بحـــوث ودراســـات


   

 

 

حين يقاتل الشاعر ليظل الأمل نافذته للحياة
الشاعر سعيد الوائلي يبقي قمره مضيئا
رغم هسيس النار الصفراء

 

 

 الهدف الثقافي : جواد وادي

الخميس 01 مايو 2008 03:14 GMT

ahayati.com

 


قراءة لنصوص الشاعر سعيد الوائلي



أجد نفسي وأنا التقط عنوان الديوان الذي اقتبست منه النصوص ( لا.. لن يحترق القمر)
والذي يسعى الشاعر سعيد الوائلي إلى إصداره وهو المهيأ طباعة وإخراجا وغلافا جميلا من تصميم الفنان المبدع الدكتور مصدق الحبيب. أنني أمام زحمة نصوص متفاوتة الطول والنفس الشعري، حيث تبدأ بالألم الممض وتنتهي بالمكابدة المرة وبين هذه وتلك من الانتقالات، يرحل الشاعر في متاهات الوجد الإنساني بمعاناة وطن وانين ناس وخراب ارض، نحسها جميعا ترتبط بوشائج متداخلة ومنصهرة بحميمية نادرة لتشكل توليفة لنصوص شاعر لا يملك القارئ إلا ان ينحني انبهارا وعشقا وأيضا تواشجا وجدانيا في ذات الألم، ليرحلا معا، القارئ والشاعر، على جمر العذابات التي توحدهم، ليمسكوا بتلابيب الأمل المتبقي لهما ويفضحا عشقا نادرا في صدقه، وحين افتح عيني بعد اغماضة لذيذة على جرس الكلمات الباهرة بتلويناتها الغارقة في زحمة الألوان، أبعد تماما ذلك اللون الرمادي الذي غالبا ما تتشح به النصوص حين تتحول لحظة القراءة العاشقة إلى ركامات من الأحاسيس والوجد والغياب من لحظة المحسوس إلى حيث أمكنة وذكريات، أراد لها الشاعر أن تكون حالة استفزاز حقيقي للقارئ الذي يحيل القراءة إلى حالة إبداعية تضاف إلى جهد الشاعر في إخراج هكذا نصوص موجعة.
إن كتابة النص لدى الشاعر سعيد الوائلي مكون متعدد البناءات ويخضع لاحتمالات التأويل لامتلاك المفردة أوجه تقبل القراءات باحتمالات مختلفة بحيث يصبح انتقاء المفردة الشعرية ضربا من المغامرة غير محسوبة النتائج إن لم تصدر من شاعر يعرف مرجعياته وإحالاته الشعرية والسوسيولوجية، بتراكيب تخضع في أحايين كثيرة إلى ذات الشاعر المغرقة في المحلية وهذه سمة تحسب للشاعر بامتياز، ذلك أن الشاعر يصبح صانعا ماهرا حين يوظف تقنياته غير البعيدة عن مكوناته الأساسية، ونقصد بها هنا، انشداد اللحظة الشعرية التي تتولد عندها القصيدة إلى حيث ينتمي ويفكر بتفاعلات وجدانية تنتمي إلى الأرض والتاريخ والإفراد وقبل هذا وذاك الذكريات الغائرة في وجدان الشاعر وهي الأساس حين تتحول القصيدة إلى مرجل من المشاعر تمكن المبدع من التقاط المفردة في حالة نادرة من التوحد
المغرقة في الوجد والإحساس المطلوبين حين نريد نصا صادقا بانتمائه ومكوناته ورؤاه.
إن استحواذ لحظة الكتابة الشعرية والتي اتفق العارفون بفن هذه الصنعة على تسميتها بالاشراقة الأولى وهي حالة صوفية تضفي على النص قدسية بادراك خاص وليس بالهين على المبدع الحقيقي لحظة تمرغه للإمساك بتلابيب النص.

