سينما ومسرح


   

 

 

 مسرحيــــة الصــــدى

 

الهدف الثقافي - تأليف : د .  مجيد حميد الجبوري

الأحد 23 مارس 2008 05:50 GMT

tahayati.com

 

 

 

عزيزي الوائلي السعيد
ارسل لك نص مسرحية (الصدى) الذي تم تقديمه كعرض مسرحي
في عام1684
بأخراج الفنان عزيز خيون
وتمثيل
الفنانة الكبيرة عواطف نعيم ومجيد حميد والفنانة وجدان الأديب
وقد تم ترجمة هذا لنص لثلاث لغات
عام 1989
الى اللغة الكردية وقدم في السليمانية من قبل فرقة المسرح الجامعي في السليمانية
وعام 1990
ترجم الى اللغة الأسبانية وقدم في جامعة موريثيا الأسبانية بأخراج الدكتور
صباح سوبيج ودخل في أطروحته للدكتوراة في الجامعة المذكورة
وكان عنوان أطروحته (مسرحيات الفصل الواحد في المسرح العراقي - نماذج مختارة) وأخيرا تم ترجمته الى اللغة الفارسيةهذه السنة2008 من قبل المترجمة
(فاطمة مدني سرباراني)
حيث سيشارك النص المترجم في مسابقة تقيمها جامعة طهران لأفضل النصوص المترجمة الى اللغة الفارسية
يرجى تفضلكم بالأطلاع عليه ونشره في موقعكم الكريم وأكون ممتنا جدا لو أنكم نوهتم عن ترجماته الثلاث وتواريخها
فهذا ما سيكون مدعاة أعتزاز لي
أخوكم

د.مجيـد حميـد الجبوري

22/3/2008

 


 


الشخصيات حسب الظهور


الأم: أمرأة عجوز تبلغ الثمانين من العمر..
أم محمد: خادمة...امرأة في الخمسين من العمر ، تدل ملامحها على أنها
أكبر من ذلك بكثير.
عبد الرحيم: رجل تعدى الأربعين بقليل،ملامحه حادة،يرتدي بدلة أنيقة،
يعرج في مشيته قليلاً؛ تبدو عليه أثار تعب ناجم عن سفر
طويل..رغم الرفاهية التي تبدو على مظهره ..إلا أن شكله
غير مريح بالمرة.

 

* * * * *

 

 


