سينما ومسرح


   

 

 

((مسرحيـة : يا للغرابـــــة  ))

 

الهدف الثقافي - تأليف : د .  مجيد حميد الجبوري

الأربعاء 23 يناير 2008 22:03 GMT

 

 اللوحة الأولى

 

        (( صحراء قاحلة …كثبان على مد البصر…ربوة ترتفع وسط المسرح… يستلقي عليها الأول…بينما

            الثاني يدور حوله، وحول المسرح في حركة قلق غير مستقرة…الأول يعبث بالرمال وكأنه يرسم أشياء

          عليها ،وقد تبعثرت حول مجلسه :- أدوات طبخ ،قناني فارغة ،أحذية متهرئة ، الأول حافي القدمين؛ بينما

         الثاني ينتعل حذاءا باليا…يستمر المشهد صامتا لفترة ليست بالقصيرة لكنها ليست بالطويلة أيضا ))

الثاني :- (( بعد عدة دورات .. يصرخ مستبشرا)) وجدتها !!

الأول:- (( ببرود)) من ؟

الثاني :- (( بحيوية)) الفكرة…

الأول :- أية فكرة ؟

الثاني :- الفكرة التي نبحث عنها منذ ثلاث سنين !

الأول :- ما هي ؟

الثاني :- (( بحيوية أكثر )) نأكل !!   

الأول :- ماذا نأكل ؟!              الثاني :- نأكل طعاما !

الأول :- (( ساخرا)) هه… وهل تسمي هذه فكرة…لقد شبعت … شبعت وامتلأ جوفي      

        بالطعام.. أنا منذ سنة أشعر بالتخمة…..

الثاني :- ((متعجبا)) تشعر بالتخمة ؟!

الأول :- نعم ..التخمة في كل شئ..

الثاني :- ماذا ؟

الأول :- التخمة في الأكل ..في الملابس ..في العبث..في الفوضى ..في اللاجدوى..في الوعود  في

        اللاتغييير…في اللاأخلاق..في الضمير ..ألم تقل مرة أنك تشعر بالتخمة أيضا ؟؟

الثاني :- أنا؟!.. أجل ؛ وأعاني منها أيضا…

الأول :- يا للمهزلة.. أناس تشعر بالتخمة..وأناس أماتها الجوع !!

الثاني :- ((بدهشة ))وهل يوجد أناس يشعرون بالجوع في عالم الإنترنت والعولمة.. أمر غريب !

الأول:- هناك أناس تكون دودة الأرض بالنسبة لهم ، وجبة دسمة لا يحصلون عليها ألا بعد سنوات جوع..

الثاني :- يا لسعادتهم !!

الأول :- ماذا قلت ؟!

الثاني :- قلت يا لسعادتهم .. فهم لا يعانون من التخمة …

الأول :- آه..أنت على حق يا لسعادتهم..فهم الوحيدون الذين يستحقون الحياة ؛ لأنهم يشعرون بقيمة الأشياء

فهم لا يستهلكونها كثيرا..أنهم مقتصدون في كل شئ ؛مقتصدون في الطعام ، مقتصدون في الملابس…

       مقتصدون في التفكير ؛ فلا يبعثرون أفكارهم هنا وهناك..وهم خلوقون لأن الحياة أخذت منهم كل شئ

 

          ولم تبق لهم سوى أخلاقهم ..وهم لا يشعرون بوخز الضمير ؛لأن ضميرهم لم يصب بالتضخم …..    يا لسعادتهم… .أبعد هذا تراك تشعر بالتخمة ؟‍

الثاني :-بكل تأكيد ..لكني أود -من صميم قلبي - أن أشعر بالجوع..ألا إنني في الحقيقة لست جائعا..

الأول :- أذن ..ما لذي جعلك تطلع علينا بفكرة الأكل السخيفة هذه ؟ 

الثاني :- أنت..

الأول :- ((متعجبا)) أنا؟؟

الثاني:- نعم أنت .. ألم تقل :- أن علينا التفكير بشيء ينقذنا من هذا الوضع.. ألم تقل مررا :- علبنا أن

        نفعل شيئا ؟‍

الأول: (( ببرود)) آه… نعم ..قلت ذلك (( صمت ..الثاني يدور ، بينما الأول يعبث بالرمال )) أسمع

          لماذا لا نفكر بشيء آخر ؟

الثاني :- (( يرقص فرحا )) نعم ..يجب أن نفكر بشيء آخر..

