|
|
|
|
|
| |
|
|
|
الشركسية
|
الهدف
الثقافي : د . عدنان الظاهر |
الأحد 30 مارس 2008 00:20 GMT |

الشركسية أم الشركسيات ؟ كانت في أواسط سبعينيات القرن الماضي شركسية
واحدة ولكن ، الزمن يمشي في إتجاهين والعمر يمشي وكل شئ في الكون يمشي
. فالشركسية غدت شركسيات ، وإعجابي بالأولى قد إنتقل مع حركة الزمن
المزدوجة الإتجاه إلى أكثر من شركسية . الإسم بحد ذاته يعجبني ويثير فيَّ
أخيلة شتى متباينة يغلب عليها في معظم الأحيان طابع وطبع السحر والتألق
الصوفي الروحاني . ذكرَهن َّ التأريخ الإسلامي وربطهن َّ بقصور ونزوات
السلاطين والملوك والأمراء ومن هم على شاكلتهم [[ شركسيات سبابا ]] .
أكره هذا التأريخ لكني أعشق جبال القوقاز المشرفة على مياه البحر
الأسود بشموخ وإباء وكبرياء حيث مواطن الشركس والشيشان والأبخاز وسواهم
من شعوب بقية الأقليات النادرة كالجواهر . كان الطالب الشركسي الشاب [
بوبا ] جاري في القسم الداخلي الذي كان ينام طوال ليله وسواد نهاره إذا
لم يوقظه أحد ٌ ... وكنت أنا المكلف بأداء هذه المهمة المضجرة التي
كانت تتكرر صباح كل يوم . أما [ مليكة ] الشركسية الجميلة فما كان
أحلاها من فتاة جامعية جميلة الوجه والروح والقوام . تزورني وأزورها
فأرى فيها ذكاء وسحر شهرزاد . كنت أقول لها ذلك لكنها كانت ترد بكل أدب
وجدية : لكني لا أرى فيك شيئاً من شهريار !! كنت أقول في سرّي (( إنك
مخطئة يا مليكة ، فيَّ الكثير من سجايا وأخلاق وطبع شهريار ! )).
ولأنها مسلمة متعلقة بالقرآن والإسلام فلم أراودها عن نفسها ولم أسمح
لشيطان الغواية أن يتحكم فيَّ أو أن يسوقني في دروبه الملتوية . بقيت
علاقتي بها نزيهة صافية مثالية وكانت تعززها بما تقدم لي من مأكولات
تأتيها من أهلها في القوقاز وخاصة فاكهة الخريف والصيف . ما كانت تقرب
الخمور فإرتفعت مكانتها في نفسي . كنت بحاجة ماسة لمثل هذه العلاقة
البريئة التي تشبه علاقة الأخت بأخيها ولا من غرابة ، كنت بعيداً جداً
عن أهلي وشديد الشوق لهم . ثم َّ ، لم أكن محروماً من العلاقات
المفتوحة على الآخر مع سواها من بنات حواء من غير المسلمات . مر َّ
الزمن سريعاً ... مرَّ في إتجاه واحد ... أكملت أبحاثي ودراساتي وقفلت
راجعاً للوطن لآمارس التدريس في الجامعة .
" الشركسية " ... كانت واحدة من طالباتي بعثتها حكومة الأردن للدراسة
في جامعة بغداد . شارفت السنة الدراسية على نهايتها فحان موعد تقديم
ومناقشة مشاريع طلبة السنة الرابعة في حقل الكيمياء والصناعات
الكيميائية . حددت لها موعداً دقيقاً لمناقشة مشروعها وتقويمه وإعطائه
ما يستحق من درجات . جاءت الطالبة الأردنية الشركسية حسب الموعد ولكن
... جاء معها شاب لم أره قبلاً . قالت إنه خطيبها . شعرتُ بشئ من الحرج
!! أدخلتهما مكتبي وطلبت منهما الجلوس . إنه خطيبها ... فلربما يغار
خطيبها عليها أو يخاف عليها من أمر مفاجئ أو غير محسوب . أردت إحراجه
قليلاً لعله يدرك أن َّ وجوده معنا لا معنى له بل وثقيل وغير مرغوب فيه
أصلاً . سألته هل هو طالب في كليتنا ؟ قال كلا ، إنه طالب في كلية
الإقتصاد . هل بلغته رسالتي اللاذعة أم لا ؟ الجواب كلا ، إبتلعها
وكأني لم أسال وواصل بقاءه معنا!! ناقشت طالبتي وإنتهى النقاش فغادرا
بعد أن تركت معي مشروعها حسب الأصول . كنت أسعد بوجودها في مكتبي
وأحيطها بالكثير من الرعاية لأنها واحدة من ضيوف العراق ، ولأنها كانت
كثيرة الأدب جميلة الوجه نحيلة الجسد لكأنَّ سحر أجدادها الشركس
والشيشان قد تركز فيها . قالت لي مرة ً : تفضلْ وزرنا في نادي الطلبة
الأردنيين وإشرب معنا فنجان قهوة . شكرتها وقلتُ لها إنَّ ذلك ربما
يجلب لي متاعب أنا عنها في غنى . ثم ذكرتها بتدهور العلاقات بين الأردن
والعراق إثر إقدام سلطات البعث على إعدام طالب أردني بتهمة التجسس
لصالح بلده الأردن . أكملت البنت الشركسية دراستها في كلية العلوم /
جامعة بغداد وغادرت بغداد إلى بلدها وإنقطعت أخبارها عني .
