|
مهيمنة الخسران في
( السعادة لا أحد )
|
الهدف
الثقافي : علي الامارة |
الخميس 10 أبريل 2008 01:28 GMT |

يفتتح الشاعر موفق صبحي كتابه الشعري الموسوم – السعادة لا احد –
بقصيدة يجعل منها جسرا لقارئه او متلقيه وان خاطب هذا القارئ بالمرائي
ولكنها مراءاة نصية متبادلة بين الكاتب والقارئ تتجسد بالمقطع :
ايها القارئ المرائي
يا شبيهي
افرد غلافي ، جلدي
ودعني اتصفح
وبهذا التصريح يصبح المؤلف هو القارئ و القارئ مؤلفا وهي علاقة جدلية
في تاويل التلقي وفضائه النصي فمن يقرا من يا ترى ؟ ومن يكتب من ايضا ؟
هذا هو سر ابتكار القارئ المرائي وان كانت عبارة القارئ المرائي مقتبسة
من بودلير الا ان الشاعر هنا يضفي عليها علاقة الجدل والتبادل النصي
بينه وبين قارئه ..
اما المقطع الثاني من هذه القصيدة فيستدعي فيه الشاعر المؤلف عبارة
النفري ( فقف لي فانت جسري وانت مدرجة ذكرى عليك اعبر الى اصحابي )
ليصبح هذا القارئ المرائي جسرا الى الاخر والى العالم .
اما الجزء الثالث من القصيدة فان الشاعر يصرح فيه بان اشياء كثيرة
تبتكر اشياء كثيرة لها حسب ايحاءاتها وايماءاتها القريبة لها من
مضامينها فـ :
( الاشجار تبنكر الغابات
السماء تبتكر الازرق العميق
الصحراء تبتكر المتاهة .. )
وهكذا كل شيء يبتكر المعنى القريب اليه او الذي يصدر منه ويؤول اليه ف_
( المسدس يبتكر الضحية ،
والاصابع تبتكر الحرف ، العاشق يبتكر القمر .. )
الا الشاعر .. فهنا يقف الشاعر المؤلفامام من يبتكره حيث يعود الى
فكرته من التلقي المتبادل والقراءة المرائية المعكوسة في مرآة النص
فيصرح :
( فماذا تبتكر ايها الشاعر
غير الشاعر الذي متخفيا عني
يبتكر قارئا مرائيا
يشبهه ويمضي .. )
لتكتمل فكرته عن المتلقي الذي يطمح اليه الشاعر المؤلف فيصل الى فكرة
ابتكار القارى واصلا اليها من خلال مجموعة الابتكارات التي يتسلسل بها
ويمهد بها للوصول الى قارئه المبتكر .. وهو هنا يذكرنا بالشاعر محمود
البريكان الذي كان يقول ( اتصور لي قارئا على مقاسي..)
وفي قصيدة – من قاد يدي وامسك النزهة – التي لم يضع لها علامة استفهام
ففقد العنوان استفهامه وصارت – من – اسم موصول وليس استفهامية كما يبدو
من سياق الجملة او النص .. هذه القصيد ايضا تجوس في فضاء تجربة الشاعر
واللاجدوى التي يحصدها في حياة مليئة بالمصالح واستغلال الوقت الا ان
الشاعر سادر في اللامبالاة والهباء ليحرر كلمة تبقى من ورائه معوضا بها
خساراته المادية الفادحة وربما المعنوية ايضا هذا ان عوض فعلا :
وانا ادور حول ليلي
ملتحفا هباءات ايامي
مصغيا لرطانة من الصحو
من قاد يدي
من مسك النزهة
تحت جلد الظلام
شبحا
لا امل له في الحياة ؟
لتصبح القصيدة سؤالا عن التجربة الشعرية جوابها الضياع ..
وربما تكون قصيدة – اقنعة الصياد – التي تتبع هذه القصيدة امتدادا لها
في معنى الضياع واللاجدوى وذلك من خلال مناجاة البحر الذي يسميه الشاعر
مبخرة الزمن ونديم المدخنة حيث يقرن الاناشيد بحطب الاشجار :
كم من الاناشيد
زرعنا على شواطئك الفتية
كم من الاشجار
حطبنا
لتبعدنا الطرقات عنك
كم رصفنا الشواطئ بالاكاذيب
وفي قصيدة – انام غابة واستيقظ صحراء – ذات العنوان الشعري المعبر عن
ضياع احلام الشاعر يستمر الشاعر في توصيف علاقته الشعرية مع العالم ومع
الاخر ليدخلها ضمن قضية الوجود واسئلته المتواصلة فهذه القصيدة
المتكونة من ستة مقاطع هي اشبه بلقطات سينمائية من زاوية الشعر الى
العالم .. ففي المقطع الاول تصور عنف الكلمة في دم الشاعر مخاطبا
العواصف لاضاءة هذا التعبير :
كم مرة امسكت خطاي
فاتخذتك مسكنا
حتى تجاوزت البروق
في دمي
وفي المقطع الثاني يستعين بالقصيدة ايضا ليتحاور مع العنف متخذا من
القصيدة ملاذا لمواجهة هذا العنف
ساخبئ في قصيدتي
راسا مقطوعا يتثائب
مما اسميه الموت
غير القابل للوصف
ليمتد هذا العنف الذي يحاصر الشاعر الى المقطع الرابع من القصيدة
فالكلمات نفسها مادة الشاعر اللغوية منبتها هذا الاسى والعنف
فالكلمات
تستيقظ على جراحي
احقن لغتي بدمي
فتغادرني
مرتدية دخانا اخر
وهذه اللغة التي تغادره في المقطع الرابع يتشظى اليها الشاعر في المقطع
الخامس من القصيدة
اغرق في شبر من احزاني
او ... اتشظى
في ابهة ساحر
الى لغة ميتة
اما المقطع السادس من هذه القصيدة فانه يختمها بفكرته العنوانية العامة
ليجمع كل خسارات الشاعر في خطابه للاخر بخطاب جامع .. اشبه بمحصلة
للضياعات ..