ــ 1ــ
((غرفة جلوس قديمة؛ فيها أريكة ،وبضع كراس ،ومنضدة صغيرة..يتدلى من السقف مصباح
ضعيف النور...باب على اليمين ،يمثل باب الدخول إلى جانبه نافذة..باب على اليسار يؤدي إلى غرفة النوم الوحيدة...الوقت بعد الغروب بقليل ...عند رفع الستار تكون الأم جالسة على الأرض وبيدها مسبحة طويلة ؛وهي تهمهم بكلمات غير مفهومة....طرق قوي على الباب))
أم محمد،:- ((من خارج المسرح)) نعم أنـا قادمة ((يتكرر الطرق بقوة)) حاضر..أنا قادمة
((تدخل من الباب الأيسر،بيدها وسادة تضعها على أحد الكراسي،تسير على مهل...
يتكرر الطرق مرة أخرى)) ((بضجر)) أوه..من يطرق بابنا في هذا الليل..أو من
يسأل عن عجوزين وحديتين في مكان موحش مثل هذا ؟ ((يتكرر الطرق)) قلت
نعم..نعم ((تفتح الباب الأيمن ،يظهر عبد الرحيم واقفاً على الباب،ملثماً))
عبد الرحيم :- ((بحيوية)) مسـاء الخير ..يا أم محمد...
أم محمـــــد :- ((بتوجس)) مساء الخير ..نعم..مـاذا تريـد ؟؟!
عبد الرحيم :- يبدو أنك لم تعرفينني ...معك حق..فأنت لم تريني منذ مدة طويلة
أم محمــــد :- عفواً سيدي ...ولكني ــــ حقــاً ــــ لا أعرفـك !!
عبد الرحيم :- لا بد أنك نسيتني...أنـا عبد الرحيم...
أم محمـــــد :- ((باستغراب)) قلت مـن ؟؟!
عبد الرحيم :- سيدك عبد الرحيم!!
أم محمـــــد :- ((بدهشة)) مـاذا...سيدي عبد الرحيم....لا...لا..لن أصدق..لن أصدق....لن أصدق
هذا أبداً.
عبد الرحيم :- ((يرفع لثامه)) وألان هل تسمحين لي بالدخول..إن لم يكن لديك مانع؟!
أم محمـــــد :- ((مرتبكة )) لا..لا..أقصد نعم.. أهلاً بـك يا سيدي... البيت بيتك...ولكن هذا غير
معقول ((لازالت واقفة في مكانها))
عبد الرحيم :- ماهو ((غيرا لمعقول )) أيتها العجوز الخرقـاء ؟؟!
أم محمـــــد :- أنت...أنت ــــ سيدي ــــ عبد الرحيم تأتي إلى هذا المكان أخيراً ؟ لا أستطيع
تصديق ذلك !!
عبد الرحيم :- صدقتي ذلك... أم لم تصديقيه....هـذا شئ لا يهمني..اعتبريني شبح عبد الرحيم !!
أم محمــــد :- شبح عبد الرحيم؟؟ !!...هذا ما يمكن أن أصدقه.....
عبد الرحيم :- حسناً... مـادام الأمر كذلك ؛ فهل تسمحين لشبح عبد الرحيم برؤية والدتـه ؟
أم محمـــــد :- (( يزداد ارتباكها )) لا...اقصد أجل..أيها الشبــــ...أقصد تفضل أيها السيد...ألهي..
إن هذا البيت لم يعد يطاق.... مصيبة فوق مصيبة...رعب على رعب..متى ينتهي
ذلك ياآلهي ؟؟!!
عبد الرحيم :- ياللمرأة الخرقاء ...ألم تكفي عن ولولتك حتى الآن ((تحين منه ألتفاتة،فيرى أمه))
((بهمس)) هيا..كفى عويـلاً..لا تحدثي أية ضجة..أريدها مفاجئة!!
أم محمـــــد :- لكن يا سيدي ..أنها...
عبد الرحيم :- ((مقاطعاً بصوت هامس ))لا تنبسي بكلمة...أنـا أعرف كل شئ، هيا، هيا أذهبي..
اتركينا معـاً..ولا تزعجينا بولولاتك التي لا تنتهي...
أم محمـــــد :- ولكني يا سيدي أخشى..انك لا...
عبد الرحيم :- ((مقاطعاً)) قلت: أتركينـا وأذهبي إلى أي مكان تريدين.
((يدفعها جانباً ويدخل ... يشمل المكان بنظرة تلتهم الأشياء الموجودة... يدورحول
الأم التي لا تعيره أي أنتباه...بينما تنسحب الخادمة ؛ خارجة على مضض))
عبد الرحيم :- ((مع نفسه))أيــهٍ يا مهد الطفولة.... أيــهٍ يا ذكرى بعيدة...ها أنــذا أعود ثانيةً..
أشياؤك الصغرى مـا زالت كمـا هي لم تتغير... لم يصبها شئ ؛ سوى تقادم السنين
((يلتفت نحو الأم)) وهي...كمـا هي...نفس الصورة التي فارقتها منذ ثلاثين سنة..
ـــ2ــــ
وجـه متجلد قاسٍ؛ يتحدى المآسي والكوارث والدموع..((بحيوية تامة يتوجه نحو
الأم)) مســاء الخيــر يا أمي ((لا يسمع سوى تساقط حبات سبحة الأم)). مسـاءالخير
أيتـها الأم العزيزة ...
الأم :- ((تنظر إلى الأمام ولا تعيره أهتما ما))
عبد الرحيم :- ((مع نفسه )) إنها تتجاهلني ـــ بلاشك ـــ .. لابد إنها تريد أن تعاقبني (( إليها ))
لقد كنت أنوقع ذلك ....كنت أتوقع هذه المقابلة الجافة منك ....
الأم :- ((لا جواب ))
عبد الرحيم :- لابد انك أنتظرت ــــ طويلاًــــ هذه اللحظة ... لحظةً أرجع فيها إلى هنا ، بمحض
أرادتي... فتبادرين لمعاقبتي .... أنا مستعد لذلك... فأنـا أعلم أن حضوري إلى هنــا
خطأ من أساسه... ولكني لست نادمـا على أي شئ....
الأم :- (( تعبث بحبات المسبحة ....ولا جواب ))
عبد الرحيم :- أتتوقعين إنني جئت لأعتذر؟.... أو جئت لأعترف بخطأ أرتكبته؟؟...كـــلا...أنت
تعرفينا أكثر مما نعرف أنفسنا... نحن أسرة خلقت كي ينهش بعضها البعض الآخر
دون خوف أو ورع ....بل دون مـا أي خجل أو ندم....وكثيراً ما سمعت من يناديني
يا سليل أسرة الأظافر والأنيـاب ،وكل من ناداني بذلك؛لم يجد نفسه ألاعلى فراش
الموت
الأم :- ((تهز رأسها بمرارة ))
عبد الرحيم :- لم أك حينها مقتنعاً بذلك...لكني ـــأخيراًــــ أقتنعت به...فـلا غرابة ـــ أذن ـــ في أن
تقابلينني بجفاء.....إلا إنني لم أك أتوقـع أنـك تملكين مثل هـذه القــدرة على تجاهـل
الآخرين....