هل أسمح للزمن أن يظل َّ يتلاعب بي جيئة ً وذهابا ً وبمصيري إلى أبد
الآبدين ؟ يمشي فأمشي معه ولا يتوقف كي أتوقف للراحة معه فأي جبار هذا
وأي عنيد ! سأتخلى عنه وأمضي أو أمشي حسب رغبتي ومشيئتي فأجنح لعالم
الخيال وما يشبه أحلام اليقظة . سأدعه يمشي وسأمشي حالما ً مخادعاً
الزمن أني أمشي معه وأقطع المسافات حيث مشى . مشيت مشيتُ حتى بلغت
الإمارات العربية المتحدة . لم أمش ِ تلقاء نفسي في الواقع ، لكنْ قدمي
قادتني . قدمي قادتني أم نجم شركسي ٌّ قوقازي ٌّ قادني كذاك النجم الذي
قاد مجوسَ الشرق ودلهم على مكان ولادة عيسى المسيح في بيت لحم من
فلسطين ؟ لا فرق ، النجم هو النجم ، ليس الدال هو المهم إنما المدلول .
النجمة الشركسية هناك تعمل وهناك تعرفت عليها شاعرة ً وإعلامية مرموقة
. لم أرها إلا في الصور . لكن َّ ما أرى في الصور يكفي لتذكيري بشركسية
جامعة موسكو في ستينيات القرن الماضي وشركسية جامعة بغداد في سبعينياته
. أرى في هذه الوجوه عظمة سلاسل جبال القوقاز وجمال الطبيعة فيها وفيما
حولها وتحتها وما فوقها . الجمال والأبهة والشموخ . يا شركسيات : إني
بكن َّ مولّه ولكنَّ عاشق ومتيم . أحب القوقاز والسباحة في البحر
الأسود مقابل هذه الجبال . أحب ثمار القوقاز وما يهبُ الناسَ صيفاً .
أجد فيكن َّ كل جمال وبهجة القوقاز وروعة مذاق ثماره وطيب هوائه ودفء
مياه البحر المحاذي له . هل حقاً من هناك أتيتنَّ وفارقتن َّ الجدّات
والأجداد والجذور وكل التأريخ ؟ لا ، أنتنَّ هناك رغم الفرقة ، إنها
فراق الأجساد لا فرقة الأرواح . سألحق بكن َّ إلى هناك حيث المواطن
الأصلية . إلى هناك ... سأمشي على عجل لألتقي بحلم جديد راودني ليلة
أمس . جمعني بشركسية أخرى فأكملت مسلسل أحلامي الشركسية . صرت فجأة
أؤمن بعقيدة تناسخ الأرواح . فهذه
( مليكة ُ ) جامعة ِ موسكو جالسة أمامي ، في غرفتي رقم 833 في القسم
الداخلي . جاءت تحمل لي صندوق خوخ وكمثرى مع صورة ملونة لها بالزي
الشركسي الوطني . وهذه طالبتي في قسم الكيمياء في كلية العلوم تقف
قبالتي باسمة ً وفي خصلات شعرها الأسود الفاحم وردة جوري حمراء يفوح
منها عطر الربيع . جاءت هذه المرة وحدها وليس برفقة خطيبها الذي غدا
زوجها بعد التخرج مباشرة ً . شعرتْ أخيراُ بثقل وطأته عليَّ فزارتني
بدونه . حملت لي شيئاً من حلويات عمان . قالت متى تزورعاصمتنا لنردَّ
لك بعض جميلك ونقوم بواجب الضيافة ؟ ليس لي عليك جميل يا حلوة . كنا
نقوم بواجباتنا تجاه طلبتنا لا أكثر . غادرت مكتبي ولكنْ ... بقيَ منها
طيف ٌ رقيق غير واضح تماماً . لا زمني طوال عمري الذي بقي واقفاً فتخلف
عن مسيرة الزمن . لا أصدق ما أرى وما أقرأ !! هل أنا حقاً في عمّان وفي
أعلى قمة جبل الحسين ؟ مَن هذه الحورية التي فارقت الجنان للتو ؟ ما