لا ترثوا ريف احزاني
فانا ..
انام غابة
واستيقظ صحراء
وربما تقودنا هذه الخسارات الشعرية الى قصيدة تاتي بعدها عنوانها –
شاعر – يعلن فيها عن غضبه ازاء تاويل الاباء واكتناز البلاد في دمه
فضاء من اسى وعنف لتشكل امواجا شعرية في صدر الشاعر يحس ضوضاءها
المستمر
كل درب يوقد عاصفة
في دمي بلاد
مسورة بالجراح
ولكن الرؤيا او الحفاظ عليها هي ثروة الشاعر الباقية
وسمكة الرؤيا الخضراء
تطفو في عيني
اية مياه
تغسل صوتي ؟
وفي عنوان ( قصائد لزمن محنط ) يقسمها على طريقته في التقطيع الى اربع
قصائد تتمحور حول الخسائر الانسانية ازاء الحياة والزمن تمثل الصدى
الانساني للشاعر المعبر عن خسائر المجموع ..
ففي القصيدة الاولى – اصابع ورغبات – توجز هذه الخسارات بمخاطبة الحياة
بانزياح شعري واستبدال مضموني ..
ما ذا تدسين في نهديك ايتها الحياة
غير اصابعنا المقطوعة
غير رغباتنا الدامية ؟
وفي القصيدة الثانية – هجوم الزمن – يوجزها في خاتمتها ايضا
يهاجمني
زمني الميت
مخلفا
جراح خيباتي الحبيسة
وكذلك القصيدة الثالثة – دماء في ذرات نور – توجز الخسران منذ المطلع
جاءت الريح
ولم تقرا بستانا
وفي
القصيدة الرابعة – دروب تسرق اسماءنا – يسلط الضوء الشعري على هذه
الخسائر
تفاجئنا قناعاتنا الفجة
ونحن نجمع انكساراتنا
حقائقنا الفارغة
كما ان عناوين هذه القصائد المنجمعة تحت عنوان جامع واحد تشير الى هذه
الخسارات وفداحتها والموقف الانساني ازاءها المعبر عنه بلسان الشاعر ..
وعلى طريقته في شحن العناوين بالمجازات والصور الشعرية تطالعنا قصيدة –
امسك اصابعي لئلا تتكلم – يتخذ هذا العنوان تناصا مع المتن حتى يتوج
النص به كمآل مضموني وبنائي يتوسل الشاعر باللامبالاة والصمت والنسيان
ازاء المصير المعلق في السماء والحياة الناضجة بالرماد ..فيوجز هذا
التوسل بالكتمان بالمقطع الاخير
متضرعا امام النسيان
لسيد نجومك
ان يمسك اصابعي
لئلا تتكام
كذلك يقسم الشاعر قصيدته – السعادة لا احد – وهي عنوان الديوان الى
ثمانية مقاطع .. ففي المقطع الاول يسجل الشاعر الم البدايات ..
من فرط الم البدايات
اشرب كاسي التالي
وفي المقطع يستمر هذا الالم الى الافاق القادمة
فمن يسوق وحشتي القادمة
وفي المقطع الثالث يختتم الشاعر بـ
حشود تطوق دمي
لاعقة اعضاء الضجر
ويستمر هذا التمحور النصي في القصيدة من خلال متن مقاطعها بثيمة
الخسران المستمر ..