الأم :- (( تنظر نحوه بوجه متجهم ))
عبد الرحيم :- أنت تفكرين بالثأر لأيام العز التي كنت تعيشينها ... هذا من حقك؛ ولكن دعينا الآن
من ذلك الماضي ، ولنتحدث فيمـا نحن فيه...إذ يبدو أنك على ما يرام .... وصحتـك
لازالت ـــ بحمد الله ـــ جيده ؛ وربما أفضل ـــحتى ـــ من صحتي...
الأم :- ((تتأفف بضجر وتستذكر مشهداً يجمعها بأبنها عندما كان شاباً))
ألا يكفيك ...ما يعطيك إياه أباك من مال... لم تسرق نعاج الفلاح المسكين ؟؟؟
عبد الرحيم :- لأنه مسكين...وهذا سبب كاف لسرقته... ثم مـا دخلك أنت ؟!
الأم :- ما دخلي أنـا؟؟... من أعطاك السلطة في أن تعبث كيف تشاء ؟؟
عبد الرحيم :- أنـا أعطيت السلطة إلى نفسي ولست بحاجة لتلقي الأوامر من أحد...
الأم :- ولكني آمرك ؛ بإرجاع نعاج الرجل إلى مكانها...
عبد الرحيم :- بأية صفةٍ تأمرينني ؟
الأم :- بصفتي والدتك ..
عبد الرحيم :- والدتي؟!.... هـه.... من قال لك أن تصبحي والدة لي ؟؟!
الأم :- لا تجدف يا ولد...
عبد الرحيم :- ولا تمارسي دور المربية ــــ معي ـــــ ياأمرأة
الأم :- يـالك من ولد عـاق....
[[ عودة إلى المشهد الرئيسي]]
عبد الرحيم :- (( بغضب)) أعرف مـاذا تريدين أن تقولي...أعرف...قوليها: لقد جاء
اللص .... جاء المجرم...جاء السفاح أخيراً
الأم :- ((تدير وجهها إلى ناحية أخرى ))
عبد الرحيم :- ((مع نفسه )) إنها تتجاهلني بالفعل... إنها تحاول أن تشعرني بضآلتي... إنها
تريد كسر كبريائي... ومع هـذا فهي محقة... علي أن أؤدي ـــ الآن ــــ حســاب
ـــ 3 ـــ
ثلاثين سنة من الحقد والغضب.... عنيـدة هذه المرأة.... لكن لنر من منا أشد عناداً
من الآخر .... ((إليها)) أمـاه...ألم يكفيـك مـا تحصلين عليه من مـال ؟؟
الأم :- (( تهز كتفيها هازئة ))
عبد الرحيم :- (( بشئ من المزاح )) ربما كنت تريدين مـالاً أكثر كي تضمني لنفسـك زوجـــاً !
الأم :- (( تلتفت نحوه بحدة...ثم تهمس مع نفسها مستغفرةً ))
عبد الرحيم :- ((متمادياًً في مزاحه )) تريدين أن تتزوجي من جديـد ؟((يضحك بصوت مرتفع؛
ثم يتوقف حينما لا يرى أحداً يشاركه في الضحك ، مع نفسه)) أي قسوة وأي عناد
(( تتثآب الأم)) إنها تتثآب....يـاللعنة... إنها تتحداني هذه المرة بصورة علنية...لكني
سوف أثبت لهـا مهارتي في إزالة طلاء القسوة الذي تزين وجهها به (( معاتبـــاً ))
آمـاه ....لقد مضى مـا مضى... جفت الدمـاء وانتهى القتـل...صحيح أننا كنا عائلة
تحب القتــال لأتفه الأسباب ؛ لكن يجب الآن أن ننسى كل شئ..أنا نسيت كل شئ
ولم يعد يذكرني بتلك الأيام سوى طعنات الخناجر المحفورة بالجسد((صمت))
أتذكرين..كم ذرفت من الدموع من أجل تلك العائلة التعيسة (( الأم تهز رأسها ملتفتة
إليه بوجه متجهم )) حسناً انك تودين لو يلقى بي خارجاُُ ... هذا بالنسبة لي ليس شيئاً
غريباً..لقد تعودت على أن أبدو شريراً...وأن أعامل بقرف منذ نعومة أظافري...
هذا أمر تعودت عليه.... فهذا الوجه الذي لا أستطيع التطلع إليه في المرآة.. كان
مدعاة هزأ وسخرية لأخوتي؛ ولكني انتقمت لنفسي..
الأم :- (( تلتفت إليه بحـدة ))
عبد الرحيم :- انه السر الذي لا يعلمه أحد حتى الآن؛ لقد اسـتطعت أن أقضي عليهم ؛ يـوم كانـوا
عائدين فرحين ببيعهم حاصلهم السنوي... سبقتهم بحجة المرض؛ وتربصت لهم في
الطريق ثماني ساعات متواصلات في حقل الـذرة ـــ بـلا ــ حراك ، ثماني ساعات من
الترقب والحذر...ثماني ساعات لم أجعل أحـداً يشاهدني أو يشعر بي،وحين جاء موكبهم
كنت أنا والشيطان على موعد معهم...شعرت بيدي تضغطان على الزناد ــ دون إرادتي
أرديتهم قتلى واحداً تـلو الآخر ؛ لا زالت صورة تساقطهم الواحد تـلو الآخر مطبوعة
في ذاكرتي ...
الأم :- ((تشيح بوجهها مستغفرة مرة أخرى ))
عبد الرحيم :ـ (( يصرخ )) ليتني قتلت ساعتها ... ليتني مـت.... حتى لا أرى ــ الآن ــ أمامي وجهاً
صارمـاً صلداً كالصخـر...
الأم :- (( تتـثـآب ))
عبد الرحيم :- ألهي.... لمـاذا تحملني كل هذا العذاب ... ((يهدأ قليلاً )) آمـاه أعترف...إنني جبان..
نـذل ،قاتل حقـير... لكنني ساعتها لم أحـس ألا بنشوة الفرح؛ رقصت كثيراً على الأشلاء
.... لقد استطعت أخيراً أن أزيح جميع المنافسين عن طريقي ؛ وأن أستولي على كل شئ
ولكن هـا أنـذا أعـود إليك خـالي الوفـاض .
الأم :- ((تسعل طويــلاً))
عبد الرحيم :- آمـاه ... لا تطرديني دون كلمة... اسأليني ــ في الأقل ــ لمــاذا عـدت...لقد عـدت
لأجلك.. عـدت كي أخلصك من وحدتك ... من عزلتك القـاتلة هذه .
الأم :- ((تنظر إليه نظرة عتـاب ))
عبد الرحيم :- تسألين لماذا هربت أذن؟ ... حسناً ... سأعترف لك بالحقيقة ... لقد هربت رغبة بالحياة
رغبة في أن أعيش أياماً لا يزعجني فيها احد...املك الدنيـا فيها بأموالي وأسحق كل من
تسـول له نفسه السخرية مني....ولن ألتفت إلى الوراء ثانية... هكذا فكرت ساعتها...أمـا
أبناءهم؛فلقد تركتهم هنا ؛ولم أمسسهم بسوء.. لم يكن يهمني مصيرهم؛ ولكن حين التقيت