الأول :- ألا تطلق على  نفسك صاحب الأفكار الخلاقة ؟

الثاني :- (( باعتداد)) نعم ..وما زلت كذلك..

الأول :- حسنا.. أبحث لنا عن فكرة أفضل من هذه ..لقد مللنا الأكل ..مللنا التفكير ..يوميا نأكل ثلاث

         وجبات ؛ ونفكر ثلاث مرات …وبين كل وجبة وأخرى نأكل ثلاث وجبات ؛ ونفكر ثلاث مرات

       لقد مللنا ذلك…مللنا الأكل…مللنا التفكير .. أتعرف ماذا تسمى هذه الحالة؟

 الثاني :- ((لازال مستمرا على دورانه ؛غير مبال بما يقوله الأول ))

الأول :- تسمى رتابة  ..

الثاني :- ((منتبها)) ماذا تسمى ؟!

الأول :- رتابة…

الثاني :- هم….أنت على حق ..أنها رتابة ((يترنم بالكلمة)) رتابة…ر..تا..به ((يضحك )) رتابة ((  يغني))

       رتابة (( يرقص وهو يغني الكلمة ))ر..تا..به ..ر..تا …به …ر..ت..ابه (( يسرع بإيقاع غنائه ورقصه

      ويدور المسرح أثناء رقصه عدة مرات …ثم يتوقف فجأة )) وجدتها !!

الأول :- (( فزعا )) من ؟!

الثاني :- الفكرة التي مازلنا نبحث عنها منذ خمس سنين…

الأول :- ماهي ؟

الثاني :- ننام….

الأول :- ماذا ؟!

الثاني :- ننام.. نعم ننام نضطجع هكذا على الأرض وننام ((ينفذ فكرته ويدعو الأول لمشاركته )) هيا…

         تعال …آه..ما أجمل النوم.. أنه يشعرك بلأسترخاء التام.. يشعرك ..بالأرتخاء..بالأمان..يبعد عنك

         جميع الأصوات التي لا ترغب سماعها..ويحجب عنك جميع الصور التي لا ترغب مشاهدتها ((الأول لا

              يتحرك)) هيا…تعال..أضطجع.بجانبي ولنشن حربا لا هوادة فيها على الرتابة..ولنرهبها بسلاح

النوم ألم تسمع قول الشاعر الذي قال : (ما عاش ألا النوم )..هيا نم بجانبي ..ولنهتف بأعلى أصواتنا:- أن

       النوم يقتل الرتابة..

الأول :- ومتى نهتف بذلك ؟

الثاني :- عندما ننام…

الأول :- وهل يستطيع النائم أن يعلن أي شئ ؟ كيف يستطيع ذلك وهو نائم ؟.

الثاني :- كثيرون هم أولئك الذين يهتفون أثناء النوم..هيا.تعال ..جرب أن تنام ؛وسترى أن النوم لا يقتل

           الرتابة فحسب..بل أنه يستطيع قتل الرقابة أيضا  تعال ننم ولنحلم بأيام خالية من الرتابة والرقابة

           معا..

الأول :- نحلم  ؟؟  أنا وأنت..نحن ليس من حقنا أن نحلم .....

الثاني :- لماذا ؟

الأول :-يجب أن يكون نومنا بلا أحلام ..لأننا لو حلمنا فسوف نستعيد حياتنا الرتيبة هذه…فيتساوى عندها

         النوم واليقظة…وتصبح اليقظة نوما ؛ والنوم يقظة.. الأفضل أن نبقى يقظين علنا نهتدي لشئ يخلصنا

        مما نحن فيه ؛لهذا فأني أرى أن فكرة النوم فكرة سخيفة….

الثاني :-سخيفة ؟! ..على العكس .أنها فكرة خلاقة..فالنوم شئ خالد علينا أن نجربه..الخالدون هم النائمون        

         دوما..ومع هذا فهم خالدون..هيا نم ..نم يا صغيري ..وستجد في النوم خلودا أبديا..فالنوم هو الخلود

الأول :-قلت لك أن النوم فكرة سخيفة..

الثاني :- لا يحق لك أن تنعت أفكاري بالسخافة ..أن أفكاري خلاقة دوما..

