بحـــوث ودراســـات


 

 

 

 

 جدليات متصارعة في (ألتماس)
سعيد الوائلي (الحلقة الاولى)
 

 

 الهدف الثقافي : د. مجيد حميد الجبوري

الإثنين 05 مايو 2008 00:19 GMT


مدخل عام
1- عندما تقرأ أي قصيدة من قصائد الشاعر (سعيد الوائلي) ، فأن عليك أن تتوقف طويلا أمام كل صورة من صورها السوريالية المتداخلة مع بعضها؛ تداخلا غريبا ، وأن تحاول تفكيك ذلك التداخل ، لعزل كل صورة عن غيرها أولاً ، وبعد أن تحل طلاسمها ، تعيد تركيبها مع قريناتها من الصور ثانية ، فلا يمكنك تحقيق فهم لأي قصيدة من قصائد ألا بعد المرور بهذه العملية الطويلة المعقدة ، وهذا ما يجعل قصائده صعبة الفهم على القارئ العادي ، وتتطلب قارئاً متمكنا صبورا ، ذو ذائقة عالية في تلقي الشعر، حتى يتمكن من التواصل مع هذا الشاعر ، وهذه أولى إشكاليات شعر (الوائلي) ، فقصائده موجهة للنخبة ، وهي غير موجهة لعامة القراء.
2- بالرغم مما تقدم فأن من يمكنه التواصل مع قصائد الشاعر ، سيجد أن هناك نسغاً خفياً يربط القصائد جمعيها ، بإمكان المتأمل الإمساك به بين الحين والأخر ، فـ (الوائلي) في قصائده يتميز بروح المراوغة والغموض غير المبررتين – بحسب ظني - ، ولربما هذه الروح عائدة إلى طبيعة شخصية الشاعر الكتومة ، التي لا تفصح عن دواخلها ألا لماماً.

قراءة في قصيدة (ألتماس)

