|
|
|
|
|
| |
|
|
|
شعلة السناء
|
الهدف
الثقافي : د . عدنان الظاهر |
الأحد 13 أبريل 2008 05:02 GMT |

ـ حوار بين المتنبي ونيتشة ْ ـ
(( إنني لم أجدْ حتى اليوم إمرأة ً أريدها أمّا ً لأبنائي إلا المرأة
التي أحبها ، لأنني أحبكِ أيتها الأبدية // الفيلسوف نيتشة ـ هكذا تكلم
زرادشت )) .
لقاء غريب ، جد َّ غريب ، جمعت فيه بعد لأي ٍ كلاً من الشاعر أبي الطيب
المتنبي والفيلسوف الألماني نيتشة . رجلان معروفان وشهيران فكيف لا
أسعى للجمع بينهما مهما كانت المشاق والصعوبات ؟ هل تود أن تلتقي
الفيلسوف في مدينتك العراقية الكوفة أم في بلده المانيا ؟ سألت المتنبي
فقال بل أفضل أن نجتمع على أرض ملعبه ... في بلده ألمانيا . كما تشاء
يا أبا الطيب . تقابل الرجلان فإعتنقا كأنهما معارف وأصدقاء منذ الأزل
. تم اللقاء في بيتي وكنت قد أعددت مبكراً كل مستلزمات مثل هذا اللقاء
التأريخي الذي لا يجود الزمن به إلا نادراً . كان كلاهما قد جاوز
الخمسين بقليل وكان هذا عاملاً عجّل من سرعة التآلف فيما بينهما . لكأنَّ
العمرَ جسرَُ حديد يمتد بشكل سري ٍّ تحت سطح الأرض ليربط البشر ببعضهم
بقوّة وإحكام . قال المتنبي لي هيا تكلمْ يا رجل ، ما مناسبة هذا
اللقاء ؟ معك حق ، معك حق يا شاعر ، المناسبة هي أني أعرض على أخينا
نيتشة ْ صفقة زواج من فتاة مثقفة بالغة الحسن إسمها [ شعلة السناء ]
فما رأيك ؟ إحتج َّ قائلاً ولماذا تعرضها على هذا الخواجة وليس عليَّ ؟
لأنه مثقف وفيلسوف وشاعر أوربي أما أنت يا صاحبي فلستَ سوى شاعرٍ بدوي
أو متبدّ ٍ تجوب البلدان سعياً وراء الرزق والمغامرات . قال محتجاً ومن
قال لك إنَّ الحَضَري أفضلُ من البدوي ؟ قلت إسألْ إبن خلدون !! ضحك
عالياً فجامله الفيلسوف وضحك بدوره عالياً . ثم ، واصلت كلامي ، لم تقلْ
أنت ما قال هذا الصديق بشأن الحب والمرأة . سألني : وماذا قال بهذا
الخصوص ؟ قال [[ إنني لم أجدْ حتى اليوم إمرأة ً أريدها أمّا ً لأبنائي
إلا المرأة التي أحبها ... ]] . واصلَ المتنبي هز َّ رأسه مبهوراً بما
قال الفيلسوف . ظل يردد مع نفسه : [ إمرأة أريدها أماً لأبنائي ...
إمرأة أحبها ... ] . غاب عنا لبرهة ثم تساءل : أفلم يتزوج بعد هذا
الفيلسوف ؟ بلى ، لم يتزوج . رفع المتنبي حاجبيه مستفسراً عن السبب .
لأنه لم يجد بعد المرأة المثال التي يرومها ، لم يلتقِ بهذا المثال وقد
فاته سن الزواج . علّق المتنبي قائلاً : أما نحن الشعراء وسكنة البوادي
والبراري والقرى فلا من سن محددة بعينها لزواج الرجل . يستطيع الواحد
منا أن يتزوج حتى ولو كان في أرذل العمر . ما رأيك يا فيلسوف ، سألته ؟
قال إنَّ المتنبي على حق ، لم أجد المرأة التي أحبها وتستحقني ولا أقول
تستحق عبقريتي ، فالبعض يعتبرالعبقرية جنوناً وهكذا كان حالي في بلدي
مع الكثير من الناس . سألته : إذا ً أنت تحب المرأة لكنك لم تجدها ، لم
تجد التي تستحق حبك ؟ قال مضبوط . لكن َّ المعروف عنك أنك تكره المرأة
وتحقد عليها ، ألهذا الأمر من صلة بعزوفك عن الزواج أساسا ً ؟ قال هذا
ليس صحيحاً ، جدْ لي مَن هي جديرة بي وبحبي سأقترن بها على الفور هنا
أمامكا . عالْ ... صرختُ ... ما رأيك بهذه الفتاة الساحرة التي تحمل
إسم < شعلة السناء > ؟ جميلة ومثقفة وبنت عائلة وتحب مجالسة المثقفين
والأدباء والشعراء والمبدعين ؟ قال ولِمَ لم ْ تتزوج هي حتى اليوم إنْ
كان أمرها كذلك كما وصفتَ ؟ سؤال جيد يا نيتشة ْ ، جيد جداً . الجواب
هي أنَّ هذه التحفة النادرة مثلك لا تتزوج إلا من تقع في حبه ولم
يسعفها حظها في العثور على هذا الرجل . فيها منك مشابه كثيرة فتوكلْ
ونحن شاهدان . هي لا غيرها مَن سينجب لك خيرَ وأجمل الأبناء . قال قد
أوقعتني في حيرة . أتيت إليك ففاجأتني بهذا المشروع العويص الخطير .