ـــ 4 ـــ
بهم ــ قبل أيام ــ في المدينة،لذت بالفرار،وفكرت بمستقبلهم..بما أعدوه لأنفسهم هـل
سيقترفون أثماً مثلما أقترفه آباؤهم..أم أنهم نسوا كل شئ ..وقرروا فتح صفحة جديدة في . في حياة تلك العائلة التعيسة ..ربما هم الآن يخططون لإنزال العقاب بالقاتل وأخذ
الثأر لآبائهم... فهم يحملون النطفة ذاتها؛ التي لا أعرف من أية طينة جبلت.. وعلى أي
صورة خلقت.. أعلى صورة ا لكلاب أم الحمير..أم البقر أم الجاموس. صدقيني لا أعرف
آمـاه... لقد كانوا ثمانية...ثمـانية أشداء ؛يطفح البشر من وجوههم.. لم يتعـرف علي احــد
منهم...لكنني هربت وابتلعتني الطرقات ...غير أن نظراتهم لا زالت تلاحقني.. أنا لســت
خائفـاً منهم،فمن تعود القتل لا يخاف؛لكني هربت،ولم يعـد لي مأوىً سواك..فماذاتقولين
((صمت)) أرجوك قولي شيئاً..لا تقتليني بهـذا الصمت ((صمت)) ((يتهاوى على المقعد))
الأم :- (( تهمهم بكلمات غير مفهومة))
عبد الرحيم :-مـاذا تقولين ؟!((صمت)) يـالك من أم قاسية..أبنك الوحيد الذي بقي على قيد الحياة،يأتي
إليك بعد ثلاثين عـاماً حامـلاً جراحاته.. وعذاباته.. وأوجاع قلبه...وتقتلينه بهذا الصمت،
يالك من ..((يتوقف فجأة)) أعذريني ؛ إذا قلت لك ..انك أقسى امرأة عرفتها في حياتي...
الأم :- ((ترفع رأسها بكبرياء))
عبد الرحيم :- مـا زلت كمـا كنت .. أنف عالٍ ...كبريـاء بلا حدود.. لقد تأكد لي الآن...أن وحشـيتنا
التي ـــ بقيت صفة ملازمة لنـا ـــ قد ورثنـاهـا عنك أكثر ممـا ورثنـاهـا عـن أبينـا أو
جدنا...انك قاسية أكثر منهم..((بألم)) آهٍ ...لو تدركين ـــ فقط ـــ أسباب عودتي
الأم :- (( تلتفت أليه مطلقة زفرة تنم عن الضجر ))
عبد الرحيم :- أمـاه...أسمعيني ولو كلمة واحدة..قولي لي : أخرج من هنـا.. سوف أذهب سريعاً ولن
أريك وجهي ثانيةً...((صمت)) لا تقليني هكذا.. سئمت كل شئ..انتهت الحياة بالنسبة لي
فهذا الألم في القلب يزداد يوماً بعـد يوم.. ياآلهي :أهكـذا أنتهي ؛عذابات الضميروأوجاع
القلب القاتلة..وجفاء الأم ؛ كلها تأتي دفعة واحـدةً ،وليس في استطاعتي أن أدفع واحــداً
منـها ..أيـة حيـاة هـذه ؟!
(( صمـــت طويــــــــل ))
الأم :- كابوس....كابوس...يأتي كل حيـن ...يأتي كل يوم وكل ليلة...
عبد الرحيم :- ((بفرح شديد)) ألهي..تكلمت أخيراً..لم يخـب ظني أبـداً...عظيم أنت يا عبد الرحيم..لقد
جعلت الحجر ينطق أخيرا..لقد نجحت في رفع قناع القسوة الذي كانت تختفي خلفه..
الأم :- كابوس...هـذه الحيـاة مجرد كوابيس...كوابيس تعيش معـنا..في يقظتــنا..في منامـنا..
كوابيـس لعيـنة...
عبد الرحيم :- ما الذي ترمين إليه..من الذي تقصدين بذلك يا أمي ؟؟
الأم :- ليلة أخرى ، ليلة كئيبة كسابقتها..آه..يا للجو الخانق..((تنادي)) أم محمد..أم محمد.....
عبد الرحيم :- لقد ذهبت أم محمد إلى الجحيم...
الأم :- أم محمـد...تتركني دائماً وحـدي..ولابـد أن أعتمـد على نفسي ((تحاول الوقوف))
عبد الرحيم :- ((يحاول مساعدتها لكنه يتردد)) ماذا تريديـن..قولي لي وأنـا أنفذه..لا أريدك أن
تتعبي نفسك يـا أم..
الأم :- ((تفتح النافذة وتجلس بقربها)) أفضل شئٍ للإنسان هو الاعتمــاد على النفس ......
فالآخرون لا فائـدة ترجى منهم أبـداً..
[تسرح الأم بذكرياتها القديمة مع عبد الرحيم]
عبد الرحيم :- ((خائفاً)) إذا سأل عني أحـد.. فقولي : سافر إلى المدينة...
الأم :- ((غاضبةً)) مع ابنة الجيران أيها العاق،مع ابنة الشيخ صالح تفعلها،مع البنت الصغيرة
البريئة...ألم تخجل من نفسك....ماذا نقول للرجال إذا اجتمعوا الليلة في ديوان أبيك..ماذا
نقول لهم ؟؟
ـــ 5 ــــ
عبد الرحيم :- قولوا ما تشاءون..أنا لم أجبرها على..لقد جاءت معي بإرادتها..
الأم :-ومن أين تأتي الإرادة لطفلة لم تبلغ العاشرة بعد ؟!
عبد الرحيم :- لا تثرثري كثيراً...فليس عندي وقت كافٍ لأضيعه معك..
الأم :- عيد الرحيم
عبد الرحيم :- أنـا ذاهب....
[عودة إلى المشهد الرئيسي]
الأم :- لمـاذا هجرني الجميع؟!...لماذا أداروا لي ظهورهم ؟؟!
عبد الرحيم :- لا داعي لهذا التجريح...أنـا بجانبك..
الأم :- أوه...رأسي تدور..الهي : لمـاذا تذكرني بهم الآن...لمـاذا تذكرني بعائلةٍ كانت سعيدة
ذات يومٍ ...ثم أفـلت سعادتها فجأة...((تبكي))
عبد الرحيم :-امـاه...سأعيد إليك السعادة ؛ مهما كان ثمنها...
الأم :-أنـا لا أستطيع...لا أستطيع النسيان...اللعنة على هذه الذاكرة...الهي..أليس هناك وسيلة
يستطيع بها الإنسان الخلاص من ذاكرته؟؟!
عبد الرحيم :- يستطيع...يستطيع يا أماه..لو أنه نسي المـاضي...
الأم :- كيف السبيل إلى ذلك...كيـف؟!..الهي...لمـاذا تنزل لعناتك ــ علينا ــ تترى..لمـاذا؟؟
(( تفتح حدقات عينيها إلى أقصاها)) توفيت يا عبد العظيم...توفيت يا زوجي العزيز
...وتوالت الكوارث من بعدك ...إخوانك تقاتلوا فيـما بينهم؛ لينهب كل منهم ما شاء من
أموال وممتلكات..ثم جاء أبناؤك ليقتفوا أثار أعمامهم ...ولم يبق سوى عبد الرحيم الـذي
هرب ولم يترك وراءه أي أثر..
عبد الرحيم :- أنـا هنـا ياأمـاه...