في قراءتي لقصيدة (ألتماس) التي كتبها الشاعر في 5/4/2004 وجدت أنها تشتمل حكاية لأناس يحملون ألتماسا للرب ، ألتماس يحمله العراقيون الموتى منهم والأحياء ، يرفعونه لافتة أحتجاج موجهة إلى السماء ، موجهين نداءً داميا إلى رب كل السموات والأرضين ، خالق الكون ، صارخين بأعلى أصواتهم (أما آن لنزيف الدماء المستمر أن يتوقف).
في بداية القصيدة تصدمنا عبارة ((ها هنا)) ، فالـ (ها) – هنا – أداة تنبيه تفيد التوكيد على أسم الإشارة ( هنا) ، حيث ينطلق سؤال الشاعر من المكان المحدد الذي يقيم فيه الآن ، وهو مكان (تخثر فيه زمنه) ، والشاعر – هنا – يفصح لا إراديا عن جرح قديم نزف دماُ في زمن مضى ، غير أن النزف أنقطع ؛ بعد أن جف الدم وتخثر ، ربما هو- الآن – متماثل للشفاء غير أن أثار جرحه ما زالت ماثلة لعينيه .
أن المستوى الأخر الذي تحمله هذه الافتتاحية الصادمة (( ها هنا الزمن يتخثر....)) تدل على وجود زمن متوقف ، وهي تشير إلى الإشكالية الأساس لهذه القصيدة ، والمتمثلة في صراع بين تدفق للدم في مكان بعيد عن الـ (هنا) يفصح عنه السطر الأخير من القصيدة وهو(( العراق)) ويمثل وطن الشاعر وأنتماؤه الذي يفترض أن يمنحه الأمان ، وبين توقف للدم في مكان آخر بعيد كل البعد عن نفسية الشاعر وأرادته ، أجبر على العيش فيه مضطرا هو الـ (( هنا )) الذي يشعره بالأمان ؛غير أنه غريب عنه. فأي مفارقة هذه؟! أن تنزف جراحك دما ، لا مجال لتوقف تدفقه في وطنك ؛ وأن تندمل جراحك ويتوقف نزفك في غربتك ؛ بعيدا عن وطنك؟! بل أي سخرية مريرة هذه: أن تتدفق دمائك نازفة في مكان خلقت فيه وأنتسبت إليه ،ويفترض أن تعيش فيه سالما معافىً ، في حين تتيبس جراحك ويتوقف نزفها وتتخثر في زمن غربتك ؛بعيدا عن وطنك ؟!!
جدليتان متداخلتان في الزمان والمكان تحملان نقيضين متضادين يتجاوران معا ، بعد أن يجبرهما الشاعر على المواجهة بين ((هنـا)) الغربة ، حيث لا وجود لإنسان غير الشاعر بمفرده حاملا وشم جرحه المتخثر ، وبين (هناك المسكوت عنه ) الذي يمثل (( العراق )) البعيد الذي يراه الشاعر مواكب وأحتفالات وشموعا (( تنقط دماً قرمزياًً )) ،و يتمنى الشاعر في – لاوعيه – أن يكون وسط تلك الجموع الحاملة لجراحها ، ألا أن وعيه يمنعه ،فزمنه توقف هنا بل تخثر .. فهل هو شعور بالعجز والإحباط واليأس ، هذا الذي يشعر به الشاعر هنا ؛ أم انه تساؤل وجودي كوني لا يحسن الإجابة عليه؟ ربما يميل انطباعنا لترجيح الاحتمال الثاني، لأن قراءة سطري الافتتاح تشي بأن الشاعر لا زالت لديه القدرة على رؤية (( الكون الفسيح والميادين اللامتناهية وعتبات الكواكب السيارة)).
والملاحظ أن الشاعر في النصف الأول من قصيدته الذي ينتهي عند كلمة (( ثم )) – التي تشكل أنعطافا في القصيدة – نراه يميل إلى الإكثار من ذكر الأماكن ، وكأنه يريد أن يورط كل تلك الأماكن في قضيته ((هنا ،الركن الفسيح ، الميادين اللامتناهية ، عتبات الكون ، كل مكان )) أو أن يجعل من قضية تخصه هو ، قضية ً إنسانية كونية تخص كل تلك الأماكن ، أو أنه يريد أن يشير إلى أن كل الجروح في كل تلك الأماكن يمكن أن يتوقف نزيفها ويمكن أن تندمل ، باستثناء جرح العراق. وهو بذلك يلقي مسؤولية هذا الجرح ، لا العالم الأرضي فحسب ، وإنما يحمل الكون كله تلك المسؤولية.
بعد كلمة (( ثم )) تنتقل القصيدة الى تصوير مشهد سينمائي يتضمن العديد من اللاقطات العامة التي تصور مسيرات تتهافت من كل حدب وصوب ، ولقطات لأحياء يولدون ، وأخرى لأحياء يموتون ، ثم تتقدم (كاميرا) الشاعر لتصور المستقبل في لقطة تنبوئية لمن سيولدون مستقبلا ، وجميع هؤلاء (من ولد وظل حيا ، ومن ولد ومات ، ومن سيولد مستقبلا) يراهم الشاعر (( يحملون بأيديهم شموعاً / تنقط دما قرمزياً)) وفي ذلك أشارة إلى أن الشموع أرتبطت لدى العراقيين بالموت أكثر من أرتباطها بالحياة ، فهم يشعلون الشموع في اليوم الثالث لوفاة أحدهم ، ويشعلونها في اليوم السابع لوفاته ، ويشعلونها في اليوم الأربعين بعد وفاته ، بل أنهم يشعلونها كلما أتيحت لهم فرصة لزيارة قبور موتاهم.

الشاعر والاعلامي العراقي سعيد الوائلي

الشاعر والاعلامي العراقي سعيد الوائلي في لقطة نادرة من سبعينات القرن الماضي في مدينة بغداد ويظهر خلفه من بعيد -نصب الشهيد