الأول :- أي غبي أقننعك ؟!

الثاني :-أنت

الأول :-وأنا غبي ..نعم غبي.. .وأعرف ذلك منذ زمن بعيد …

الثاني :- حسنا..ما رأيك بالنوم أيها الغبي

الأول :- لا أدري ..((مستدركا)) قلت أنها فكرة سخيفة وكفى…

الثاني:- أتعرف ؟.أنت لست غبيا ..أنت معقد..نعم أنت معقد بينما أنا مبسط((فرحا)) أنا مبسط 

           ((باستغراب)) لا((مبسط )) كلمة غير مناسبة..((بعد تفكير قليل)) أنا بسيط…هذه هي

        الكلمة المناسبة..نعم ..أنا بسيط وأنت معقد (( متأملا)) أنت معقد وأنا بسيط …يا للغرابة

الأول:- ماذا قلت

الثاني :-((بشرود)) يا للغرابة ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍….

الأول :- ((ببرود)) ماوجه الغرابة ؟

الثاني :- أنت معقد وأنا بسيط ..ومع هذا فنحن معا….أليست حالة غريبة هذه التي نعيشها ؟؟

الأول :- لكننا نعيشها… شئنا أم أبينا ؛ فنحن نعيشها ((صمت قليل، يتكلم بنبرة أب ))

             أسمع يابني..

الثاني :- (( بصوت طفولي )) نعم ياأبتي…

الأول :- ألا ترى هذه الربوة التي ننام عليها منذ عشر سنين ؟؟

الثاني :- ((يبدأ بمص أصابعه ))نعم ياأبتي..

الأول :- أتعرف ماذا تسمى هذه الربوة ؟

الثاني ((لازال مستمرا بمص أصابعه )) وماذا يهمني من معرفتها ؟

الأول :- أخرج أصابعك من فمك أيها القذر..متى تعرف بأنك لم تعد طفلا ؟‍‍‍‍‍‍‍‍؟

الثاني :- أحب أن أكون طفلا على الدوام …ياأبتي..

الأول :-لماذا .._لو سمحت_؟

الثاني:- لأني لا أريد أن أتعذب بمعرفة الأشياء أحب أن أمص أصابعي_طوال حياتي_ ولا

        رغبة لي بالتعرف على ربوتك هذه ..

الأول :- يجب أن تعرفها..وأنا بصفتي_ أبا ديمقراطيا_أفرض عليك أن تعرفها…

الثاني :- وأنا بصفتي_ أبنا شفافا _ لا أرغب بمعرفتها….

الأول :- لا تعذبني يابني ..أنك ترفض _دوما _الأشياء التي أرغب تعليمك إياها..

الثاني :-هكذا هي حال الأطفال جميعا.. يعذبون آباءهم كي يتعلموا..لذا سأعذبك كثيرا

        قبل أن أتعلم أي شئ…

الأول :- لماذا يابني ؟؟!

الثاني :- لأني أحب عذابك ياأبتي….

الأول :- ((منفجرا )) ولكن… هذه الربوة هي كل عذابي !!

الثاني :- أهذه الربوة تسبب لك عذابا أيضا ياأبتي ؟؟!

الأول :-نعم..أنها ربوة العذابات !!

الثاني:- ((متسائلا)) ربوة العذابات ؟!

الأول :- نعم ..ربوة العذابات ..نحن ننام على هذه الربوة منذ آلاف السنين..أنا وأنت ؛

          والآخرون ..جميعنا نعيش وتحتنا ربوة العذابات ..لقد سئمت منا، سئمت من نومنا..أني

         أشعر بأنها بدأت تغضب منا..وربما_ بعد قليل_سيشتد غضبها علينا وتنفجر …

         وسنموت ..نموت أنا وأنت..ولربما سيموت الآخرون معنا..ربما سنموت جميعا…

     سنموت  …نموت…نموت ((يبكي ))نموت  ..نموت..((يجهش بالبكاء ،بينما ينفجر

الثاني ضاحكا ؛وكلما أزداد بكاء الأول؛أزداد الثاني ضحكا، حتى يتحول البكاء والضحك

الى هستريا تملأ المسرح؛ يصرخ الأول فجأة)) ما لذي يضحكك ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍

الأول :- ((مستمرا بالضحك)) أنت ياأبتي..

