تخضع خطابها الشعري الى تبادلية
علائقية بين مستوى الخطاب
الاسلوبي وأثره المعنياتي الغائي
- القصدي - تلك التبادلية لم تكن
نتاج بحثها المكثف في المنطوق
اللغوي وادلته المنتجة لمصوراتها
المتحركة من الذهنية الماقبلية
الى المادية الحسية حسب بل ثمة
تراكمية تراتبية صورية معنياتية
معززة بالمزيد من الشفرات , تلك
الشفرات التي تتصرف بصفتها وسائط
تكليف المعنى ,ذلك ما يجعلها
اسلوبيا تدفع باتجاه تفعيل
القراءة التاويلية عبر انتاج
تراكم أزماتي متقن ومقيس بدقة
داخل وحداتها البنائية الحدثية
توقع التلقي في فخ التشويق الممتع
ولذة الاكتشاف الا انها سرعان ما
تصادر المتعة الاستفهامية
المسترسلة لدى التلقي جراء
ايداعها للمزيد من الشفرات الدالة
داخل وحدات الحدث البنائيةالمعنية
بمعالجة الثيمات او الموضوعات او
البنى الثيمية ذاتها , تلك
الشفرات هي الاكثر امساكا بالمعنى
من الصورة ذاتها لأنها - فينوس -
لاتجعلها معنية بالدال الظاهري
قدر تكليفها فعل الايحاء الموجه
الذي يحيل الى الكثير من المضامين
الجانبية الملازمة للحدث الذي
تحاكيه . ففي هذيانات عاشقة يكشف
سردها الصوري عن تراكمية بنائية
لوحدات الحدث التي قد يبدو فيه
سردها الصوري للوهلة الاولى
أستنساخا واقعيا لعذابات الشاعرة
الذاتية :
يؤزمني المساء بين جناحيه .
ساعة يموت القمر وحيدا .
من صحوة شمس ذهبية .
يؤرقني صوت الفجر .
حين يتناغم على أوتار المطر .
المعنى المنتج هنا , الدوال
الظاهرية وبتدليلها الايقوني ,
الانتظار , الحاجة الى الشريك ,
الفجر وحركة الاشياء بأتجاه أعادة
انتاج الحياة اليومية , اشارة الى
موت حلم هذه الليلة في اللقاء كما
هو في السابقات من الليالي التي
خلت , باردة خاوية , خالية من
الدفء والعناق والحب
مرآة غرفة النوم .
تكسر الصمت
وترسم شهادتها
على أنكساراتي
على تمرغي بين اجنحة الليل
البرتقالية
مرآة غرفتي
تحفظ عن ظهر قلب تأوهاتي
وكل جنوني
وتردد وهي نائمة تراتيل العشق
موت القمر , صحوة الشمس , صوت
الفجر , رفقة المرآة , علامات دلت
على الانتظار كما دللت على موته
كفعل في آن واحد , أنها توقع
التلقي في فخ التواصل المشوق
المشفوع بضروب المتعة , وعيش لذة
أكتشاف عوالمها الذاتية , ألا
أنها سرعان ما تصادر تلك المتعة -
ألأيحاء الموجه - باتجاه دفع
التلقي نحو عوالم أخرى عبر شفرات
جديدة هي الاكثر امساكا بالمعنى :
أنثر نجوم الرخاء على طرقات
الاجدوى
ويغدو الناس قطيعا يمشي
الى مدن مرسومة على خطوط يد الله
طريق اللاجدوى , الناس القطيع ,
مدن المجهول , أحالات جديدة تدفع
باتجاه المزيد من المضامين
الجانبية الملازمة للحدث المحاكى
, في التيه الرابع او المليون
لمواطنيها كانت الطرقات تسافر الى
المجهول وألأجساد تحشر مفرغة من
كل امانيها في عربات مصفحة توجهها
يد الفاتك بسم الله - بدلالة يد
الله - يد الطاغية المقابلة ليد
القدر كدال استعاري , الا ان تلك
المضامين قد تتحول الى الحدث ذاته
عبر او جراء الترميز المكثف داخل
الوحدة البنائية ألأساس او ما
يمكن ان نصطلح عليه الفكرة ألأساس
:
أعلن موت الشوارع .
أنطفاء عيون البيوت .
أعلن الحداد على أرواح ألأرصفة .
واسدل الستارة , على آخر فصل من
فصول
هذيان عاشقة حبلى بالطرق
ملأى بالهرب , ثملة بالدم .
