأن التماثل لم يعد قائما فقط
بين العلامة ومرجعها بل بين
مرجعين دل على كليهما بالعلامة
ذاتها (( قبل الشروق بشبرين
وقصيدة / بتوقيت نافذة ياقوتية
تختزل حكاية انتظاري / ومساءات
أنوثتي الخجلى / عند مفترق العشق
/ أحتفل بميلادي بتوقيت سواد
الليل )) . قبل الشروق : ( آن )
زمني يعقبه آن دل عليه بوحدة قياس
مكانية فأنتج فعل ألأنتظار بدلالة
القصيدة , نافذة ياقوتية , تتشهى
, تتلضى تنداح عليها الذكريات هي
( آن ) بدلالة تلك التداعيات وهي
حدث ماضي يسترجع في الذاكرة ليؤسس
للاتي وهو كذلك فعل انتظار ومفترق
العشق بتوقيت سواد الليل , كل ذلك
التراكم في الانشاء الصوري يهرع
الى منظومة علامية ليهدي الى مظهر
دلالي آخر ينتزع المفردة من
مدلولها ودلالاتها ووظيفتها
المرجعية لتشتغل في التعبير عن
واقع نفسي ذاتي صرف ينعزل عن
الموقف العام والواقع النفسي
العام (( عمري الآن مائة وخمسون
شلالاعند الغروب / عمري 900 قصيدة
ومساءات حبلى بالبارود / عمري
اقلام لاتحصى أنفقت حبرها على
الوطن / ... / ... / ... / عمري
صفحات أنفقت بياضها على خطابات لم
أعد أؤمن بها ))*, 350 شلال , 900
قصيدة , أقلام , صفحات , مفردات
انتزعت من مرجعياتها الوظيفية
واسقطت دلالاتها الايقونية , فهي
لايمكن ان تدل على العمر كسقف
زمني قدر التدليل الصوري على
طبيعة ذلك العمر المختزل في تلك
الممارسات , أستنتاجنا هذا تأسيسا
على أن دال المفردة الصوري مجموع
علاقاته الممكنة مع الدال الصوري
للمفردات الأخرى , بمعنى آخر : أن
فينوس فائق تتوفر على قدرة فائقة
في ألأشتغال على مرجعيات مصوراتها
من خلال توفرها على نهج تصوري
متحكم في ماهية العلامات المبثوثة
داخل أنشاءها الصوري , ذلك النهج
يفرض تعددية معنوية تعرض معنى
وتشير الى آخر من باب الرديف
والقرين والموازي , نعم قد يبدو
الاثر المعنياتي لديها شفافا
ظاهراتيا , سهل الاختراق الا ان
ثمة أثر مجاور ينتجه التراكم
الصوري قد يوازي كل ذلك قيمة
ويتجاوزه ونزعم ان ذلك ما ينتجه
الوعي القرائي : لماذا يجب ان
يكون العمر نزيف من الدمع كل مساء
؟ بدلالة الشلال , لماذا يجب ان
يكون العمر , قحط , جدب , قفر ,
شبح حياة ؟ بدلالة ظلال
الاشجارالعانسة , لماذا يجب ان
يكون العمر هذايانات حالمة ألا
أنها مثقلة بالخوف والموت ؟
بدلالة الحبل بالبارود , لماذا
يجب ان يكون العمر وعودا وشعارات
مزيفة ؟ بدلالة الاقلام االمنتحرة
على بياض صفحات غادرت عفتها
وعذريتها وووو. وتاسيسا على ما
تقدم أن خطاب فينوس فائق الشعري
عوالم متعددة الانتماءات لمستويات
عديدة , ثقافية واجتماعية وربما
سياسية وهي في حوار دائم يعيش
التناقض أوالانسجام ألا أنه يلتقي
في بؤرة واحدة هي بؤرة اعادة
الانتاج او ألأستهلاك - اي منطقة
التلقي - وهو يشير الى أنتاج
معناه عبر شكله . أن قراءة خطاب
فينوس فائق ومحاولة أحتوائه وفهمه
واستيعابه يدفعنا الى الاشتغال
على الدالات حيث تقود مثل تلك
القراءة الى تجديد الانتاج
الابتكاري وهو بدوره سيكتشف
المزيد من الدوال التي تبقي على
اصالة الرمز داخل الانشاء الصوري
لخطابها وسيكون بمثابة المحفز
لقدرات الدوال في مجال انفتاحها
على مدلولات عديدة ترتقي برمزية
الخطاب كصورة احادية الى تعددية
صورية معنياتية , نعم ان خطابها
الشعري - فينوس فائق - لايعترض
على المعنى الذي ننتجه في أطار
حرية الانتقاء وأسقاطات الذاكرة
الا ان الشيفرات والرموز التي
تودعها أنشاءها الصوري لايمكننا
التعامل معها على انها قيمة
تجريدية يمكن مسخها بآلية
التعادلية فنسقط قيمة الترميز
والتشفير (( أمسك يد الصخر / ...
/ ... / أمسك يد الليل / .../
اتخيل نبض قلبك / أحاول ان ألمسه
)) يد الصخر , يد الليل , نبض
القلب, صور شعرية مفعمة بالرمزية
وتفكيكها معنياتيا على اساس
المعادل المعنياتي في التجربة
المجتمعية يوقف الانتاج الابتكاري
للدالات ويصادر قدرة الترميز على
الانتاج المعنياتي .أن فينوس فائق
تنتج أثرها المعنياتي على وفق
بنية عمودية ولكن هل نستطيع تفكيك
خطابها الشعري الى وحدات معنى
مدعومة بشفرات مختلفة تتصرف
بصفتها وسائط تكليف المعنى , ذلك
ما تحاول الدراسة الاجابة عليه في
قراءاتها القابلة .
الدكتور سلام الاعرجي
استاذ مادة الفلسفة / جامعة
الكوفة
استاذ الاخراج المسرحي / جامعة
بابل