الأم :- ((بموجة غضب مفاجئة)) لا أدري لمـاذا أسميتك عبد الرحيم ؛ والرحمة لا مكان لها
في قلبك ؟؟
عبد الرحيم :- لقد جئت يا أماه لأثبت لك عكس ذلك..
الأم :- تذهبون...هكذا أنتم جميعاً...تفعلون فعلتكم الدنيئة وتذهبـون...تذهبـون دون أن تلتفتـوا
إلي...أنـا العجوز التي تجرعت ويلاتكم...أنـا التي ربتكم جميعاً ؛ تلفظوني كمـا تلفظ
النواة....تتركوني ــ هكـذا ــ شجرة قطعت أغصانها وحرقت وسط غابة جرداء كانت
بساتين زاهرةً يومـاً مـا .
عبد الرحيم :- لسوف تتفتح الزهور ثانية بعودتي...أمـاه ، لقد عـدت لأصلح ما أفسدته من قبـل...
الأم :- ((بقسوة وجفاء)) حتى لو عدت يا عبد الرحيم ؛ لن يكون لك مكان في الأرض التي
تركتها تجف وتموت..
عبد الرحيم :- أمـاه ..لاتكوني قاسية علي.....
الأم :- تترك الأرض التي كنت تستظل بأشجارها..تترك الأرض التي منحتك الحياة والأمان،
تترك الأرض التي كانت تغفر لك ـ دائماً ـ وتخبئك كلما ارتكبت فعـلاً مشيناً..تتركــها
تجف وتموت... إنها لن تغفر لك نهائياً يا عبد الرحيم...لن تسامحك أبداً يا عبد الرحيم..
عبدا لرحيم :- إذن.. فأنت تطردينني ؟!
الأم :- تسافر دون كلمة...تسافر دون أن أعرف عنك شيئاً...يالـك من ولـد عاق ...
عبد الرحيم :-(( يصرخ)) أنـا لم أسافر عبثـاً...لقد سافرت مضطراً..إذ لو أنني بقيت هنا ..لكشف
السر...وعرف الجاني...لقد هربت وأنـا أحتفظ بالسر ..ولا أحد يعرف السر سواي.
الأم :- مـاذا أقول عنك يا عبد الرحيم ..لقد أسلمتك بيد الله...ليبتليك بمثل مـا ابتليت به....
عله يعذبك بأبناءٍ يجحدون حقك ويفارقونك مثلما فارقتني...لتعرف معنى أن يترك
الابن أمـه أو أبـاه....
عبد الرحيم :- لمـاذا تحطمينني هكذا...لقد فعلتها مرةً وتزوجت ؛ وفي لحظةٍ من لحظات الطيش
ـــ 6 ــــ
خنقتها.. كان جمالها يغري الرجال؛ كل الرجال؛ وكان ذلك سبباً كافياً لقتلها..خنقت
المرأة التي آوتني واحتضنتني ....وفتحت لي بيتها وقلبها...وفر الابن ..لا يلوي على
شئ...بحثت عنه طويلاً؛ ولم أعثر على أي أثرٍ يدلني عليه...دعواتك مستجابة أيتها
الأم.. دعواتك مستجابة قبل أن تدعي بها...أرجـوك كفـاك تعذيباً لي..أرفقي بحالي...
ولا تكوني قاسيةً أكثر ممـا أتصور..
الأم :- أنـا الملومة طبعاً..كنتم تلومونني دائماً...لأني أحببتكم جميعاً دون تفريق .
عبد الرحيم :- اثبتي ذلك الآن....اثبتي ذلك..أن كنت أمـاً حقيقية .
الأم :- قولوا عني مـا تشاءون..فأن الحب لا يعني الخضوع لرغباتكم الجشعة الدنيئة..
عبد الرحيم :-أنـا لا أريد الآن شيئاً.. أنـا لا أطالبك الآن بشئ...
الأم :- في كل مرة تأتون وتذكرونني بحنان الأم. وتمتصون مني مـا ترغبون؛ ولكني بعد
الآن لن أخضع لأساليبكم الملتوية...ولن أطأطئ رأسي لأحـد...
عبد الرحيم:- أنا لا أريد أن تطأطئ رأسك لأحـد..أنـا أطالبك بشئٍ من الحنان...شئ من حنانك يرفع
عن كاهلي هـذا الكابوس الذي يجثم عليه...
الأم :- هـذه هي الحياة..هم..وكوارث..وويلات..وكوابيس خانقة..
عبد الرحيم :- ((يحاول تغير الموضوع)) أمـاه ــ على ذكـر الكوابيس ـــ لابـد أنك ــ حتى الآن ــ
تعشقين تفسير الأحلام ..لقد حلمت قبل أن أراهم بليلة..إنني في صحراء موحشة....
وفجأة ظهر لي ثعبان ضخم ــ أسود على ما أتذكر ــ له ثمانية رؤوس ؛ قبض علي ؛
وإذا بيد معروقة تمسك ذلك الثعبان ؛ وتطيح به بعيداً..لم أر صاحب تلك اليد لفرط
ذهولي ؛ لكنه سقاني مـاءً...وحين أفقت لم أجد أحـداً بقربي..
الأم :- كابوس...كابوس أخر...
عبد الرحيم :- أنـا فسرت الحلم ـــ هكذا ـــ في البداية...لكني تذكرت اليـد...ألا تعني تلك أيـد يا أمي:
أن هناك قلباً حنونـاً يعطف علي ؟؟
الأم :- لا...لا...فالكوابيس لا تصدق..
عبد الرحيم :- ((يصرخ بصوتٍ عالٍ )) هـذه رصاصات قاتلة توجهينها إلي عن عمـد...انك تريدين
قتلي فعلاً..((تدخل الخادمة على صوت الصراخ))
أم محمــد :- سيدي أنك تضيع وقتك سدىً...إنها لا...
عبد الرحيم :- ((مقاطعاً)) لا؟؟؛ لا تقولي شيئاً..أخرسي ؛ وألا قطعت لك لسانك ((يتهاوى عبدالرحيم
على المقعد..وبعد فترة صمت ))
الأم :- ((تهمهم بكلمات غير مفهومة وهي تداعب مسبحتها))
عبد الرحيم :- مـاذا تقولين ؟!
الأم :- ((لا تجيـب ))
عبد الرحيم :- قولي شيئاً..
الأم :- مـاذا أقول لك يا عبد الرحيم ؟!.. لقد أسلمتك بيد الله..
عبد الرحيم :- لا تقتليني هكـذا ... أليس في قلبـك شئ من الرحمة...أليس في هـذا الحجر الصلد شئ
من الإنسانية،الهي...يارب القسوة والرحمة...يا حاكما يقضي كيف شاء ..هل هذه التي
أمامي هي أحدى مخلوقاتك...ألم نبيك ((أن الجنة تحت أقـدام الأمهات)) ..كيف تدخل ة
أمرأة مثل هـذه جنتك ؟؟!
الأم :-أهكـذا الجزاء إذن... أهكـذا الجزاء يا عبد الرحيم؟؟...لقد أعطيتكم كل شئ..ولم أبخل
عليكم بأي شئ... أهكـذا يكون جزائي... رمـة متروكة في العراء...تنعق الغربان حولها
؛ وتعوي الضباع ...أهكـذا الجزاء؟؟! .
عبد الرحيم :- ((يصرخ)) أم محمـد..
أم محمـــــد :- نعم يا سيدي...
ــــ7ــــ