أحتاج لإتخاذ قرار مناسب إلى ما لا يقل عن فترة عامين من الزمن . تململ
المتنبي وقد فقد صبره ... تنحنح ثم قال : قرر الآن يا رجل ، ماذا أفادك
عزوفك عن الزواج كل هذه الأعوام وماذا حملت لك عزوبيتك غير مرض السفلس
الذي شرع ينخر خلايا دماغك . تجهّم الفيلسوف وقطّب جبينه ثم قال : هذا
هو سبب عزوفي عن الزواج !! السفلس ينتقل إلى دم الأطفال من ذويهم
والطفل أثمن ما في الوجود . به تتم دورة الحياة وبه تبتدئ ، تماماً
كحلقة الزواج !
ما رأيك لو دعوناها لتشاركنا مجلسنا دون التعرض لموضوع الزواج ، فلعلها
تكره الخوض فيه مع أناس ما سبق لها وأنْ خالطتهم . كثيراً ما يأتي
الزواج كضربة الصدفة العمياء أو الحب من أول نظرة . دعونا نلتقيها هنا
لتتعرف علينا بشكل جيد والمقسوم مقسوم ويظل المقسومُ مقسوماً . إنشرح
صدر المتنبي لمقترحي وكان به بالغ السرور . أما الفيلسوف فسرح بعيداً
عنا يفكر في مسألة فلسفية عويصة . عاد القهقرى إلى مغارته في أعلى
الجبل ليختلي بنسره وأفعوانه وليناجي البحر من هناك . كان واضحاً أنه
لا يرغب بالزواج ، بل ويتهرب من موضوعه أو الخوض فيه . يريد نظرياً
إمرأة ً يحبها لكي تنجب له أبناءً ، إنه يعبد الأطفال لكنه متردد بشأن
المرأة التي تنجب له هؤلاء الأبناء . يريد أبناءً بدون إمرأة ، خلافَ
أمر ذاك الأمير الشرقي المستبد الذي كان يعاشر مئات الجواري والمحظيات
والمسبيات لكنه يشترط عليهن َّ أن لا يحبلن ، والويل لمن تحمل منه كل
الويل : جزاؤها الخنق أو الرمي في البحر مقيدة اليدين والقدمين مكممة
الفم . هل في الدنيا من إمرأة طبيعية التكوين الجسدي والوظيفي لا تحبل
؟
إفترقنا ولم نتفق على قرار معين . وعدت صاحبي َّ أن أتابع الموضوع خلال
الإيمل مع الصديقة < شعلة السناء > منفردين ... فلعلها ترضى بالمتنبي
زوجاً وإنْ كان في عمر أبيها ! الزواج من رجل كالمتنبي أفضل من حياة
العزوبية ، فهل ستحبه أو هل ستتزوجه بدون حب ؟
تبادلنا الرسائل عَبرَ البريد الألكتروني وأطلعتها على ما دار بيننا
نحن الثلاثة من حديث . لم تعلّق ، ظلت صامتة صمتاً حيرني وأضناني .
أفلا ترغب بالزواج من المتنبي إذا ما إستنكفت من نيتشة الملحد وهي
متدينة على طريقتها الخاصة ؟ قالت بعد صمت طويل : لكنَّ المتنبي رجل
متزوج وله ولد إسمه مُحسَّد . نعم ولكنْ ، قلتُ ، ماتت زوجه فترك ولده
الوحيد في كنف جدة أبيه في الكوفة ، أي إنه رجل مثلكِ عازب في هذا
اليوم . الزواج يا بُنية أفضل من حياة العزوبية . قالت أوافقك في هذا
الرأي ولكن ْ ، سوف لن تكون حياتي سعيدة ولا مستقرة مع المتنبي . إنه
رجل مغامر جوّاب آفاق لا يقر ُّ له قرار طويل اللسان يسب هذا وذاك
فتأتيه العداوات من كل حدب وصوب . إنه وقع في غرامك يا حورية . قالت
كيف ولم يرني بعدُ ؟ عرضت عليه بعض صورك فكاد أن يُجن . قال هذه ليست
(( شعلة السناء )) إنما شعلة السماء ومليكة النساء . قلتُ له هيا إذا ً
إعزمْ وتوكل وزرْ أباها في بيته وأطلب يدها منه فهو في سن تقارب سنّك
والرجال تفهم بعضها بعضاً وتقدِّر حاجاتهم . قال أشعر بتردد وبعض
التهيب حتى من الفكرة نفسها . أتود يا أبا مُحسَّد التعرف عليها وجهاً
لوجه ؟ قال أتمنى لكني أخشى . ممَ تخشى الرجال من أمثالك وهل نسيتَ ما
قلتَ من أشعار في الفروسية والقتال والشجاعة ؟ أهمل سؤالي وإنصرف بوجهه
