قصـة قصيـرة


   

 

 

موعد مع العصافير


 

الهدف الثقافي : خالد الوادي

الجمعة 26 ديسمبر 2008 23:26 GMT

 

الهدف الثقافي

 


ها هي العصافير المبللة تنقر زجاج نافذتي .. يفزعها هدير المطر الهاطل مدرارا في ذلك الصباح الكئيب .. حدثتها عن ذلك المشهد وقلت : اتعلمين ان فزعي يشبه هلع العصافير وهي تغادر شجرة السدر التي توسطت بيتنا .. اتعلمين مقدار حزني ؟؟ انه كما الصباح المحمل بالهموم .. لماذا لا نعود من جديد كما كنا .. نتقاسم الضحكة ؟.. نحن متشابهان، اجل تربطنا تفاصيل كثيرة .. احلامنا البسيطة .. ارقنا المستمر وحزننا اللذيذ والبكاء الذي لا مبرر له احيانا .. هكذا نحن نشبه الحزن .. ونتطلع الى افاق بعيدة لكننا بالمقابل متشبثون بالمكان والذكريات ...
اشعرتني انها مصرة على الرحيل الى البعيد المجهول وقالت :
ـ لا يمكنني ان استمر بهذا الصراع الذي اخذ اشكالا مختلفة وتعمقت به خلافاتنا التي باتت كما نحن بضياعنا وانشطاراتنا وتمزقنا الغائر المنقسم كفتات خبز يابس.. لقد تيبست مشاعرنا واصبحنا بعيدين !
تحركت من مكاني .. فتحت النافذة التي تلطخت بوحل مخالب العصافير النحيلة ومناقيرها الرطبة .. ومن دون خوف دخلت تلك العصافير واستقرت في اماكن مختلفة من الحجرة لتذبل كما النباتات التي تسلقت اجزاء من الجدران واستقرت تنفش ريشها وتهزه هزا عنيفا ..
جاء صوتها هادرا.. الووووووووووووو
ناديت هاتفا :
ـ هكذا الحب .. لا يعرف الهدوء ، يصنع لنفسه الاستمرار من خلالنا .. من خلال تصرفاتنا وتهورنا الذي ينشط فينا المشاعر ويجعلنا نستمر رغم انوفنا .. انه اكسير الحياة كالماء حبيبتي ..انا لا استطيع ان افارقك .. ربما انت آخر محطاتي في الحياة .. ها هي العكاز بجانبي اتوكأ على طرفها لانني اتألم .. فلا تكوني قاسية معي لانك لا تمتلكين ادوات القسوة كما اعلم ، رميت معولها منذ زمن بعيد واصبحت كصباح مشرق !
آه ... تنهدت كالريح وقالت :
ـ هل تعلم .. لا اشعر اني حبيبتك كواقع لعلاقتنا البعيدة .. بل عشيقة تنظر لها باحتقار وتحتاجها حين تكون لك رغبة بذلك .. تمارس معها طقوسا مورست منذ ملايين السنين بين الحيوانات والبشر على حد سواء .. بماذا تتميز عن هذه الحقيقة ؟ انك تغادرني وكأنني مومس قذرة .. تخاف من حزني حين احزن .. وخوفي من المستقبل الذي نتحدث عنه مرارا ، لكنك تهرب .. تغادر اللحظة التي اكون بها واقعية .. اتعلم ان ازمتي معك تكمن باختلاف نظرتنا للواقع ! لانك رجل ليس واقعيا .. واثبت لي ذلك مرارا حتى ايقنت ان استمرارنا عبث ، كونك مستعداً للخيانة في اية لحظة .. اهواؤك كالمغامرة التي نشاهدها في الافلام التجارية .. ننساها بسرعة .. فدعني انساك ..
ـ تحركت العصافير بعدما شعرت بالدفء .. انها تبحث عن الطعام ، لم تكن خائفة مني .. بادرت بحمل حفنة من الرز وضعتها على الارض الباردة .. وانطلقت تلك العصافير تلقط الحبات بنهم ، تتقافز بمرح مجنون فيما المطر راح ينزل كثيفا .
الوووووووووووووووو
جاء صوتها ثانية بعد انقطاع قصير ..
قلت :
- هل تدركين مقدار حبي لك .. الا تعلمين اني اهدهد ثنايا روحك والملم دائما بقايا مرحك المنتحر .. اني اجدد فيك الشباب كما اعتقد .. اصفك بالرائعة التي تقرأني وتنجح بامتياز اذا كنت انا مادة للامتحان .. فلماذا ثورتك تلك التي لا تحمل فكرا يقنع الجماهير لمؤازرتها .. اشبهك بهذه اللحظة بالمتمردة التي تريد امتلاك الاشياء ليس لشيء سوى لانها تحب التملك ..
توقف المطر .. وخيوط من الشمس داهمت الحجرة بانعكاس مذهل جعل العصافير تتجمع عند النافذة المغلقة باحكام .. وراحت تنقر الزجاج من جديد .. كم راقني ذلك المشهد وتلك اللغة الراقية التي مارسنا حوارنا من خلالها .. كان الحب طافحا من محيا تلك الطيور البريئة .. حب يشبه الامل ويشيع الاصرار على الاستمرار في ممارسة الحياة .. فتحت النافذة لتنطلق العصافير تجاه السماء التي تشققت غيومها وتبعثرت .
ـ الووووووووووو
- ساغادرك .. هذا ما قررته !
ـ هي النهاية اذن ؟
ـ مع السلامة!!.

 

wadi24@yahoo.com


 

التعليقات

 

  الاسـم
  الموضوع
  العنوان

 

 

 

 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الهدف الثقافي

Copyright © 2005 [tahayaty@yahoo.com]. All rights reserved
Revised: 06/02/10 / Tel :313-615-0053