وانا البطل الاعزل
من جمهوري
تنازعني اسلحتي الغادرة
وفي المقطع الخامس
ايتها السعادة
انت لا احد
انت فريسته
في منقار طفولتي
وتذكرنا هذه النزعة اللامبالاتية بنزعة بعض الشعراء كالمتنبي بقوله
فرحت ولا ابالي بالرزايا لاني مانتفعت بان ابالي
او عند محمود البريكان :
اني تنازلت امام الضباع
والوحش عن سهمي
لا مجد للمجد
فخذ يا ضياع
حقيقتي واسمي
وكان الاحساس باللاجدوى واللامبالاة ازاء الخسران صفة كامنة في ذات
الشاعر المعتربة
ويمتد الخيط الماساوي او الخساراتي الرابط بين مقاطع القصيدة الواحدة
او بين قصائد المجموعة كلها متوهجا بسراب لغوي يشكل لغة اخرى داخل النص
الشعري ففي المقطع السابع يبدا التصريح منذ المطلع :
اتذكر الفرات
الذي ابتلعته
القسوة والشنبلان
وفي قصيدة – ابي لا يصلح ان يكون مزمارا – فيصرح
كان ابي يحلم ويفكر
قرب مياه ميتة
ابي لا يصلح ان يكون مزمارا
وغصنه لا يبتسم للمارة
اما انا
فامسككم
في ضيائي
وبهذا فقط يتميز الشاعر عن ابيه والا فان الخسارات اللتي تعبر عنها هنا
المياه الميتة هي ذاتها
وفي قصائد مجموعة تحت عنوان – قصائد المحنة – ففضلا عما يشي به عنوانها
الجامع وعنواناتها الفرعية من الثيمة التي نحن بصدد تشخيصها فان
القصائد – الحدائق- ثمانيتها تنشد بخيط ثيمي تؤول اليه القصيدة نصيا
سواء على مستوى التنامي الدرامي او البنائي .. ففي قصيدة – حديقة
الوحشة – يؤول النص الى :
يطهو الملل كل غداء
وكل عشاء ياكل الوحشة
وكذلك قصيدة – حديقة الذئاب – تتصاعد عند النقطة الدرامية :
كل انماط حياتي
دون براءة تهجرني
كذلك في – حديقة الهباء – يؤول النص الى الثيمة الخسرانية الجامعة :
اسمع صرخة
تثقب الليل العميق
لتفتح دربا لعشرين عاما
من الهباء ..
وفي حديقة – الوجود والالم ، المتعة والعدم – الجزء السادس من القصيدة
الجامعة يستفيد الشاعر من مقولة سقراط ( المتعة والالم متلازمتان ،
انهما توأمان ) ليبني عليها النص ويختمها بتحيته الى سقراط متجرع السم
ولكنه مزروع في ثنايا كلمات الشاعر كما تفصح نهاية القصيدة :
هو مزروع هنا
بين الكلمات
منتظرا تحيتي
ها ا ا ي سقراط
وكان الجامع بينها هذا السم الخسراني الذي ينم عنه وهج الكلمات
وفي قصيدة – حديقة الامل - يحاول ان يعادل الشاعر الياس الخسراني بما
تبقى له من سلوى كمعادل موضوعي نفسي يلجا بها الى شفاه الحبيبة
فمك الذي تغازله
الطيور
يرسم الامل
وفي قصيدة - مشورة الغراب ، مشورة القبعة – يستيقظ الشاعر من جديد ازاء
ثيمة الخسران والانعزال والخوف فيلوذ بكلماته
كم تمنيت ان يحاصرني الخوف
فاهرب الى مشجب الكلمات
كم انا اعزل
امامك ايها الحزن
ساصغي لاطلال واحجار
لا تلفظ غير كلمات مبحوحة
ويستمر الشاعر باحثا عن لغته الخاصة ازاء فقداناته وخساراته فيؤكد في
قصيدة – ريشة من ذكرى –
مشينا صوب لغة
من دخان
ولا نزال
اما القصائد القصيرة التي لم يجمعها عنوان جامع سوى – قصائد قصيرة أي
انها على قصرها لها – لكل منها – فضاؤها الخاص نختار منها قصيدة –
خبيئة ذكرى – لانها تشير الى ثيمة الشاعر ازاء الخسائر التي كنا بصددها
كما تشير الى ثيمة الذكرى وهي احدى المهيمنات النصية في ديوان –
السعادة لا احد – ولكنا نشير اليها فقط من خلال هذه القصيدة القصيرة
لانها تجعل الذكرى بؤرة نصية وزمنية ملازمة لحياة الشاعر حتى يزيح
حاضره الى الظلال امتثالا لصوت الذكرى الحاضر دائما .. كما ان هذه
القصيدة على قصرها تلخص خطاب الشاعر الى السعادة تلك المفردة القابلة
للحزن والخسران والفقدان كمعادل موضوعي ثر مثلما يشير العنوان العام
للديوان – السعادة لا احد – الذي يجمع هذه الجدلية بين السعادة والحزن
..
كما ان هذه القصيدة تشير الى خطاب الانسان الشاعر ازاء هذه السعادة
المشروطة بالحزن والذكرى واللااحد ..
خبيئة ذكرى –
ايتها السعادة
لا تلتفتي
لتبريرات الشاعر
لمن يحتفي لهواء آماله
يده التي هي يده
تدفو خبيئة ذكرى
ان الديوان – السعادة لا احد – يمكن الدخول اليه من مهيمنات نصية عدة
وملامح فنية في الاسلوب واللغة الشعرية وغيرها من فنون الشعر لكنا
اثرنا هذه المهيمنة للتجول في عالم الشاعر ..
التعليقات
|