افتتح قراءتي العاشقة لنصوص الشاعر سعيد الوائلي باستحضار ما كتبه الناقد الكبير عدنان الظاهر من اضاءات لهذه النصوص قد تكون دليلا يعينني على تلمس النص حيث يقول:( سعيد الوائلي شاعر ملتبس بجغرافية وهموم العراق ومتسربل بما يُسفح من دماء العراقيين الأبرياء صباحا مساء).
هنا يضع الناقد عدنان الظاهر يده على أول الجرح حين يسلط الضوء على نصوص الشاعر ليقدم وبذكاء القارئ العارف بتفاصيل النص وعلاقته بالمبدع كونه نتاج اعتمالات إنسانية هي صيغ قد تكون في أعماق الشاعر لتشكل متراسا يحمي المبدع من تلاوين غير مقصودة أحيانا ولكنها تبقى شذرات جميلة وفاطنة لناقد فكك النصوص وأحالها إلى مكوناتها الأساسية قبل أن تصبح توليفة إبداعية لشاعر يسعى لان يبتعد عن الهذيانات الطاغية في كتابات شائنة ليقدم عصارة جهد تمرد وتكابر على العادي ليصيغ نصا بذائقة متفردة وبإحالات معبرة يغلفها النشيج الممض وتستبطن هنهنات لعذاب إنساني خافت يوشي بعلاقة الشاعر القوية لتواشجه مع نصه الذي هو في الحقيقة مكابدة لمبدع مقهور لا يملك غير الإفصاح عبر نصوصه التي ترحل به في تضاريس وعرة في الكتابة النصية يحيلها الشاعر إلى صراخ منكفئ على ذاته ويختزنها في أعماقه المنكسرة التي تطغى بشكل جلي على جل نصوص الديوان.
تطالعنا نصوص بغرابتها ولكن بحميميتها حتى انك تلج متون النص عبر عنوانه وحسب لان الشاعر يسعى لان يؤسس في ولادة النص على العنوان المعبر والذي يتسم بعمقه وصدقه ومباشرته أحيانا، حيث لا مهرب للشاعر في كونه يطلق العنان لمخيلته وبتوق غامر ويتحرك في مساحة النص مستمدا صوره الشعرية الفائقة الدلالة من ذات العنوان الذي كثيرا ما يقود النص إلى رحلة من حيث بدايته لينهيه بذات الفكرة التي عنون فيها نصه.
نلتقي في ديوان الشاعر سعيد الوائلي في نصه الأول الذي اسماه: (أنا وأنت)، هنا يفرض الشاعر إيقاعا متناغما من مفردتين تمثلان العلاقة التي غالبا ما يكون للشاعر حضور كبير وجلي فيها. (أنا) هي ذات الشاعر التي يفتح من خلالها المنافذ على سر وجوده كيانا إنسانيا له من العلائق مع التاريخ والأرض والبشر والوجدان الق خاص، دائم الاجتراح ولا غرو أن يفتتح الديوان بنصوص عن فاجعة الطف واستشهاد الحسين (ع) وارض كربلاء وما تمثله هذه الفاجعة من شجن خاص وعميق لدى العراقيين بشكل عام وعلى الشعراء المبدعين بشكلها الخاص جدا. هذه الثلاثية الموجعة التي تحفر عميقا في وجدان الفرد العراقي المرتبط بوجد حارق لتلك الأرض المقدسة:

tahayati.com

الشاعر والاعلامي سعيد الوائلي يشارك العراقيين نفاد صبرهم لتصدير الارهاب من دول الجوار العراقي - من امام سفارة  ال سعود في العاصمة الامريكية - واشنطن دي سي


قلبك الشهي
مضرج منذ الأزل
بدوي العاصفة
جناحاك
شعشعة الصباح
وراية مئذنة ساحرة
بركة ضوئك الأحمر
شجيرة صبرك


