|
قراءة في نصوص علي العبودي القصصية
|
الهدف
الثقافي : عبد الحميد الغرباوي |
الأربعاء 12 مارس 2008 12:23 GMT |

القلم
على حافة تأمله ... يتوسل أن يجد القلم الذي يخط حروفه أناقة ورشاقة ,
اخذ يكتب , لم يستجب إحساسه ,
كسر القلم ,أخذ الآخر كسره كالأول اخذ الثاني والثالث والعاشر ....كسرها
كلها إلا الأخير بكى بحبر مكروه.
افق
يتأمل الأفق .. يتمنى ... الغفلة جسدت اختفائه ليتلألأ نجمة في السماء..
طفل
صرخات طفل جسدها ألوانا على لوحته و طفل يريد النوم ... وفي أول الليل
.. احتضن مهده وناما ...
توسل
- إن تركتنا من يحمينا من ..................
صم أذنيه وحزم حقائبه ورحل وعند أول خطوة على الحدود جاءه الصوت
- إن تركتنا من يحمينا من الإرهاب..
لم يسد أذنيه هذه المرة لأنه استثنى السفر ورجع..
ما بين "القلم" و "التوسل"، تتعدد المحطات و تتقاطع الخطوط...
القلم:
إذا كان القلم يرمز إلى الكتابة و الرسم، كما يرمز إلى البوح بما هو
كامن و دفين في قرارة النفس، فهو أيضا، يرمز إلى سلاح المقاوم، المحارب
بالكلمة الصادقة النابعة من إحساس ، بل من قناعة أن للكلمة دور في فضح
و شجب و تعرية كل ما من شأنه أن يحيل حياة المواطن إلى شقاء و عذاب...
و ذلك هو ديدن الكلمة الملتزمة بقضايا الأمة و المجتمع..
و الكلمة الصادقة في النهاية هي معاناة...
في هذا النص، لا نعثر على ما يعكس ما جاء في مستهل هذه الكلمة ، لكن
وجه المعاناة باد ، و ما تكسير الأقلام، الواحد تلو الآخر، إلا دليل
توتر و ضيق، و حزن. و كلها صفات لحالات نفسية جد مضطربة تعكس مدى
معاناة الكاتب في الإفصاح عما يختلج في الصدر...و هذه هي طبيعة الكتابة
الصادقة...
في النص الثاني "أفق"، جمع الكاتب بين لفظين متنافرين لا تآلف ـ بينهما
ـ حسب تقديري ـ و هذا الجمع أو محاولة الجمع، خلق عندي نوعا من
الإرتباك. ذلك أن " التأمل" هو لحظة و فعل: لحظة مقصودة، مقررة و مخطط
لها سلفا... كما هي فعل يدل على اهتمام و حضور بصري و وجداني، عكس "الغفلة"
التي من معانيها الشرود و الغياب الذهني و البصري.
صعوبة قراءة الكلمة، و التي بدت مشوهة بفعل خطإ في الرقن، و أعني بها
تلك التي أتت مباشرة بعد فعل (جسدت) دفعني إلى الاجتهاد في معالجتها و
من ثم قراءتها ليتواصل عندي تسلسل المعنى..
فإذا كانت الكلمة المعالجة (بعد الاجتهاد) هي (اختناقه)، فإن السؤال
الذي يطرح نفسه: إلى أي حد يمكن للاختناق أن يجسد أو يكون رديفا
للتلألؤ و الضياء؟..فالاختناق ماهو إلا هوة عميقة الغور، شديدة القتامة..
و يبدو أن الكاتب علي العبودي أراد بذلك، عن قصد أو دون قصد، أن يركب
الصعب محاولة منه لخوض مغامرة الجمع بين ما لا يجمع و لا يربط. أعرف أن
في الفن التشكيلي هناك فنانون برعوا في المزج بين ألوان متنافرة، و
قدموا من خلال أعمال روائع، لكن، هل الأمر متاح لكل فنان تشكيلي؟..نفس
الأمر و نفس التساؤل ينطبقان على الكاتب القصصي. و الأمر، حتما، يتطلب
دراية و تجربة كبيرين.
في النص الثالث:" طفل"، و الذي أعتبره من أنجح نصوص هذه المجموعة
القصصية الصغيرة، توفق الكاتب في تجسيد حالة نفسية ، وجدانية و إنسانية
بشكل مميز. و مرة أخرى يحضر القلم ممثلا في الفرشاة، فرشاة الرسام الذي
أراد من خلال الرسم نلء فراغ وجداني ، عاطفي، أبوي يعاني منه.
و مرة أخرى يفشل في تجسيد ذلك، كما فشل الكاتب في النص الأول، و يكتفي
باحتضان المهد الفارغ الذي هيئ لاستقبال الرضيع الذي يأتي و لا يأتي...
و في النص الأخير:" توسل"، ينحرف بنا الكاتب 180 درجة ليحط بنا في
أجواء أخرى، أجواء الخوف و الرعب و الاضطهاد، و القتل مع سبق
الإصرار..و يرصد لنا الحالة أو اللحظة التي يستيقظ فيها الضمير و
يستجيب لنداء العقل، بل لنداء الواجب. " توسل" هو الآخر نص تفوق فيه
الكاتب، و بشكل كبير.
قاص
وناقد|عضو المجلس الاستشاري
نائب الرئيس لشؤون المغرب العربي الكبير
التعليقات
|