
الفراشة
البيضاء
قصة قصيرة
تتهادى ليلى مثل
فراشة بيضاء في ممرٍّ ضيق يترنّح بين الجبل والوادي، ثملاً
بأريج الأزهار البريّة العبقة، المشرعة لعناق أشعّة شمس
الصباح الوليد، المضمّخة بقبلات الربيع الغضّ وأسراره. قبل
هنيهة انسلّتْ وحيدة من قريتها الغافية بوداعة على ظهر
الجبل، المُكفّنة ببقايا ثلوج الشتاء الراحل.
بين النوم واليقظة، يمّمت وجهها نحو المدينة الصغيرة
المجاورة، وسارت بخطوات رشيقة سريعة تحت ظلال أشجار
الزيتون والليمون والزيزفون، التي تهدهدها النسائم
وتداعبها الأطيار. وفي فؤادها تترنّم أُمنية قديمة تتجدّد
مثل مياه النبع كلّما سلكت هذا الطريق، وهي ترتدي ثوبها
الأبيض النظيف البالي، مثل فراشة بيضاء شابَ أجنحتَها طرزٌ
خلّفه الغبار.
وعلى الحدود الباهتة بين الحُلم والواقع، أخذتْ قدماها
تربتان على الأرض في سير حثيث كما يضرب مجدافا قاربٍ صفحةَ
الماء، وراح رأسها يندسّ ـ كرأس نخلة شامخة طويلة ـ في
سحابة بيضاء مُحلِّقة بين الأرض والسماء، وطفقتْ تسترجع في
ذاكرتها عبارات وأحاديث تنعكس معانيها على قسمات وجهها،
فتشرق عيناها بابتسامة حييّة تارة، وتنضمّ شفتاها بحركة
حازمة تارة أخرى.
ـ " كلُّ زميلاتك وزملائك، يا بنيتي، اكتفوا بإكمال مدرسة
القرية، وانصرفوا لمساعدة ذويهم في المنزل والحقل."
ـ " ترقص في قلبي، يا أمي، آلاف النغمات كلما استمعتُ إلى
الدرس وعانقت أذنيّ الكلمات."
ويتسرّب هواء منعش إلى رئتيها وهي تواصل خطواتها الرشيقة
السريعة، وكلّ خطوة تخطوها تقرّبها من حلمها، فتكبر ملامحه
في باصرتها، ويزداد توهّجاً في بصيرتها. ويحتلّ هذا الحلم
اللذيذ أنواء أحاسيسها فيجعل من الكيلومترات العشرة رحلة
يسيرة في امتداد الزمان وانحناء المكان.
ـ " والمدرسة الأخرى بعيدة، يا ابنتي."
ـ " ولكنها أقرب شيء إلى قلبي، يا أُمّي، سأطوي المسافة
مشياً إليها."
وتمرّ فوقها سحابة داكنة عابرة، فتحجب أشعّة الشمس عن
وجهها للحظات، ثم تتوارى السحابة المسافرة وراء الجبل
لتبقى السماء صافية زرقاء، فيما تتنافس ظلال الأشجار وأشعة
الشمس المتسربة من بين الأغصان على احتلال بشرة وجهها
البيضاء المشربة بحمرة الفتوة.
ـ " ومَن يعينني وأباك، يا ابنتي الوحيدة؟"
ـ " تشرق في عيني، يا أُمّي، آلاف النجمات كلّما لمحت
الكلمات مرسومة على اللوحة. سأفعل كلّ شيء تطلبين، سأسهر
الليل لعمل ما تريدين."
وتطرق برأسها وهي تحثّ السير، وتتخيّل رعشة الفرحة وحرارة
اللقاء حين تلِج ـ بعد وقت قصير ـ مدرستها ذات الأسوار
العالية والأبواب الواسعة والساحات الفسيحة. وترفع رأسها
فيتراءى لها ثلاثة أشباح على الطريق الضيق، حسبتهم أوّل
مرّة، بفعل الظلال وتحولات الضوء، ذئابا ثلاثة، ولكنّها
سرعان ما تبينتهم رجالا قصار القامة قادمين نحوها،
ونظراتهم مصوّبة تجاهها كنصل السكين. وما هي إلا لحظات
حتّى اقتربوا منها ووقفوا أمامها مثل جدار.
قال أحدهم وهو يتصنّع ابتسامة : " تعالي معنا."
ـ " لماذا؟ أنا ذاهبة إلى مدرستي."
ـ " نعرف ما تفعل البنات في المدينة وهنّ يتذرّعن بالمدرسة."
والتفّ أحدهم ليقف خلفها. وفيما كانت تهم بالانفلات عازمة
على مواصلة السير شعرت بضربة على مؤخرة رأسها وغابت عن
الوعي.
وحين فتحت عيناها ألفت نفسها وسط أجمة في بستان وقد تقطّعت
أجنحة الفراشة البيضاء واصطبغت ببقع من لون أحمر قانٍ، وفي
أعماقها أنين لا ينقطع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ من مجموعة قصصية جديدة للكاتب تصدر عن دار
الثقافة في الدار البيضاء في كانون الثاني/يناير 2008.
kasimi@menara.ma