عبد الرحيم :- أنت هنـا ؟! أم محمـــــد :- نعم يا سيدي
عبد الرحيم :- تعالي اقتربي مني ((أم محمد لا تبرح مكانها)) لا تخافي
أم محمـــــد :- أنـا لست خائفة يا سيدي...لم يبق لدي شئ أخاف عليه...لكني أود أن أقول لك ....
أن أمـك...
عبد الرحيم :-لا تقولي عنها شيئاً..((بعد فترة صمت)) أسمعي: أريد أن أسألك سؤالاً..
أم محمـــــد :- تفضل يا سيدي....
عبد الرحيم :- متى تصبح ألأم قاسية ؟
أم محمـــــد :- الأم ؛ يا سيدي كالأرض...لا يمكن أن تكون قاسية على أبنائها ؛لكنها إذا أهملت..جفت
ويبست خضرتها....وإذا انقطعت عنها الميـاه...تشققت قشرتها وغدت أرضاً قاسية
جرداء...أمـا الأعمـاق ؛ فأنها تبقى ندية رطبة...هكـذا هي الأم..وأمـك يا سيدي...
عبد الرحيم :- ((مقاطعاً )) كفى ..فهمت..فهمت كل شئ..لقد أنتهى العطاء لدى أمي... إن الثلاثين
عاماً المـاضية كفيلة أن تحفر في الأعمـاق..وتمتص الندى..أم محمد..لقد جفت الأرض
كلها ؛ فلا تحديثني عن القشرة...
أم محمـــد :- لمـاذا لا تدعني أتكلم حتى النهاية..لمـاذا تقاطعني دائمأً ؟!
الأم :- مـا فائـدة الكـلام..مـا فائـدة العتاب......لـم تكن أذانكم تسمع ألا أصـوات الصرخات
والاستغاثات ...أعينكم لم يكن يروقها إلا منظر الدم المنفجر من الطعنات...أيها القتلة
لكم الله ..لكم الله...
عبد الرحيم :-أهكـذا تخاطبينني يا أم... أبعـد ثلاثين عاماً أسمع الكـلام ذاته...أبعـد ثلاثين عامـاً من
التسكع في الطرقات وحمل الجراح ؛ تسميعنني مثل هذا الكلام...أماه ثلاثون عاماً
وأنـا بحاجةٍ لحديث يدفأ القلب الذي تآكلت عروقه، ثلاثون عاماً من العبث بالأموال
التي حصلت عليها ـــ كانت صفقة رابحة حقـاً ـــ بالـدم اشتريت المـال...وبالمـال
خسرت حيـاتي ....
أم محمــــد :- لا عليك يا بني...لا عليك .
عبد الرحيم :- أم محمـد ..عشت أيامـاً وأنـا أتقلب في الفنادق والحـانات .. عشت منعزلاً في غرفةٍ
بائسةٍ .. نهشني الأم فتقوس ظهري ومشيت على أربع..ومع هـذا ؛ منعني كبريائي
من أن أمـد يدي سائلاً..وبدون أن أدري جئت إلى هنـا ...شعـور غريب اجتـاحني
فاندفعت هاربا من سنيني...وبخطوات أثقلتها العذابـات جئت لأمـد يدي إليها ..إليها
وحـدها... قطعت الوادي القاحل ــ الذي قطعت به أخوتي ــ قطعته لأجـد حجراً صلباً
غـدا يجثم على صدري ويمزقني شر تمزيق...أنـا لا أطمح بالصفح أبـداً، لأنني أدرك
مـا فعلت..وأقصى مـا أطمح إليه ؛ أن أقضي أيتامي البـاقية في حضن مهدي الأول..لم
لا يصدقني أحـد ؟!
الأم :- كلمـات...كلمـات..تعدون أمـكم بكلمـاتٍ ؛ وتكذبون، تتركونها وحيـدة وتذهبون،كاذبون
أنتم أيها الأبناء...ملعونون إلى يوم يبعثون .
عبد الرحيم :- أنـا لن أتركك بعد الآن..أرجوك أن تنسي كل شئٍ وتذكري ــ فقط ــ ذلك الطفل الذي
أحببته حبـاً حسـده الآخرون عليه ..ذلك الوجه المجـدر الذي سهرت الليالي الطـوال
تناغيـه وتغنين له ((يترنم))
[[ أهكـــذا كـل ولـــد أم لــم يلــــد مثلي أحــــد ]]
أتذكرينها ..تلك الأغنية الحبيبة على نفسي، التي لأم أكن أنام ألا بعد سماعها منـك ...
كنت تغنيها لي حتى بعدما كبرت...أتذكرين قصص العفاريت والجنيات ..الجميع كانوا
ينامون،ويتركونك تتحدثين ألا أنـا.لم يستمعوا لقصصك أو يحفظونها..كما أنا ، أنسيتني،
أنسيت ذلك الطفل الذي كنت تقولين عنه في كل مكان :- انه أحب أبنائي إلي.. أمـاه أعز
ـــ 8 ـــ
أبنائك هو الآن بين يديك ،يلتمس منك نظرة حنان واحدةٍ ولا شئ غيرها..فماذا تقولين؟؟!
أم محمــد :- كنت آمنـة مطمئنة في بيتي..ما الذي جعلك تبيعني لهؤلاء..سامحك الله يا أبي..الذنب
ليس ذنبك...أنه الفقر اللعين...أتيت بي أشتغل كي توفي ديونك..وإذا بي أتحول إلى
عبـدةٍ لهم...الهي لمـاذا جعلتني أعيش حتى هـذه اللحظة..لمـاذا جعلتني أرى كل هذه
المصائب ؟؟!
عبد الرخيم :- كلميها يا أم محمـد...كلميها ولو قليلاً...أنت أم وهي أم..علها تجد في كلامك ما يغفر لي
ذنـوبي..
الأم :- ما الجديد إلي جنيته...كـلام ؟!...عتـاب ؟؟!..كـلام وعتاب كل ليلة ...ما الفائدة؟...أنني
أثرثر فقط...لا أحد يسمعني...ولا أحـد يرد علي...
أم محمـــــد:- ((تبكي)) حقـاً..ما فائدة الكلام..لن يرجع الكلام الخوالي ؛ التي ولت الى غير رجعة...
لا فائدة ترجى يا بني .
عبد الرحيم :- أأخرج من هنا ــ هكـذا ــ دون أن أحصل على أي شئ ..لا ..هـذا أمر مستحيل((يقترب
من الأم))
أم محمــــد :- ما الذي تريـده ــ بعـد ــ من هـذه المـرأة التي أعطـت كل شئ ، وضحـت بكل شئ.. ..
أنصحك يابني أن تترك هـذه العجوز حالاً..لأنها لم تعد تحتمل مصيبة أخرى..
عبد الرحيم :- ((إلى أم محمد)) لا تخرفي أيتها العبـد العجـوز...أنـا لا أريـد منها شيئاً..أنـا أريـد أن
أطمئنها ــ فقط ـــ بأني لم أعـد ذلك الوغـد القـاتل الذي عرفته من قبل .أريـد أن أكفر
عن سيئاتي لأعيش أيامي الأخيرة مطمئناً ((إلى الأم))أماه منذ فترةٍ طويلةٍ وأنا بحاجة
إلى لمسة عطوف...هـذا هو هـدفي في الحياة الآن...فامنحيني حياتي أتوسل إليك !!!
[[ يقترب من الأم ، فتعترض أم محمد طريقه ]]
أم محمــــــد :- لا...أرجوك...أرجـوك أن تبتعـد عتها يابني ...
عبد الرحيم :- ((بمزيج من السخرية والدهشة)) أبتعـد عنها؟؟!...ماذا تعنين...هـل تعتقديـن بأنني
سوف أقتلها ؟!
أم محمـــــد :- أجل...إن اقترابك منها يعني موتها ...فأرجوك يابني أن تبتعد!!
الأم :- أم محمد..أم محمد..
أم محمــــــد :- (( تلمس كتف الأم)) نعم سيدتي..
الأم :- لقد أنتظرت طويلاً..أنتظرت أن يأتي يوم أحتضن فيه أحد أبنائي... انتظرت حتى
مللـت الانتظار...لذا قررت ــ اليوم ــ أن أنتزع هـذه الرغبة من نفسي نهائياً..فمـــا
رأيــك ؟
أم محمــــــد :- ((إلى عبد الرحيم)) أرأيت أنها لا ترحب بـك ..لا تريدك..فهيا ..هيـا يا سيدي غادر
المنزل حالاً ...أرجوك ..
عبد الرحيم :- ما الذي دهاك أيتها العجوز الخرقاء؟ تأمرين وتنهين كيف تشائين .. منذ متى أصبحت
سيدة للمنزل ؟؟..منذ متى تحول الخدم، ليصبوا سادة على أسيادهم((صارخاً))منذ متى
