| الهدف
الثقافي : د. مجيد حميد الجبوري |
الجمعة 16 مايو
2008 22:09 GMT |

يولد الإنسان مرتين ، مرة من بطن أمه ، وأخرى عندما يبعث من قبره
بعد الموت ، وهي ولادة ثانية ، يعيشها بعدها الإنسان في كنف الحياة
الآخرة الأزلية ، وهي حياة لا موت بعدها ولا ولادة ، ألا أن (الشاعر
الوائلي السعيد) بطبعه المشاكس ، يحاول مشاكسة هذه القدرية
المحتومة ، مفترضا أمكانية وجود ولادة ثالثة وذلك في قصيدته
الموسومة
((الولادة الثالثة)) التي
كتبها في (ديترويت في 10/2/2004)،
وهي ولادة متجددة أزلية ؛ تتجدد ((كلما))
أطال الشاعر النظر في السماء ورآها ((زرقاء...فسيحة
صافية / وبعيدة...)) بُعد ذلك الفراغ الذي يفصلها عن حسرة
الشاعر التي يتردد صداها طويلا (( آآآآأأه))
و بُعد كلمة ((بعيدة....)) التي
يتبعها فراغ واسع سواءً على صعيد الرسم الطباعي للكلمة أو على صعيد
القول اللفظي والنفسي الذي يعتمل في دواخل الشاعر، وهي مسافة شاسعة
لأنها تفصل بين عالمين ؛ عالم السماء الذي علق (الله) جنته فيها ،
وعالم الأرض/ الجحيم الذي يعيشها الشاعر. ولو أخذنا التساؤل
الوجودي الكبير ((يارب / لمَ لا تخلق الجنة
على الأرض؟)) بمعناه السياقي الوارد في القصيدة ، فإننا نجد
في ثناياه أعتراضاً للشاعر على الذات الإلهية ، وعتابا، مليئا
بالحسرة والألم ((آآآآآآه)) على الرب
– عز وعلا – كونه لم يخلق الجنة على الأرض ، بل خلقها في السماء ،
لكننا نجد أن الشاعر – كما نحسب – أراد غير ذلك، إذ أن ماورد في
السؤال أستعارة مجازية لمعنىً مغاير ، فهو عندما رأى الجنة بعيدة
عنه ، فأنه رأى فيها العراق ، وهو بعيد عنه كبعده عن الجنة ، فجنة
الإنسان على الأرض هي وطنه ، لكنه عندما يعيش بعيداً عن هذه الأرض
/ الجنة ، فلا شك أنه يعيش على الأرض / الجحيم ، لذا وبالرغم من
المراوغة القدرية التي يسوقها الشاعر هنا ، وبالرغم من السؤال
الوجودي الجرئ الذي يواجه به الشاعر؛ الرب ، فأن ظننا يذهب إلى أن
الشاعر – الذي نعرف عنه التزامه الخلقي والإيماني ، أنما يريد
بسؤاله جنة / الأرض التي خلقها الرب في العراق ، والتي غيبها الآن
جحيم / الأرض الذي يحدث في العراق. ودليلنا على ما ذهبنا إليه من
أعتقاد؛هو ذلك الفراغ الذي يأتي رسما على شكل سطرين يمتلئان
بالنقاط ، ويأتي لفظا في المسكوت عنه من كلمات تعقل اللسان دهشة
لما تجرأ به الشاعر من سؤال أستنكاري، لذا فأن الشاعر يستدرك على
ما جمح به خياله، خلال التساؤل الوجودي العنيف ، فيعتذر متعللاً
بوصف حاله ، وحال جميع الذين فقدوا أبائهم * ، وأصبحوا يتامى
يتراكمون فوق بعضهم في طوابق بنوها بأيديهم ، وهم
(( مرتبكون)) خوفاً في
((الليل / والظلام)) ، وهم ليسوا ألا
صوراً محروقة علاها السواد والسخام (( كفحم
منثور)) ،متسلحون بصبر يتدفق شررا كالشرر الأخضر الذي يتدفق
عندما تضرب حوافر الخيل المسرعة ؛ حصى الأرض المتناثر تحتها، أنه
صبر غاضب يقدح ناراً، بالرغم من ارتسامه على وجوه كالحة سوداء
كالفحم .
أن هذه الصور المتضادة التي يضعها الشاعر وجهاً لوجه أزاء بعضها
تنتج توترا دراميا ، فهناك ((شهب خضر))
يقابلها ((ليل)) وهناك
((ظلام)) يسري داخل بنايات من طوابق
عديدة ، وهناك ((يتامى كثيرون))
يتراكمون فوق بعضهم يعتريهم ((خوف وأرتباك))
يحولهم إلى ((فحم منثور)) ، كل هذه
العناصر الصورية التي يجمعها الشاعر في لوحة واحدة تحمل في طياتها
توترا كبيرا ، تجعل اللوحة عصية على الفهم حتى على المتلقي ذو
الذائقة الشعرية العالية ، أذا لم يكن على دراية وأدراك وفهم
للعلاقات التي تترأى في – لاوعي الشاعر - . أنها لوحة سوريالية ،
على المتلقي أن يقف طويلا أمامها متأملاً كي يفهمها.