الشوارع التي تفقد ضجيجها ميتة ,
البيوت التي لاتشهد نشاط ذويها
ميتة , الارصفة التي لاتلونها
بضائع الكسبة , ومجاميع الشبيبة
يرشقون المراهقات بالكلمات
الملونة ميتة , وينشط الرمز كاشفا
عن ثيمة أخرى تباعد ما بين
الثيمات المتراكمة والمنتجة
لمعناها اللصيق بسلوك ذاتي ,
عاشقة حبلى بالطريق , الحبل فعل
منتج , يتلوه الانجاب , الا ان
الانجاب هزيمة والهزيمة هروب مثقل
بالثمالة والثمالة ليست بالخمرة
بل بالدم , الصورة من الزاوية
الاخرى , من نتاج الترميز او
الشفرة الرمزية .
كما انها تتوفر على امكانية أطلاق
الرمز داخل الوحدة البنائية
الواحدة ثم تجعله دالا مهيمنا
وبصيغ عديدة , في قصيدتها (
لاتناديني ) الدال المهيمن هو
الاضطهاد والقهر
لاتناديني كي لاينتكس صمتي /.../
... / ... /
درستنا المعلمة
الوطن كتاب
نقرأ فيه تاريخا أحمق
ونطالع فيه جغرافيا مفقودة ... /
... /
لاتناديني , سمائي قصيدة جبانة من
المطر
الاضطاد والقهر هوالدال المهيمن
الا انه عبر عن نفسه بصيغ اخرى :الصمت
, التاريخ الاحمق , الجغرافية
المفقودة , السماء التي لاتجود
بالعطاء , الغد الكذبة , الارض
التي تعشق الدنس ولاتتبتل بماء
السماء , انها تقارب شكسبير في
هاملت , ان مفهوم الخيانة في هملت
الشكسبيري دال مهيمن , يكشف عنه
في التجميعات والاشكال المتكررة
بانتظام وبصيغ نصية , أدعاء هملت
الجنون بدوافع الحماية الذاتية من
فعل الخيانة / ظهور الشبح / خبز
الجنازة المقدم على موائد العرس /
العباءة السوداء / الستارة التي
تخفي بولونيوس / رد هدايا أوفيليا
/ القدح المسموم / السيف المسموم
دالات تعددية تشتغل داخل النص
لأنتاج الدال المهيمن .
ولم تكن الاستفهامية والايحاء
الموجه والترميز داخل الوحدات
البنائية الحدثية وحدها من سمات
المستوى الاسلوبي في خطاب ( فينوس
فائق ) الشعري , انها توفر للخطاب
قدرة المقاومة المنهجية التي
يمكنها ان تحقق انفلاته من
الاعراف والسياقات التراتبية
التقنية منها والقواعدية , ويتسنى
لها ذلك من خلال تجريد الشفرات
آنفة الذكر من ارتباطها الوثيق
بالفكرة او الشكل التجميعي لقصدية
الشفرة . بمفهوم آخر ان اشتغالها
اسلوبيا على الادلة النصية
اللغوية جعل بنية اللغة تكشف عن
كيفية خاصة في احتواء الواقع
وتقديمه الى المتلقي وان كان قد
صدر عن تجربة نفسية ذاتية صرفة .فينوس
فائق تخترق واقعية الحياة
بغرائبية صورية حلمية
وبين أناملي الصغيرة تنساب البحار
وعلى ظهري يمر قطار الوجع
أتلحف برائحة الكلمات
وأغرق في قعر قصيدة
اوجشتالتية - اي الصور الخارجية
من جهة والبنية الباطنية والتنظيم
الداخلي من جهة اخرى - منفقة بذلك
كل حيازاتها لمنهجيات اللغة
وبناها كافة , المحلية والشعبية
والمكتسبة , فهي تستمد من اللغة
الام قدرتها على التكثيف الدلالي
وأحالات الرمز داخل نظامه اللغوي
الذي ينتمي اليه , وتستمد من
اللغة المكتسبة فضاءها الارحب
وقدراتها التصويرية المختلفة ,
وتستثمر امكانات اللهجة الشعبية -
لغة الأنتاج الحياتية اليومية -
في منح المفردة مفهومها الذهني
الكفيل بتطويرها , كما أن لغتها
مفرغة من الشحنات العاطفية
والخطابية
سأعود اليك , من باب الطفولة أعود
سأذهب الى مدرستك الابتدائية
سأقلب صفحات أضبارتك من الطفولة
ساطرق أبواب جيرانك وأسألهم عنك
ساسالهم عن حبيباتك
هل كن جميلات
أكن مخلصات ؟
أأحببنك مثلي بجنون ؟
أأحببتهن بتطرف كما أحببتني ؟
انها تبحث في السمات النوعية
للعمليات والعلائق الاجتماعية
تبحث في الدقائق الصغيرة التي
تنتج الحياة , تبحث في الطفولة
التي تنمو بصعوبة قاسية وتصادر
ببساطة سريالية مذهلة , فينوس
فائق هنا تقارب برتولد برشت في
مسرحيته الشعرية , الموافق
والمعارض , حيث لم تحاول الام منع
وليدها الصغير من الذهاب الى الحج
بلغة مفعمة بالمشاعر والاحاسيس
المغيبة للوعي , بل كانت تاكد له
انها هي من ستكون امام تجربة
قاسية , كيف لها ان تفارقه وهو
الذي لم يغب عن ناظريها قدر
انشغالها بترتيق ثيابه او اعداد
الطعام له كاشفة من خلال حوار
مطول عن المزيد من اللحظات
الحياتية المشتركة والمؤسسة لفضاء
الحياة على صعيد المكون الاجتماعي
والاقتصادي كمكونات اساس لأنتاج
سمات الشخصية .