 الأول :- (( مستمرا بالبكاء )) أنا …

الثاني :- ((مستمرا بالضحك ))أنك تذكرني بصديق لي يعمل ممثلا

الأول:- (( مستمرا بالبكاء)) مابه ؟‍‌

الثاني :-(( مع الضحك )) حين يصل الى نهاية أية مسرحية من مسرحياته المستهلكة فأنه ينخرط

       بنوبة من البكاء ؛ فننخرط -نحن أصدقاءه -بنوبة من الإعجاب؛ثم تنخرط الستارة مسدلة؛

      فينخرط الجمهور بنوبة من التصفيق((صمت قليل))ملاعين هؤلاء الممثلين ..يسدلون الستارة

     كي يرغموننا على التصفيق ((يضحك ثانية))

الأول –ما الذي يضحكك ثانية ؟؟

الثاني:-صديقي الممثل كان يصرخ مثلك ياأبتي ((ستنفجر ..سنتفجر )) ولقد كنت أتسائل ما الذي

        يقصده بذلك…لكني توصلت الآن إلى الجواب الشافي..يا للروعة ..أنا  الآن مرتاح جدا ..

الأول :- لماذا ؟!

الثاني :-لأنني اكتشفت شيئا..منذ زمن ورغبة جامحة في نفسي تلح علي ؛تقول لي:_ يا صاحب الأفكار

         الخلاقة…يا صاحب الأفكار الخلاقة..يجب أن تكتشف شيئا..وها أتذا أكتشف:-أن صديقي

         الممثل حين كان يصرخ ستنفجر…ستنفجر((يفرقع أصابعه)) فأنه كان  يعني أن العذابات

        لابد أن تنفجر يوما ما..

الأول:- ((ببرود)) هل أنت فرح بهذا الاكتشاف ؟

الثاني :- نعم..فهذا يعني أنني فكرت..وكوني فكرت..فهذا يعني أنني فعلت..وكوتي فعلت شيئا….

        فهذا يعني أنني قتلت الرتابة…أذن ..لا داعي للنوم بعد الآن ..مادام باستطاعتنا قتل الرتـابة

        بالتفكير..يا للسعادة.. أنا قاتل الرتابة…أنا قاتل الرتابة..

الأول :-وهل أنت سعيد لكونك قاتل ؟!

الثاني:- آنا سيعد لكوني اكتشفت شيئا لم يسبقني أحد في اكتشافه…

الأول:- (( يصوت طفولي)) ما الذي  اكتشفته ياأبتي  ؟

الثاني :- ((يعطي لصوته سمة الوقار))اكتشفت  العذابات..واكتشفت-أيضا- أنها ستنفجر يوما ما يابني

الأول :-ولكنني أعرف هذا منذ زمن بعيد باأبتي..

الثاني :- منذ متى ..يابني ؟!

الأول :- منذ وصولنا إلى هذا المكان…منذ آلاف السنين..منذ وجد الإنسان على هذه الأرض…أذن

         فأنت لم تكتشف شيئا ؛ولم تفعل شيئا …وكل ا لذي فعلته -طوال حياتك-أنك تدور حول رأسي

        مثل البعوضة ؛ وهذا ما سبب لي صداعا قاتلا ياأبتي..

الثاني :- (( يعود إلى صوته الطبيعي ؛ ويقفز صارخا)) وجدتها!!

الأول :-من ؟!

الثاني :- الفكرة..

الأول:- أية فكرة ؟!

الثاني :- الفكرة التي نبحث عنها منذ تسع سنين…

الأول :- ماهي ؟

الثاني :- نمثل….

الأول :- ((باهتمام )) ماذا قلت ؟!

الثاني :-((يؤدي تحية مسرحية ثم يقف وقفة طرازيه )) نمثل …نمثل مسرحية..أليست فكرة خلاقة ؟!

الأول :- فكرة خلاقة فعلا ..فالتمثيل يبعث الروح في الأشياء الساكنة.. فهو حركة تقتل السكون

         تقتل الرتابة ..أنه خلق وإبداع….أنا فخور بك ألان حقا ؛فأنت تستحق لقب صاحـب

         الأفكار الخلاقة عن جدارة …ولكن قل لي ماذا نمثل ؟

الثاني :- نمثل مسرحية…

الأول :-أية مسرحية ؟

الثاني :-أية مسرحية  ؟!!

