أين كنتَ يا مطر؟


 

 

الهدف الثقافي : ميديا كدّو

الخميس, 7/ كانون الثاني, 2010, 17:15 GMT



لما تأخرت كلّ هذا القدر يا مطر؟ أين كنت يا صديق التائهين والمتعبين، يا ناجي الفقراء والمساكين، أين كنت لتخفف من عبء الأيام شيئاً، فقد طال أشتياقنا لترنيماتك التي كنّا نغفو عليها في ليالي الشتاء الباردة، عندما كنّا نتكوم ككرات تحت الأغطية خائفين من صمت الدنيا في حضرتك، نسترق السمع إلى معزوفاتك الحانية، فتأتي أنت وحدك يا مطر لتستنطق أحزاننا الخجلة الخرساء، لنسترسل في بكاء مبحوح لذيذ كنّا قد أجّلناه، نغسل به أرواحنا المكتئبة، ونرمم بدموعه الحارة ما كسرته الأيام، لنعود في صباح اليوم التالي إلى المطر بفرحةٍ عارمة، نرقص مع قطراته كالمجانين، غارقين في أوحال مدينتنا، لتسمع الجبال ضحكاتنا فترددها صدى ينضح حياة، ونتمرغ في برك مياهه كضفادع برّية، ونصنع لأجلك عرائس المطر، نحملها في حفلات صخبٍ وشغبٍ، نزعق بأصواتنا المزعجة مرددين أناشيد للمطر، نسكر عليها في نوبات طربٍ هستيرية، حاملين في رؤوسنا الساذجة لشدة البراءة أمانٍ نقدمها لك بإيمانٍ راسخ بأنّك لن تخذلنا.
كم حلمنا بك يا مطر لترأف بهذه الأماني وتعود، لكنك تأخرت كثيراً يا عزيز، حتّى خلناك هارباً أنت أيضاً من بطش الإنسان وظلمه، لتتركنا، نحن أطفالك منتظرون قطراتك ،حتّى بردت أمانينا، وماتت رغباتنا، وتحولت ضحكاتنا لعبوسٍ مكفهر، وطيشنا القديم آل لصمت ننحني أمام ذلّه المعذّب، وبرائتنا صارت في خبر كان، فأين كنت يا مطر، ولماذا قدومك يحمل غضباً أصمّاً لا يسمع رجاء فقرائك؟ أصرت أنت الآخر من مجموعة المضطِهدين، تأتي لتجهض ما تبقى من حبّ ينازع؟ فقطراتك تعطي قلوبنا المتحجرة من كثرة ما مرّت أمامها جثث الحبّ والحرية والإنسانية، تعطيها رغم تحجّرها ألماً يؤنّبها، وطعماً كطعم دمعةٍ لا نزال نحتفظ بها في ذاكراتنا المتأرّقة من ذكريات السّواد التي تحتلها، والذلّ الذي صار يدبغ جلودنا، فالإنسان بات شيطاناً يرهن أخيه لأجل المال والسلطة، ويقطع أطرافه ورأسه ويدحرج جسده المتعفن من هول الموت ككرة وسط ساحات المدن دون أن يهتزّ لها طرف عين، فالقوانين تغيّرت كثيراً منذ الشتاء الفائت، وكم سكيّر تحول لصوفيّ يفتي، وزاهد لعربيد ملّ الدنيا، وقائد لسجين يهان في الزنزانات، وأحزاب لتكتلات إرهابية، بينما لا نزال نحن مريدوك نرضع أحلامنا من ثدي الخيال علّك تغسل الإنسان من مجازر الدّم الذي صبغ تاريخه ومستقبله.. يقولون أنّ بلاداً بعيدة تتحضر للدفاع ضد هجومٍ جرثومي، وهل تنقصنا هجمات جرثومية، بعد الإرهاب الذي يفرقع بيوت الناس كأنّه في حفلة للألعاب النارية؟ تلك التي يصرفون عليها مال قارون بينما يموت ما يقارب نصف البشرية في فاقة وفقر مهين، فالناس لا يزالون جياعاً، يحملون سلالهم يشحذون رغيفاً، يسألون السادة العظماء عن لقمةٍ أو كسوة، لكنهم مشغولين بإفتتاح منتجعات لكلابهم المدللة، وجداول أعمالهم اللامعدودة لا تتضمن الجياع، أيّ جوع بربّك؟! فمعارفهم كلّهم أغنياء يبعزقون مالهم الذي جاءهم ورثة أو سرقة أو شطارة تتضمن العنصرين الآنفين الذكر، يصرفونه في شبقهم اللامتناهي للترفيه، ليفرغوا فيه كلّ السلبيات التي تشحنهم بها حياتهم الرقمية الجامدة، التي صار فيها من الضروري فصل البلدان بجدران عازلة، وحرق مدن لإختلافاتٍ مذهبية، وشنق طالبي الديمقراطية، وسحق شعوب تحت شعار الحرية، فالحرية أيضاً صارت تجارة، تقف ورائها مواقف شخصية ونزاعات سياسية، وغيرها من مجازر ترتكب يومياً بحقك وبحق الأنسانية...
فاهطل يا مطر، علّك تغسلني من حزني، وتجردني من عبوديتي المزدوجة، وتعيدني يوماً لغبطة الطفولة وجزعها من المطر، علّك تزرع فينا حبَّ حياةٍ تنزلق كالمياه بين أصابعنا دون أن نملك وقتاً للإحتفاظ حتّى بنداها على جلودنا الجّافة، اهطل علّك تقنع الإنسان بأن يتصالح مع إنسانيته المحتضرة، فتبزغ بذور الحبّ مكان المقابر والسجون والمخافر.



menageddo@yahoo.com


 

التعليقات

 

  الاسـم
  الموضوع
  العنوان

 

 


الموقع الشخصي للكاتبة

http://www.hevi24.org/images/midya gedo..jpg

ميديا كدّو


 
 

 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الهدف الثقافي

Copyright © 2005 [tahayaty@yahoo.com]. All rights reserved
Revised: 06/02/10 /