ولعل من ابرز ما يميز المستوى
الاسلوبي في خطاب فينوس فائق
الشعري قدرتها على خلق تناقضية في
المدلول الواحد في الموضوع الواحد
معنياتيا وعامل الانسجام في تلك
التناقضية وعامل توحيدها يكمن في
تكاملية البناء الصوري المنتج عن
الفكرة :
ذات صباح زرعت وطنا / طرح جرح ...
زرعت مدينة / طرحت ألما / زرعت
زقاقا / طرح نحيبا / زرعت بيتا /
طرح نعشا / زرعت وردة / طرحت وطنا
جريحا . التناقضية تكمن داخل فعل
الزرع تزرع وطنا , مدينة , زقاق ,
بيت , زهرة , تستحيل كل تلك
الاشياء الى نقيضها الدلالي , جرح
, الم , نحيب , نعش , الا ان كل
تلك التناقضات تتوحد في اطار
الفكرة العام :
وطن الاكفان الملفوفة حول جسد
الصوت
هذا وطن على محيا خارطة
هذا وطن بلا وطن .
ألا أن الفكرة في خطاب فينوس كما
اسلفنا صورة قبلية ذهنية تنعكس عن
الاشياء والظواهر ولكن ليس كما هي
بل كما تتشكل في مخيلتها حتى أنها
تفقد ترابطها الفيزيقي - المادي -
بين الدال والمدلول لتستنزف بذلك
المزيد من الدلالات ومرجعياتها
وقدرات الترميز على التعاطي مع
وعي التلقي في انتاج ثابت الاثر
المعنياتي لدالاتها الا ان ذلك
لايعني ان صورتها الذهنية أنعكاسا
أعتباطيا يصدر عن فكرة طارئة , بل
هي أنعكاس عن واقع الفكرة المباشر
والمرتبط بها عن طريق التفكير
المقاوم في مصوراته لحتمية الدمج
بين العلامة ومرجعها فهي لاتقرأ
الحرب على أساس نتائجها المادية ,
هي غير معنية بذالك قدر عنايتها
بالجوانب الاخرى المؤسسة لتفاصيل
الحياة ذاتها :
قلادة رقبتي أغتالتها أصوات
المدافع
قارورة عطري قتلتها رائحة البارود
ومشط شعري سرقته بندقية ؟
أرم بتلك الحجارة من يديك
لئلا تكسر زجاجة روحي
فأنت لاتصادق لون الدماء لاتصادق
البندقية والبارود
ناديني بأسمي ....بدأت أنسى أني
أمرأة
. بمفهوم آخر انها تحيل الوحدات
الحدثية البنائية الى وسائل
تعبيرية تنزع الى انتاج معنى كلي
في اطار سردية صورية تجريدية الا
ان ذلك التجريد السردي الصوري هو
الاخر لم يكن اعتباطيا بل هو
مقابل خطابي حسي يجسده الحقل
الدلالي اللفظي الذي يدفع باتجاه
انتاج الصورة التمثيلية , وهي
الصورة التي ينتجها وعي التلقي
الا انها تغادر تجريديتها
بمقابلات مرجعية دالية واقعية ومن
وحي التلقي . أن فينوس فائق تجربة
شعرية مبدعة قد تكتشف القراءة
النقدية لمنجزها الشعري المزيد من
المناطق التي لم يدشنها النقد بعد
ومن بين تلك المناطق انتاجها
للصورتين النواتية والتمثيلية في
الوحدة البنائية الواحدة .
الدكتور سلام الاعرجي
استاذ الفلسفة في جامعة الكوفة .
استاذ الاخراج المسرحي في جامعة
بابل .