الأول ؛- أنا أسألك… 

الثاني :-وأنا أسألك أيضا..

الأول :-لا أدري..أنها فكرتك ..

الثاني :-وأنا لا أدري أيضا…فكل المسرحيات التي أعرفها مثلناها من قبل؛ولم يعد لدينا ما يستحق

        التمثيل…ولكن قل لي بصراحة؛ أليست فكرة التمثيل هذه ، فكرة رائعة ؟

الأول :- لا..أقصد نعم..أنها فكرة حسنة…ولكن الأهم أن نعرف ماذا نمثل ؟

الثاني :-معك حق ..ماذا نمثل…{ ذلك هو السؤال}*..و{تلك العلة يا نفسي}**..قل لي ما الـذي

       يعجبك أن نمثله ؟؟

الأول :- أنا لم يعد يعجبني أي شئ منذ وطئت قدماي هذه الربوة

الثاني :- وجدتها !!

الأول :-مـن ؟

الثاني :- ستنفجر…ستنفجر..

الأول:-ماذا ؟!

الثاني :- أن وضعك المأساوي هذا يذكرني بمسرحية لصديق عزيز علي يعمل ممثلا..كنت دائـما

         أشاهد مسرحياته ؛ وكنت أجلس قي الصفوف الأولى لأراقبه عن كثب …كان هـذا

        الصديق…أعني الممثل((يشرح الأمر وكأنه يشرح سرا خطيرا يصرح به أول مرة في حياته

            ينفذ الأول تعليمات الثاني -بدقة- بالحركة والإيماءة فقط)) يقف في وسط المسرح ، رافعا

       يديه إلى الأعلى_كما تفعل الآن أنت_   ويصرخ بانفعال …ستنفجر…ستنفجر  ..ثم يركـع

        وسط المسرح_أجل هكذا_واضعا يديه على وجهه…وينخرط بنوبة من البكاء…فننخرط

       نحن الجمهور بنوبة من الشفقة عليه… ثم تنخرط الستارة مسدلة…فينخرط الجمهور بنوبة

     من التصفيق…ويخرجون من المسرح؛يسأل بعضهم بعضا عن معنى كلمة{ستنفجر..سنفجر}

       (( بعد أن يتم شرحه هذا يقف منتصبا كالديك )) ياي….أنها فكرة مذهلة …

الأول :- أجل.. أعني كلا …أنها فكرة سخيفة

الثاني :- ماذا قلت ؟

الأول :- فكرة سخيفة جدا

الثاني:  ((بغضب)) أنت غبي..

الأول :- ((بانفعال)) وأنت سخيف..

الثاني :- (( بانفعال أكثر )) أنت معقد..

الأول :- ((بغضب أكثر )) وأنت بسيط…

الثاني :- أنت تحطم أفكاري…

الأول :- وأنت صاحب أفكار خلاقة..

الثاني :- أنت معقد..

الأول:-أنت بسيط

الثاني :- ((يزداد انفعاله)) يا للغرابـة  !!

الأول :- ((وقد أزداد غضبه أيضا)) ماذا قلت ؟!

الثاني :- ((بانفعال أكثر )) قلت يا للغرابـة !!

الأول :- ((بانفعال عينه)) ما وجه الغرابة ؟!

الثاني :- أنت معقد ..وأنا بسيط.. كيف نستطيع فهم بعضنا ..كيف ..كيف ..كيف ؟؟!

         ((يرددها أكثر من مرة ؛ ثم يأخذ صوته بالتلاشي ،ومع تلاشي الصوت ؛تتلاشى الإضاءة

         تدريجا حتى يحل الظلام على المسرح تماما…بعد فترة وجيزة تغمر المسرح إضاءة شديدة؛

       ويبدو كل شئ ساطعا على المسرح..بحيث يشعر المتفرج بحرقة في عينيه نتيجة انعكاس سطوع

       الأشياء …الأول يحفر بيديه وقد أدار ظهره للجمهور؛بحيث نرى وجهه ويديه من خـلال

      ساقيه…الثاني متسمرا بمكانه وهو مازال يردد كلمة {كيف}بهمس))

الأول :- (( بلهاث))وجدتها !!

الثاني :- مـن ؟

الأول الفكرة التي نبحث عنها منذ ثلاثين سنة..