|

الشاعر
الوائلي السعيد من امام البيت الابيض - واشنطن |
بعد تلك
اللوحة المحتشدة بالصور، تأتي أحتمالات الولادة الثالثة ، فاليتامى
الواردون في هذه اللوحة ، قد يمثلون هم الولادة الثالثة التي أشار
لها الشاعر عنوانا لقصيدته ، وهم معلقون في وسط الطريق بين السماء
والأرض ، وهي ولادة ميتة ، بفعل الموت الذي أحرقهم وجعلهم فحما
منثورا في الطرقات ..وهاهي أرواحهم تحتضنها الملائكة هاتفة بنداء
مدوي يشق عنان السماء ألما ، ويجعل النجوم تتساقط
(( كحبات الرمان)) مدماة هي الأخرى ،
ولا أدري هل يقصد الشاعر الإشارة إلى أن موتتنا المفخخ على الأرض
طال بمداه حتى النجوم؟!! أم أن الشاعر يشير إلى أن نداء الملائكة
الحاملة لجثث اليتامى هو الذي أسقط النجوم وأدماها ؟؟!!! أسئلة
محيرة يتركها الشاعر بلا إجابة ، فيما خلا الإشارة إلى أن تلك
النجوم (( تتساقط كحبات الرمان / في صحن
كوثر)) .
ظاهريا وعلى مستوى السياق اللفظي وتوالي الصور ، يتابع الشاعر رحلة
هؤلاء اليتامى ((الفحم المنثور))
ويراهم – بعد أن يجعل نفسه واحداً منهم * – يتقافزون ويمرحون
ويطوفون في فضاء السماء الزرقاء الفسيحة يتصيدون
(( الأقمار الضاحكة)) تصحبهم الملائكة صامتة ؛ بعد أن أوصلت
نداءهم إلى الرب.
وهنا تأتي مراوغة جديدة من مراوغات الشاعر ، فهو يصدم متلقيه بصورة
حلمية : إذ يغريه – أول الأمر – بصورة رومانسية مرحة ، ثم يصدمه في
نهاية المقطع الشعري ، بتصريح صادم يعلن فيه : أن كل ما قيل كان
حلماً ، وأن هذا الحلم هو (( حلم / لم يولد
بعد....)). أنها تلافيف أحتمالات تراكمت بعضها فوق بعض ،
جعلت المتلقي في حيرة من أمر هذا التكثيف المبالغ به ؛ لتلك الصور
التي يختزنها الحلم الذي (( لم يولد بعد)).
ثم يلحق ذلك أحتمالات أخرى لمعنى الولادة الثالثة التي يفترضها
الشاعر في قصيدته هذه ، تلك التي تفصح عنها الصورة الأكثر تفاؤلاً
بالنسبة أليه ، والأكثر غموضا بالنسبة للمتلقي ، فجمعينا – ولربما
يقصد العراقيين – (( نأتي من العدم))
، أي أننا نأتي من الموت ، وربما أنه يشير هنا إلى أن ولادتنا تأتي
من رحم الموت ** ، أو أنه يريد التنويه ، إلى أننا وبالرغم من كل
الموت الذي يحيطنا ، نستطيع أن نولد ولادة ثالثة ،هي غير ولادتنا
الثانية القدرية التي أشرنا لها في مفتتح قرائتنا هذه .
أحتمالات متعددة تم التصريح ببعضها ، وتم الأيحاء ببعضها ، وتم
السكوت عن بعضها ، وجميعها ولادات يكتنفها الغموض الذي يؤشره
المسكوت عنه بعد (( خطانا .........../
رائحتنا.............)) ، حيث تدلل الفراغات المتروكة رسما
ولفظا ومعنى إلى عدم المعرفة بتوجهات تلك الخطى ، وعدم وضوح
الرائحة المنبعثة من تلك الأجساد ((الفحم
المنثور)) ، فتلك الخطى وتلك الروائح لا تنضح ألا
((طلاسم))
ولكن الأهم من كل ما تقدم فأننا نبتدأ – دائما – من جديد فـ
((نبعنا الأبدي / قد أبتدأ))
ولعمري قد تكون تلك هي الولادة الثالثة التي يعنيها الشاعر.
من المفيد أن ننوه إلى أن هذه القصيدة جاءت في تدفقها بشكل مغاير
للسياق الذي جاءت به قصيدة ((ألتماس)) التي تعرضنا إليها في
قرائتنا السابقة ، فهذه القصيدة ابتدأت بتأمل شفاف ، وانتهت بتأمل
شفاف ، ففي الأولى احتجاج وغضب ، وفي هذه عتاب ولوم تشفه رومانسية
واضحة بالرغم من العنف الفكري الذي يسم سؤالها الوجودي. حتى أن
الألوان التي يأتي بها الشاعر في هذه القصيدة هي أقل حدة من
الألوان التي وردت في القصيدة الأولى ، ففي هذه القصيدة يهيمن
اللون الأزرق والأخضر ، أما اللون الأسود فأنه من المهيمنات التي
سيتكرر ظهورها في اغلب قصائد الشاعر، وربما يفهم كل عراقي هيمنة
هذا اللون ، لأنه يصادفه في كل مكان يذهب أليه معلقا على الجدران ؛لافتات
ينعى بها العراقيون موتاهم منذ أكثر من ثلاثين عاما ؛ وهم يدفعون
أبنائهم في محرقة الحروب التي مضت ، والتي تجري كل يوم حاليا.
هوامش مهمة
* فقد الشاعر أباه في عام 1982 وأصبح يتميا
عندما أقدم النظام الصدامي المقبور على قتله بالسم.
** فكرة الولادة من رحم الموت هي فكرة
رومانسية ، حيث أنهم يرون أن لا ولادة لجديد ، بغير موت ما هو قديم.
د. مجيد حميد الجبوري
البصرة/العراق
3/5/2008