عني مردداً (( الرأي قبلَ شجاعةِ الشجعانِ )) ... فأكملت هذا البيت
قائلاً (( هو أول ٌّ وهي المحلُ الثاني )) . هزَّ رأسه موافقاً وظل َّ
قلقاً متردداً فشجعته على إتخاذ موقف سليم حاسم ناجز وذكرت له بعض شعره
الذي قال فيه (( إذا كنتَ ذا رأي ٍّ فكنْ ذا عزيمةٍ // فإنَّ فسادَ
الرأي أنْ تترددا )) . قال مُحنقا ً : لا رأي لي في هذا الموضوع الخطير
ولا من عزيمة فكفَّ يا هذا ولا تحرث في البحر . داعبته للتخفيف من
أزمته الحقيقية فقلت له : إذا ً ... سأعرض أنا عليها الزواج ! ضحك
المتنبي من أعماقه لأنه على ثقة من أني أمزح معه لا أكثر . قال وقد
توقف عن الضحك : هيا أقدمْ يا رجل ، أقدم وسأكون والسيد نيتشة شاهدا
خطبتك لها من أبيها وشاهدا عقدة النكاح ثم الراقص في ليلة عرسك . ما
رأيت المتنبي في حياتي جذلا ً هازئاً ساخراً كما أراه هذه اللحظات .
قلت له : جميل منك يا صديق أن تحضر ليلة العرس ولكن كيف سترقص وأنت
الرجل الوقور المحافظ والإسلام لا يسيغ الرقص والغناء ؟ قال سأرقص رقص
الرجال الأشداء على القوم الظالمين ... سأرقص رقصة
[ العَرَضات ] بالسيف المعروفة في بلاد الحجاز ونجد . ضحكتُ ... ضحكتُ
وأعجبني مرح الرجل ودعابته وسرعة َ خاطره فرأيت أن أسأله عن رقصة [
الدحّة ] البدوية أو [ الجوبية ] العراقية لكني أعرضتُ ولم أسالْ .
زرتُ بلاد [ شعلة السناء ] وطلبت مقابلتها في مقهى أو مطعم فإعتذرتْ .
قالت إنها ليست من مرتادي المقاهي والمطاعم . بدل ذلك ، قالت ، تعالَ
زرني في بيتنا وتعرّف ْ على أهلي فسيرحبون بك ضيفاً شرطَ أن لا تطرح
نفسك عليهم خاطباً لإبنتهم . ماذا سأقول لهم إذا ً ؟ ما سبب هذه
الزيارة التي تشبه الخيال ؟ قلْ لهم جئتُ أعرض على كريمتكم أمراً قد
تقبلونه وقد ترفضون . قلْ لهم جئتُ أعرض عليها أن تختارَ لها زوجاً
واحداً من إثنين : إما الشاعر العراقي المتنبي أو الشاعر والفيلسوف
الألماني نيتشة ْ . قلت لها لكنَّ المتنبي مصاب بمرض جنون العَظمة وهو
مَن قال ( أنا الذي بيّنَ الالهُ به الأقدارَ ... ) والفيلسوف مصاب
بداء السفلس فأيهما تفضلين ؟ قالت أعوذ بالله من آفة السفلس ولم تزدْ .
إستنتجتُ أنها لا تمانع من الزواج بالمتنبي طالما أنَّ علته نفسانية ،
أما الآخر فالعلة في جسده ولا يصح ُّ ولا يتم الزواج إلا بالجسد .
أثناء اللقاء معها في دار أبيها سألتها هل ترغب في أن تلتقي مع خطيبها
الشاعر الكوفي المفترض ؟ قالت أين ؟ قلت في بلدي ... قالت كلا ، تعالَ
معه لنلتقي في بلدي تحت سمع وبصر أبي وأمي . قلت لها ألديك مانع أن
أتكلم معه خلال تلفونك النقال هذا ؟ ناولتني التلفون فتكلمتُ مع
المتنبي وهي تصغي . مرحباً صاحبي ... حصلت الموافقة الأولية على ترشيحك
خاطباً لشعلة السناء على أن تأتي إلى بلدها وتطلب يدها من أبيها كما
تقتضي العادات والأصول والتقاليد . سأكون معك وفي صفك مدافعاً ومزكياً
ونافياً عنك الكثير مما أُلصقَ بك من تهم وإفتراءات . صمتَ المتنبي على
الطرف الآخر وكنت أسمع صوت تنفسه لاهثاً . بعد فترة قال مُجهداً : إنسَ
الموضوع . لا حاجةَ لي بالزواج . زواج ٌ واحدٌ يكفي بشره وخيره . ثم ،
فاتني سن الزواج . لم يزدْ . لم ينتظر ردي . قال تصبح على خير وأغلق
التلفون .
aldhahir35@yahoo.de
التعليقات
|
|
|
|
|