الثاني:- ((بسرعة)) كيف..أقصد ماهي ؟

الأول :- نبحث هنا ..وسنجدها..

الثاني:- ((منحنيا بالقرب من الأول)) قل في البداية ..ماهي ؟!

الأول :- ((مشيرا إلى العمق)) أنها هناك .ألا تراها !!

الثاني ؛- أيـن ؟!

الأول :- هناك..أنظر جيدا ..وستراها…

الثاني :-أنا لا أرى شيئا..

الأول :- أنت لا ترى شيئا..لأنك لا تفعل شيئا..منذ بدأت العمل بهذه الحفرة ؛وأنت واقف هناك تردد

          { كيف..كيف } ولم تكلف نفسك أن تأتي معي لتفعل شيئا..عليك القيام بفعل ما..

الثاني :- أنا مذ كنت جنينا في بطن أمي أقوم بأفعال كثيرة..

الأول :- مثل ماذا ؟!

الثاني :- كنت أرفس بطن أمي كثيرا ؛كلما انزعجت..كنت أغني..نعم أغني ..أغني وأنا لا أزال جنينا

      كنت أغني أغنية الحبل السري..كنت أدخن ..كانت أمي مدمنة على التدخين..وكنت أشاركهـا

      هذا الإدمان..ولهذا صرت جنينا قلقا..فولدت وأنا قلق..وترعرعت وأنا قلق ..وصاحبني قلقي حتى

      هذه اللحظة..

الأول :- ((مقاطعا))إذا كنت رجلا ؛تعال أحفر معي

الثاني ؛- أنا لست رجلا..

الأول :- أذن أنت ماذا ؟‍

الثاني :- أنا مفكر..أنا صاحب أفكار خلاقة

الأول:-تعال أحفر معي ؛ علنا نجد فكرة تنقذنا من هذا الوضع…يا..يا صاحب الأفكار الخلاقة..

الثاني :- وماذا أعمل معك ؟‍..أحفر؟‍..هل أجد في حفرتك هذه شيئا ذا قيمة ؟‍‍

الأول :- ربـما…

الثاني :- غبي..

الأول :- ((ببرود))  أعرف ذلك

الثاني :-أيها الغبي الفاشل..أيها الغبي القاحل..أبحث عن أفكارك في الأعالي ..في الهواء..وليس في الأرض ؛

       ألم تسمع بأن الفلاسفة القدماء كانوا يذهبون إلى أعالي الجبال..إلى قمم الجبال..وهناك..من الهـواء

        ربما من السماء ..يأتيهم الإلهام ؟ ..أسمعت بإلهام خرج من حفرة ؟‍‍‍؟

الأول :- ((مواصلا الحفر)) لا أدري..

الثاني :- لا تدري…لا تعرف..أذن …أنت غبي..

الأول :- أعرف ذلك .

الثاني ؛-( ( (يشير إلى الأول ثم يشير إلي نفسه)) غبي..بينما أنا ملهم..أسمع أيها الغبي هذه الحكمة وتذكرها

         جيدا :_ الملهمون يبحثون عن سعادتهم في الهواء ..بينما الأغبياء يبحثون عنها في التراب والمزابـل..

         أرأيت - الآن- الفرق …بين ملهم وغبي  ؟!

الأول :- ((مواصلا الحفر ؛يخرج بعض الأشياء القذرة))

الثاني :-  ((متأملا)) غبي ..وملهم… ياللغرابـة  !! ((الأول يواصل الحفر غير مبال بما يقوله الثاني ؛

          الذي يواصل كلامه ، وكأنه سمع ردا من الأول )) قلت ياللغرابـة !! أنت غبي وأنا ملهم ..

                                                    -8-

         ومع هذا فنحن نأكل الطعام نفسه…ونشرب الشراب نفسه…أليست هذه حالة غريبة ؟!

الأول :- ((يواصل الحفر ،مخرجا المز يدمن القناني الفارغة والعلب المعدنية..والأحذية المتهرئة))

الثاني :- ((صارخا )) ما هذا..ماذا تخرج ؟..لقد جعلت المكان قذرا..

الأول :- ((بهدوء)) لا تصرخ..أهدأ..أهدأ قليلا..وألا…

الثاني :- ((صارخا)) {وألا}..وألا ماذا ؟!