هذا الجمال الخارق وأي رب جبله وسواه ؟ سحرها يصعق البشر كما صعق كلام
ُ الرب عبده موسى فوق جبل حوريب في سيناء . هل تعرفينني يا ملاك ويا
عينة ما في الجنة من حور العين ؟ هل سبق وأن إلتقينا في هذا العالم ؟
قالت نعم ، إلتقينا وتقابلنا مراراً وفي مناسبات وأماكن شتى . كنتُ معك
( مليكة ) في جامعة موسكو وكنا نأكل الكمثرى معاً. وكنت معك في جامعة
بغداد ، تناقشني فيما كتبتُ من تقارير ومشاريع للبحث . ورافقتك إذ زرتَ
قبل عامين الشاعرة الشركسية في الإمارات العربية المتحدة . ذهبت معكما
في سفرة بحرية بهيجة لصيد السمك والسباحة متحدين خطر أسماك القرش
الخليجية. ذهلتُ . تلعثم في حلقي لساني ثم جف َّ . غشاوة على عيني .
شحوب في وجهي . أكاد أتهاوى فأسقط على الأرض . قالت تماسكْ . سأقص عليك
حكايتي معك. أنا الشركسية الأخيرة التي كنتَ تحلم بها فلم تجدها . [[
أردتُ أن أسالها وهل وجدتها أخيراً ؟ لكنَّ لساني لم يخدمني ، خذلني في
الوقت الحرج ]]. قالت أُعجبتُ بك منذ لقائنا الأول شهر أيلول من عام
1965 وكنتُ في ضيافتك في القسم الداخلي . كتبت لك في اليوم الثاني
رسالة رمزية قصيرة لعلك تفهم مغزاها وبغيتي فيك لكني ترددتُ ولم أرسلها
بالبريد لك . مزقتها فندمتُ . سألتها وقد أفقتُ من حلمي : وهل تتذكرين
محتوياتها ؟ قالت أجلْ ، أتذكرها حرفاً حرفاً لكأنها لم تزل في ورقتها
وبحبرها كما كتبتها على حالها. هلا قرأتيها لي ؟ شرعت تقرأ وأنا مسحور
مأخوذ غير مصدق ما ترى عيني وما تسمع أُذني :
[[ أنا مخلوقة من الحب وهو حلمي الملّح . لا أستطيع أن أتعامل مع
< شئ > إنْ لم أحبه . ولا أستطيع أن أتخلى عن < شئ > أحبه . < قلبي
ضعيف > للغاية ... مشاعري جياشة ومتأججة بشكل < دائم > وذلك أمر متعب
ومرهق خاصة ً عندما يُصبح من الواجب < ضبط تلك المشاعر >. فكرت في <
العشق > ألف مرة ، وحضرت له الكؤوس والهدايا وأطواق الياسمين وبحثتُ
عنه طويلاً وصرحّت ُ دائما ً للأهل والأصدقاء بأنني أبحث عنه ...
وإنتظرته وتخيلته < يأتي > من كل الجهات . وتساءلتُ طويلاً كيف سيكون <
مَن > سأحب ؟؟؟ لكنه ما جاء
[[ ولربما يأتي يوماً ]] على الرغم من أنني إدخرت < < له >> أشواق
العمر وحكايا العشق الشركسي الأصيل النادر المثال ولحظات التمني ...
وسأظل أنتظره . آه ٍ كم عناني وأعنتني ذلك السلطان السحري الذي إسمه
الحب . فهو كلمة البداية وهو كلمة النهاية وما كنتُ سأكونُ لولا الحب
]] . لم أفقْ من ساعة إسرائي ومعراجي مع الصوت الشركسي إلا بعد أن
فارقتني الشركسية تاركة ً على المنضدة ورقة زرقاء بلون السماء العاشرة
فيها كتابة غريبة عليَّ وفي نهايتها توقيع أكثر غرابة ً : شعلة السناء
!! أهذا هو إسم زائرتي الأخيرة ؟
aldhahir35@yahoo.de
التعليقات
|
|
|
|
|