الأم :- ((بابتسامة)) اليـوم ...اليـوم حان الوقـت لأرفع الغشاوة عن عيني...اليـوم بـدأت أبصـر
الأمور على حقيقتها ،لـذا فأنا غير آســفةٍ على نفسي..بل أنـا آسـفة جداً عليهم ؛وأقـول
لنفسي : متى يأتي اليوم الذي يدرك فيه هؤلاء الأبناء حقيقتهم ؟!
عبد الرحيم :- ((مخاطباً الأم)) أنت مع رأيها إذن..يا آله السماوات أي مأزق وضعتني فيه..أهكذا
تهزا الأقدار بي...ألا يكفيها سخريتها بي عندما كنت بعيـداً... هل جاءت لتلاحقني في
هذا المكان القصي..هل جاءت لتكشر لي عن أنيابها ثانية..لقد هربت منها طويلاً...
وظننت أني سأكون متحرراًً من قيودها اليوم حتماً ؛ غير أنها لازالت مصرة على
ملاحقتي دون هوادة...بغيضة هي الحياة.. إنها وحش كاسر لا يترك طريدته إلا بعد
أن يفترسها كلية .....أيتها السماوات..أيتها النجوم...أيتها الدروب القاحلة الموحشة...
ـــ 9 ـــ
أيتها الأراضي التي تطمئن في بطونها الأفاعي والضباع والذئاب... أليس من حقي
أن أجد في عقر داري الأولى....في مهد طفولتي الأول..ملاذاً أحتمي به((يمسك قلبه
متوجعاً))متى تفك حصارك عني أنت الأخر ((يهيج غاضباً كالثور محطماً كل شئ
يراه أمامه)) أية سموم أتجرع؟؟ وأي خناجر أتلقى طعناتها مكشوف الصدر...اية سهام
تنبت في جسدي ثابتة لا تحيد...أماه لا تضطريني إلى هزك وإيقاظك من كوابيسك التي
لا تنتهي !!
الأم :- أنتهت...أنتهت الكوابيس التي تزوروني كل يومٍ وليلة..الآن..ــ الآن فقط ــ استيقظت من
غفوتي الأزلية...
عبد الرحيم :- ((يسقط أرضاً ويتقدم زاحفاً نحو الأم)) أماه..أرجوك..أتوسل إليك..كفي عن تحطيمي
هكــذا...
أم محمـــــد :-الهي...أي عذاب تحملني إياه...أسمع أيها الرجل ؛ لصالحك ولصالح هذه المرأة ..أبتعد
من هنا...
عبد الرحيم :- ((وقد أدركه التعب)) تنحي جانباً...تنحي أرجوك..أنـا لا أريد إيذائها ..أنـا أريد الركوع
أمامها وتقبيل يدها فقط...
أم محمـــــد :- وأنـا أمنعك..
عبد الرحيم :- ماذا ؟ تمنعيني ؟! (( إلى الأم)) أهـذا ما تريدين ؟! حتى الخدم..بدؤوا ينتقمون مني...
لقد انتقمت لنفسك بيديك...فلماذا تدعين الآخرين ينتقمون مني أيضاً..لماذا؟ ((إلى أم
محمد)9أسمعي أيتها العجوز الخرقاء ..تنحي جانباً ؛ ولا تدعيني أتصرف معك
تصرفاً تندمين عليه ...
أم محمـــــد :- أتنوي قتلي ؟؟!
عبد الرحيم :- ما أسهل ذلك علي ..
أم محمــــــد:- أنا من حملتك صغيراً..وخدمتك كبيراً تريد قتلي ؟! لابأس..أنا مستعدة لذلك..ولكن لن
أدعـك تقترب منها ألا على جثتي..
الأم :- أية ليلةٍ ثقيلةٍ هذه..
عبد الرحيم :- ((يندفع ثائراً،يدفع الخادمة بقسوة ويسقطها أرضاً ،يصرخ بوجه الأم)) كفى،من تظنين
نفسك ؟ أأنت سيدة الكون؟؟ أأنت من أعطى للأرض أبعادها..أأنت من أعطى للسماء
ألوانها...أي قلبٍ حاقدٍ تحملين؟؟ أي سوادٍ تتلفعين به..كفي عن اللعب بي ..لم يبق منك
ألا الأنفاس ..هل تريدين أن أقضي عليها ؟؟!((يتقدم نحوها وقد أتقدت عيناه شررا ثم
يتراجع في اللحظة الأخيرة)) لا..لا..لو كان غيرك لفعلتها..ولكن أنت..لن أفعلها معك
لا خوفاً و لا رحمة..لا عطفاً ولا شفقة..ولكن لأنك أمي (( يرتمي عليها موسعاً يديها
تقبيلاً..تصرخ الأم فزعة ))
الأم :- أم محمد...أم محمد..أسرعي... لص في البيت..أه..أه ..((يغمى عليها))
عبد الرحيم :- (( يصرخ)) أنـا لست لصاً .أنـا أبنك عبد الرحيم ياأمـاه.
أم محمـــــد :- ((بحزم)) كفى...يجب أن نضع حـداً لهـذه المهزلة..أبتعد يا رجل..أبتعد أرجوك ..لقد
أغمي عليها...
عبد الرحيم :- مـاء ...ماء..اجلبي مـاءً بسرعةٍ أيتها الخرقاء
[[ الخادمة لا تتحرك ؛ بل تحتضن الأم وتبقى جالسة بجانبها ))
أم محمـــــد :- لا فائدة..لا فائدة ترجى من إيقاظها..دعها ـــ هكـذا ـــ أفضل..
عبد الرحيم :- (( إلى أم مجمد)) سأنتقم منك يوماً أيتها العجوز الثرثارة ((إلى الأم)) أماه..أماه..ما
الذي جرى لك يا أمـاه ((الأم ساكنة بلا حراك)) تكلمي يا أماه ...كلميني..أنطقي....
قولي شيئاً..أي ِشئ..
ـــ 10 ــــ
أم محمــــد :- هـذا ما كنت أخشاه منذ البداية..أنك لا تريد أن تفهم ما يجري حولك..
عبد الرحيم :- ((صارخاً)) أنـا لم أفعل شيئاً
أم محمــــد :- هكـذا أنت ــ دوماً ــ منذ عرفتك تلقي بذنوبك على الآخرين
عبد الرحيم :- ((إلى الجمهور )) قسماً بكل المقدسات لم أفعل لها شيئاً..أنـا أردت ــ فقط ــ أن تراني
راكعاً أمامها مقبـلاً يديها...
أم محمــــد :- وأنى لها ذلك وقد أطفأت مصائبكم نـور عينيها !!
عبد الرحيم :- مـاذا تقصدين أيتها الحمقاء ؟؟!
أم محمـــــد :- إن أمـك لم تعد ترى شيئا يـا عبد الرحيم ((مؤثر موسيقي مناسب))
عبد الرحيم :- لاترى شيئاً..لم أتصور ..النور خافت كما ترين..لكنها سمعتني..أنا متأكد إنها سمــعت
كل كلمةٍ قلتها..لقد كلمتها كثيراً..ولا بد إنها فهمت ما أريد !!!
أم محمـــــد:- ما الفائدة يا سيدي..
عبد الرحيم :- أتعنين أنها...((لا يستطيع أن يكمل))
أم محمـــــد :- أنها لا..
عبد الرحيم :- ((مقاطعاً )) لا..لا تنطقي بربك..لا تقولي شيئاً
أم محمـــــد :- لا تسمع شيئاً يا سيدي
عبد الرحيم :- كـذب..كـذب ...لقد كلمتني كثيراً.. لقد أجابتني على كل سؤالٍ سألته...
أم محمــــــد:- إنها تثرثر..تهذي.تهذي يا عبد الرحيم..إنها تكلم نفسها دائماً...كل ليلةٍ تجلس أمام هذه
النافـذة وتجتر الذكريات ...إنها لاترى ، ولا تسمع ياعبدالرحيم ..لاترى،ولا تسمع...
أفهمـت الآن...
عبد الرحيم :- ((بذهول تام؛ يدور في المسرح بلا هدف)) هي لا ترى ولا تسمع ..لا ترى ولا تسمع
(( يضحك ضحكة هستيرية..ثم يبكي بصوتٍ عالٍ ))هي لاترى ولا تسمع..إذن فقد
قطعت المسافات الشاسعة..حامـلاً كل أوجاعي القاتلة...لكي أكلم نفسي!!وماذا قلت....
أنا لم أعد أفقه ما أقول..أنا لم أعد أفهم حتى كلماتي...يالها من أضحوكة حتى نفسي لم
تعـد تفهم نفسي...((يضخك)) أمي لاترى ولا تسمع..ونفسي لم تعد تفهم نفسي..
[[ يضحك..يبكي..تارة بحزن..وتارة بغضب..يقفز في المسرح كالأطفال..يستمر
مردداً الجملة الأخيرة...تسدل الستارة ببطء))