الأول :- ستنفجر…

الثاني :- من هي التي {ستنفجر} ؟

الأول :- العذابات..ربوة العذابات..أم نسيت صديقك الممثل وصراخه الأخرق ..{ستنفجر…ستنفجر}

الثاني :- لقد أرعبتني..كنت أظنك تعني شيئا آخر..أطمئن ؛ أنها لن تنفجر..

الأول :- لماذا ؟!

الثاني :- لا أدري..ولكنها لن تنفجر -الآن- على أية حال..

الأول :-لماذا ؟!

الثاني :- قلت لك لا أدري…ربما يعود ذلك الى أن لها القدرة على استيعاب عذابات أخرى..أو أنهـا

         أصبحت غبية مثلك ؛فلم تعد تشعر بالعذابات التي تتكدس عليها..(( يرتفع أحد أجزاء الربـوة

         عند قوله كلمة {غبية} ،يلاحظ ذلك الأول فقط))

الأول :- ((ضاحكا )) لقد غضبت من كلامك ..

الثاني :- مـن ؟

الأول :- العذابات…

الثاني:-كيف ؟‍

الأول :-أنظر أليها..وستعرف (( الثاني ينظر الى الربوة…تصيبه الدهشة حين يرى الارتفاع الحاصل فيها..

       يقترب منها متوجسا ثم يهمس للأول ))

الثاني :- هل رأيت هذا النتوء من قبل ؟‍‍

الأول :- (( بهدوء)) أجل…

الثاني :- ((بخوف )) مـتى ؟‍‍‍

الأول :- ((بهمس ؛ مشيرا إلى الربوة ))حين قلت بأنها غبية ..((يرتفع النتوء أكثر ))

الثاني :- (( يصرخ فزعا )) لقد أرتفـ….ع..((يهبط في الحفرة واضعا يديه على رأسه)) أرأيت ؟..لقد

        أرتفع النتوء....

الأول :- لا تصرخ..أبق هادئا..

الثاني :- كيف أهدأ .. وهذا يرتفع أمامي ((مشيرا إلى النتوء))أنه يرتفع باستمرار…

الأول :- لا تنظر إليه ..

الثاني :- أنه هو الذي ينظر ألي..‍‍‍‍

الأول :-دعك منه..لا تنفعل..أنك ترتجف خوفا

الثاني :-أنت غبي..

الأول :-أعرف ذلك.

الثاني:-أنت غبي ..لأنك أبقيتني هنا ..ولم تنبهني إلى هذا الشيء..

الأول :-لقد حذرتك..لكنك سخرت مني

الثاني :-حذرتني ..نعم..لكنك لم تخبرني شيئا عن النتوء..

الأول أنا -أيضا-لم أك أعرف عنه شيئا..

الثاني :- ((صارخا)) لأنك غبي..

الأول :-أعرف ذلك…فلا تصرخ..

الثاني :- ((يتقدم نحو الربوة متحديا)) سأصـرخ…سأصـرخ

الأول :- لا تقترب منها ..ربما تنفجر بك.

الثاني :-سأعتليها..ولتنفجر..دعها تنفجر يرتقي الربوة ؛مخاطبا أياها بهستريا ))هيا أنفجري ..أن كنت قوبة حقا

         أنفجري..أريني قوتك.. ((لاشيء يحدث ؛الأول يراقب المشهد برعب ..بينما الثاني يزداد صراخـا ))

        جبانة،جبانة أنت  أيتها العذابات،أنت حقيرة ، تحبين الجميع..ولا تتركين أحدا بحاله…أنك تتسـلين بنا

        تلعبين بأعصابنا…تهديدين بالانفجار،لكنك لاتستطعين فعل شئ ؛سوى أرتفاعك ؛ارتفاعات مقززة…

        أتظنين أني أخافك….كلا ..لن أخافك..هيا تحركي..تحرري من هذا السكون وأنفجري..أن لعبة الموت

       البطيء التي تمارسينها معي لعبة قذرة..أن كان لديك شئ من الكرامة ..شئ من الشجاعة….انفجري

       انفجري وأقتليني الآن..هيا انفجري …انفجري..انفجري..((لاشيء يحدث..ينهار على الربوة..بعـد

       فترة صمت طويلة ؛يهمم)) غبيـة ((يرتفع النتوء أكثر ..فيهرب بسرعة ويهب في الحفرة محتميا بالأول

الأو