بهذا الاستهلال ينكأ الشاعر سعيد الوائلي جراح القارئ ليشاركه ذات الألم بدلالات تحيل المفردات إلى عالم متحرك من الصور الغائرة في الفجع العراقي المسكون بحياة مليئة بالأنين والخراب والفقد الدائم، سلواهم أن يغادروا عبر غيمة حزينة إلى حيث سقط الحسين مضرجا بدمه الطاهر ليعطي للشهادة قدسية يتنسم منها المفجوع العراقي من حادثة الطف لتمنح القارئ شغفا صوفيا يخفف ولو لحين من وطأة الألم الفاجع.
فقلب الحسين حين كان يخفق بالشهادة وهو يعلم ما ستؤول إليه النهاية (شهيا) ويلاحظ القارئ فطنة الشاعر في اختيار هذه المفردة لتوصيف قلب الحسين مجازيا ذلك القلب الزكي العامر بالمحبة والإيمان والشهادة، حتى وهو ينتزع من مكمنه من اجل المبادئ الإنسانية السامية التي تتعدى ما هو ديني، حيث لم يضرج لحظتها بسيوف بني أمية لكنه كان مختوما بالشهادة ومنذورا للفداء منذ الأزل.
إنها العاصفة الهوجاء والرعونة في أبشع تجلياتها، أن تدعي أنها ضرجت قلب الحسين الذي هو مضرج أصلا منذ عرفت البشرية معنى الشهادة من اجل المبادئ المقدسة، فلا غرابة أن تكون النهاية مرصوفة في لوح الخلق الإنساني.
الشاعر هنا يصف الحسين بالطائر الملائكي حين يرفرف جناحاه مع شعشعة الصباح ليحلق بعيدا عن الحياة الفانية إلى حيث الخلود السرمدي المقدس.
والشاعر الوائلي أسس نصه على بنائية شعرية متينة هي خليط من تركيبة قد تبدو متنافرة لكنها في الصياغة وحدة واحدة: قلب مضرج+ عاصفة مدوية+ جناحان مشعشعان+بركة ضوء+ شجيرة صبر.
كذلك وظف الشاعر كلمة (مئذنة) ترميزا جمعيا يتجاوز الذات إلى مديات ابعد للبحث عن الإيمان الحق والتقرب إلى صوت المنادي لجموع المؤمنين ليلوذوا بدفء العقيدة وظلال المئذنة، هنا تعني الإيمان بالمطلق.
هل أن دم الحسين كدماء البشر العاديين؟ الشاعر هنا يلتقط هذه الدماء النافرة لا كسائل احمر مساح على تراب اجرد، إنما هو بركة ضوء تتشح بلونها الأحمر لتكون بوصلة للباحثين عن دروس الشهادة وهدفا للخلود، لتنبت عميقا وتتجذر في الأرض لتنبت شجيرة صبر، كأن الحسين يعرف أنها سر عناده من اجل إرساء قيم الحق وفروض الإيمان. فتستحضرني قولته المباركة التي عادت وساما لشهداء الحق السالكين على ذات الدرب: (هيهات منا الذلة).
في نصه الثاني (الكهف) يقول الشاعر:


يقلب أرشيف الطين
يلم ضوء المكان
وحرارة الطيف
يشد الرحال من جديد


يستخدم الشاعر لغة الغائب ليشرك القارئ في بلواه ووجده، وهذا نزوع ذكي ليدع الاثنين قارئا ومبدعا للغور في متون النص الذي أعطاه عنوانا يتسم بالعزلة والخوف والقداسة والتعبد والانتماء والوحدة والتوحد مع الذات كلها إحالات لمفردة (الكهف) عنوان النص.
وهو وفي تعبده الصوفي في كهفه لا ينسى انتماءه لأرض السواد حين يتذكر الرقيم البابلي الذي هو في الحقيقة أرشيف من الطين يدون لأعظم الحضارات ولأبهى جنس بشري.
ولكون الشاعر يحمل همه ليرتحل، يتواشج في نصه مع كلكامش، حين لملم ضوئه في أوروك بحرارة الباحث عن الخلود، ليشد الرحال ثانية بحثا عن العشبة الأمل.
إن الشاعر سعيد الوائلي يمد لنا خيوطه لينسج بخفوت ووداعة عشقه لتفاصيل وجوده الآدمي بإحساس الشاعر المنكسر ويحملنا مسؤولية الخروج بمشاركته ذات الأنين وعمق الرؤيا.
الانتقالات المتعددة ذات الوجوه المختلفة لعراقي يعشق وطنه حد الجنون ليختار حكاية السندباد تتصدر عنوان نصه الآخر:


لصيق بالعراقي
حكاية وتراثا
وترحالا أبديا


لا يحتاج القارئ لجهد كبير في فهم ما يروم الشاعر قوله، لأنه أراد آن يبث المواجد في نفس العراقي الذي تبعثر جسدا وأرضا، وعاد الرحيل ديدنه وملاذه للخلاص، لكنه ورغم منافيه البعيدة عن أرضه وأهله، ظل يتأبط ألمه وأوجاعه ليبقى لصيقا بكل تفاصيل الوطن والتاريخ والتراث رغم ترحاله الأبدي، كسندباد عصره الجديد وليست له يد فيما يحدث.
(هذيانات ما بعد منتصف الليل)
النص الموالي للشاعر سعيد الوائلي:


في هذه المملكة
سحاب الليل الثقيل
بحيرة مقدسة
وريح سليمان
لحن جنائزي


غالبا ما يختلي الشاعر المسكون بعشق الأرض البكر تلك التي فتح منافذه الأولى لتكون بوابته إلى العالم الآخر بامتداداته الروحية والمكانية ليتوحد مع لحظات الوجد الغامر حتى وان كان توحدا يداعب مخيلة الشاعر وحسب، وغالبا ما يحدث ذلك التداخل الذي يغني حالة الالق الإنساني ليبدأ سيل الكلمات من أعماق الشاعر المبدع مزهوة بالحب الحقيقي . إنها كلمات يشبّهها الشاعر بالهذيانات، وهو محق تماما في ذلك لان لحظة كتابة النص تبدأ بهكذا هذيانات لا يعرف الشاعر كنهها، سيما أنها تأتي في لحظة توحد حين يختلي الشاعر مع نفسه لتحصل عملية المراودة لافتضاض الكلمة ليسمع أنفاسه وهي تلتقط الحنين القادم.
من بعيد لينسج سعير لهفته ويبث وجده في مملكته وهو يتلقى السحاب الثقيل في ذلك الليل حين يلامس مياه البحيرة المقدسة حيث تهفهف روح سليمان على وجنتيه ليخرج بلحن جنائزي لوطن هو فسحة الشاعر وحده دون سواه.
إن العالم عند الشاعر سعيد الوائلي لا يعدو كونه رقعة شطرنج تتحرك مكوناتها أحيانا ضدا على الرغبات وبشكل عبثي، إنما يختار الآخر الأمكنة التي قد تكون قاتلة أو تنتظر مسيرها بثبات. هكذا أطلق عنوان رقعة شطرنج على نصه الموالي حيث يقول:


شكسبير
ينهض الليلة من تابوته
يرتدي بزة الحرب
ليبارز عطيل
من جديد


كم يعود الجمال في دربكة الحروب قبيحا وسيئا وها هو شكسبير يحيي رغبة القتال عند عطيل ليكون له ندا، وبدل أن يجعله نديما في وحدته القاتلة، يعيده ثانية إلى الحياة بعد رحلة الصمت الأبدي المفترض، ليرتدي بزة القتال ويجعل من عطيل غريمه بعد أن كان سلواه وهو يتأسى لأوجاعه، يتحول هناك في العالم الآخر من ألد أعدائه.
وهذا الترميز يوحي بفهم الشاعر للاعقلانية ما يحدث وبحرفية رائعة تشق الكلمات طريقها نحو قارئ يحمل هواجسه ليلامس شجنا افلح الشاعر في أن يكوّن دارة أسى لألم ممض لا نهاية له كما يبدو.
في نصه التالي يقول:


بلادي الحمراء
تلبس قبعة الخوص
وتمهد الطريق
لعودة البلدوزر
من الشباك الخلفي


إن الحضور الدائم للعراق أرضا وشعبا ومكونات، هو الشغل الشاغل للشاعر سعيد الوائلي لنزوعه في توصيف حالة ذلك البلد الجريح بلغة العاشق المندوفة بالمرارة لما يحدث لتلك الأرض الغالية، وفي هذه الرحلة الاسرائية وهو في منفاه، تتواشج المكونات وكأنه نورس مهاجر ينتقل لا جسدا بل روحا وقلبا وأحاسيس على تفاصيل الجرح العراقي.
فبلاده الحمراء- ارض السواد المعطاء- بتاريخها وحضارتها العريقة وبشرها الرائعين تضع على رأسها قبعة خوص تحاشيا لضربات الشمس الصاعقة وكأنه قدر لعين يلاحقها وهي الأم المعطاء الولود دائما، خيرا وبركة، رغم خفافيش الليل القميئة لتجعل الطريق سالكة لعودة الخصب والنماء من شباكها الخلفي ضدا على ماكنة الخراب والمحو. ولماذا قبعة من خوص وهي تجلس على خزين اللآلئ، وليست قبعة من حرير، تلك هي فرادة الشاعر المبدع في أن يجعل من الخيال الطليق بوصلته للالتباس النصي الجميل.
ومع أن الشاعر يريد أن يبقي الأمل بوابته للخلاص لكن ذلك البلدوزر يمكن أن يكون أداة بناء مثلما هو أداة هدم، ولكن لماذا من الشباك الخلفي؟ نترك للقارئ أن يكتشف نوايا الشاعر في هذا التوظيف الملتبس باستخدام نباهته الشعرية.
أما في نصه الجميل الذي يمثل عنوان المجموعة: لا...لن يحترق القمر:


في مملكة المرجان
في عمق البحر
اركب كآبتي
واترع البحر
إذا كان ابولو تمثالا اخرقا
لا يجيد سوى الأكاذيب والحيرة
فما ذنب الشمس..؟
تداعب السماء بمودة
أعمدتها الخيطية
تقاسم كبدها من تحب
وتغدق سلسبيل الحلمتين.


الشاعر سندباد عصره دائم الترحال حتى وهو قابع في محرابه لا يتحرك جسدا إنما روحا وأحاسيس وفي هذا النص تتجسد هذه الرؤيا لدى الشاعر تماما. أين هو المكان الذي يختاره الشاعر ليمتطي كآبته ويرحل صوب الخلاص؟ انه يختار مملكة جميلة لا بمعناها العادي المحسوس بل بحلمها الجميل وألوانها الزاهية ومخلوقاتها البهية.
تلك هي مملكة المرجان، إنما أين تكون؟ إنها في أعماق البحر وهي الرحلة التي يتمناها كل من يبحث عن الخلاص للهروب من حالات رثة تطوق الشاعر إلى حيث النقاء والجمال والبراءة....... ليعود الشاعر منتفضا على تلك الحالات التي أجبرته على الرحيل.
حين يوصم الشاعر الإله ابولو بالأخرق لا لكونه تمثالا لا روح فيه، بل لكثرة ما أثقله المرائون برداءآتهم ورغم أن الشمس تضئ تلك الأمكنة، فلا ضير أن تداعب السماء بمودة وتعلن فورتها الدائمة إزاء سيئات البشر، وتبقى رغم كل شئ مصدر الدفء الذي يسري قي جسد من تحب.
وهنا انتقاله الشاعر الجميلة حين يتذكر انه دائما يحتاج إلى الحس الأنثوي وبدونه تعود الحياة جدباء وحتى الشمس تصبح ليست بذي فائدة إن هي لم تتشهى تلك الحلمتين اليانعتين، وبعد رحلة النشوة هذه يعود الشاعر إلى حيث القسوة:


جنود التماسيح
تجتاح القرى
والمئذنة الخضراء
تطحن قلبي
بين تلتين.


انه اللاتماثل الحياتي الدائم، فالجميل يقابله الردئ، والحياة لا يمكن أن يدعها الآخرون وردية هكذا، فهناك مخلوقات فضة لا تحب هدأة ولا تسعى لسكون، لتتحول إلى تماسيح تلتهم الأبرياء والوديعين وتحيل اخضرار المدن إلى حرائق دائمة... ثم تبكي عليها ندما بدموع الزيف، وبين هذا وذاك، يظل قلب الشاعر يتلظى وهو متشبث بالأمل دائما.
أما أغنيات الشاعر سعيد الوائلي للوطن فيغرّدها هكذا:


أية غيمة محملة بعبق القمر
أية رجفة بلون الشظايا
تردد أسماءنا
تحفر قبورا من الليمون
هناك.. يرددها الشعراء


القمر عند الشاعر الوائلي ترميز له وطأ كبير، ذلك انه شديد التعلق بالقمر ولعله يرى وجه الوطن فيه حتى وهو على بعد آلاف الأميال، والغيمة دائما محملة بالمزن وفي ذات الوقت يريدها أن تحمل عبق القمر لترحل حيث ترك قلبه وذكريات الصبا هناك لتمطر في ذات المكان، قمرا لتضئ الأمكنة الدامسة.
رغم شساعة الأمكنة، فالأسماء في ولادتها ونحتها جدران البيوت الوطيئة هناك، تظل بكوارث حروبها وحقد شظايا تلك الحروب، تبقى رسومات وجد ومحبة... حتى وان عادت قبورا أو شواهد للمغدورين من الشعراء إنما هي في حقيقتها قبور ليمون تعطر دائما بشذاها وعبقها تفاصيل المكان.
في نصه (حلم) يقول الشاعر سعيد الوائلي:


احتضن بيدي عمري
وناقلتي صبري
واسطّر تاريخ حكايتي
على ورق من ماء


الشاعر دائما منذور للآخر وللمكان والتاريخ عمرا وطيبوبة وبهاء، لكنه يسطّر هذه الأشياء جميعا على ورق من ماء، ويعشق صبية من ماء، ويموت على حافة نهر، ويدفن في قبر من الليمون... ما أعذب هذه النهاية رغم فداحة الفقد، انه قدر الإنسان العراقي الذي يحيل الخراب والمداخن والدماء النافرة والأشلاء المتناثرة والبكاء المرير الذي يلعلع في كل الأرجاء والكوارث التي باتت قدر المظلومين، إلى فسحة أمل قد تبدو بعيدة المنال، لكنها الشكيمة في مواجهة النوازل الرعناء.
كل هذه الصور المتواترة يلتقطها الشاعر بوجع أعمق وإحساس قاتل ليحيلها إلى ملاحم لشعب لن يموت وارض لن تفنى أبدا.
إنها حالات تشكل محطات مهمة في جل نصوص الشاعر الوائلي، لتعلن بوضوح انتماءها إلى جغرافية المكان والجسد والانتماء وهي لعمري، موهبة كبيرة، حين يوظف الشاعر كل هذه التفاصيل بنصوص تتلألأ أمام القارئ لتوفر تلك المؤانسة والمتعة في قرائتها والغوص في متونها العارفة بدهاليز حرفية الإبداع الشعري الباذخ.

الهدف الثقافي : ( لا ... لن يحترق القمر )غلاف ديوان الشاعر العراقي سعيد الوائلي تصميم الدكتور مصدق الحبيب

تصميم الفنان المبدع الدكتور مصدق الحبيب.


اسم الديوان: لا .. لن يحترق القمر
الشاعر : سعيد الوائلي
الديوان معد للطبع وينتظر الصدور.

جــواد وادي




 

 

سعيد الوائلي

 

سيـــرة ذاتيـــة / 2008

 

1 -    شاعر وإعلامي وناشط في حقوق الإنسان ومترجم  عراقي.

2 -  مؤسس ومدير تحرير: الهدف الثقافي

3 -   احد المساهمين في الانتفاضة الشعبانية المباركة في عام 1991

4 -  لاجئ سياسي في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1992 وساهم في الكثير من النشاطات الثقافية والأدبية في ديترويت، وقدم عددا من الأمسيات الشعرية  والأعمال المسرحية وأسس " المركز العراقي الأمريكي للثقافة والفنون " ثم أخيرا " شبكة حقوق الإنسان العراقية - أمريكا- .

5 - نشرت له  مؤسسة "Noble House "اللندنية   العديد من النصوص باللغة الانكليزية .

6 - فاز بلقب سفير الشعر العربي لعاميّ  2007 2006 /  award certificate  / مكتبة الشعر الدولية .

7 - ، طبعت بعض قصائده مع باقة من شعراء أمريكا بمجلدين مطبوعين تحت عنوان   Deluxe Hardbound Edition    

8 - طبعت بعض قصائده على  (CD ) تحت عنوان  The Sound of " Poetry  " مع أفضل ثلاثة وثلاثين شاعرا أمريكيا لعام 2006.

9 -  فاز بجائزة الشعر الأولى لعام 2007 / مكتبة الشعر الدولية .

10 – ستطبع له "مكتبة الشعر الدولية " قريباً ديوانه الأول باللغة الانكليزية تحت عنوان  ((No... The Moon Won't Burn )) لا ... لن يحترق القمر.



 

التعليقات

  الاسـم
  الموضوع
  العنوان

 

 

 

 

 

 

 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الهدف الثقافي

Copyright © 2005 [tahayaty@yahoo.com]. All rights reserved
Revised: 05/01/08