الختـــــــــــــــــام

11/ 9/1983

- draljupory@yahoo.com
- m.algoboury@yahoo.com
-
aljupory@hotmail.com
 

 

التعليقات


 

العزيز الوائلي السعيد المحترم
تنويه مهم
أرجو تفضلكم بتصحيح معلومة وردت حول مسرحية الصدى التي تفضلتم بنشرها في موقعكم الموقر
فالمسرحية ترجمت فعلا الى اللغة الكردية والأسبانية
كما ورد في المقدمة
أما المسرحية التي ترجمت الى اللغة الفارسية هذه السنة فهي مسرحية ( في الغرفة) التي نشرها لي موقعكم الموقر في وقت سابق
وللأمانة العلمية والمصداقية التي يتميز بها موقعكم
أرجو نشر هذا التنويه مع الأعتذار لكم وللسيدة المترجمة
(فاطمة مدني سرباراني )
التي قامت بترجمة مسرحية
في الغرفة
مع التقديــــــــــر
تحياتي
د.مجيد حميد الجبوري
25/3/2008

 
  الاسـم
  الموضوع
  العنوان

 

 

 

 

 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الهدف الثقافي

Copyright © 2005 [tahayaty@yahoo.com]. All rights reserved
Revised: 03/25/08 / Tel :313-615-0053