من جانب أخر فأن المقطع الذي يجمع فيه الشاعر الأجيال المتعددة - في مسيراتها المتهافتة من كل الأنحاء – يشير هذا المقطع إلى حركة زمن تتدفق متوالية : ماضي – حاضر - مستقبل (( من كل الأحياء الذين ولدوا/ وماتوا.../ من الذين ولدوا / ومازالوا أحياء.../ ومن الذين سيولدون!)) وهو هنا يؤكد على أن قضية هؤلاء ومسيراتهم المتوالية ستبقى مستمرة ، ولانهاية لها ، مادامت دائرة الزمن دائرة.
أما اللافتات التي تحملها مواكب المسيرات ، فقد أقتطعت من السماء أقتطاعا ، ولم تكن قماشا يفصل أو يخاط ، بل أن العراقيين أقتطعوها من زرقة سماءهم الصافية ، وتلك ميزة يتفردون بها عن غيرهم ، فهم على خلاف الغير ؛ بإمكانهم أن يحملوا قطعا من السماء ، لأنهم ذوو أرومة ومجد وحضارة ، وهي سمات تؤهلهم لحمل تلك القطع السماوية.
هنا تأتي المفارقة الصارخة ؛ وهي أن كل تلك القطع السماوية كتب عليها عبارة (( ربّاه ،/ ألا تكفي الدماء التي أريقت / على تراب العراق ؟؟)) أن علاقة الدماء بالسماء ، تذكر العراقيين؛ بالدماء التي ألقاها الأمام (الحسين ((ع))) يوم الطف في وجه السماء ، ولم تنزل منها قطرة واحدة.
من ناحية أخرى ، يلاحظ أن الشاعر قال (تراب العراق) ، ولم يقل (أرض العراق) ، فقد أختار التراب لأنه ذو طبيعة مسامية تتشرب الدماء وتمتصها وتخفيها بعد فترة وجيزة ، ويمكّنها ذلك من أستيعاب المزيد من الدماء الأخرى ، غير أن الأرض ذات طبيعة صلدة أذا أريقت عليها الدماء فأنها تتجمد وتبقى متخثرة على سطحها مشكلة علامة بارزة ، وكأن الشاعر يوحي إلى أن الدماء ستبقى نازفة على تراب العراق إلى زمن غير منظور.
يستنتج القارئ المتمعن لـ (ألتماس) الوائلي ، إن الشاعر يحاول في ألتماسه هذا أن يقدم عدة جدليات متداخلة متصارعة ؛ لا نهاية لتصارعها ، يبدأها بجدلية الزمان والمكان ، ويداخل معها جدلية الزمن في متواليته الثلاثية التي تجمع بين أجيال مختلفة في زمن واحد ، وهذا ما يشير إلى جدلية ثالثة تتمثل بأحياء وأموات وأبناء سيولدون مستقبلا يسيرون جنبا إلى جنب في تظاهرة أحتجاج مرفوع إلى الرب ، بعد أن يأسوا من البشر ، وجميعهم الأحياء والأموات والذين سيولدون يحملون علامات موتهم المتمثلة بالشموع التي تنقط دما قرمزيا ، فضلا عن تداخل كل تلك الجدليات مع جدلية التساؤل الكوني الأخير الموجه إلى الرب.
مستويات متعددة متداخلة تجعل القارئ أزاء لوحة كونية تحمل أشكالا تنضح دما لا سبيل لإيقافه .. مشكلة صورة العراق..كما يراها الشاعر.

د. مجيد حميد الجبوري
البصرة/العراق
3/5/2008


draljupory@yahoo.com
- m.algoboury@yahoo.com
- aljupory@hotmail.com
 

التعليقات1


   وهيب نديم وهبة
كلمة وتحية للدكتور : مجيد حميد الجبوري
تحية من القلب لهذا ( البحث ) في جوهرة مكنون الذات / النفس /
أنتَ َتبحر في أعماق الشاعر وفي جوهر اللغة " كما البحر "
كي تخرج اللؤلؤ ( من جسد القصيدة ) يستحق شاعرنا المتألق دائمًا
المزيد من البحث والدراسة خاصة وشاعرنا " السعيد " هو والوطن
العراق ( الروح والجسد )
بكل والود وهيب وهبه
 
 

 
 

الاسـم

 

الموضوع

 

العنوان

 
 
 
 
 

 

الصفحة الرئيسية

 
 

 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الهدف الثقافي

Copyright © 2005 [tahayaty@yahoo.com]. All rights reserved
Revised: 05/09/08 / Tel :313-615-0053