|

جامعة
البصرة /
كلية الفنون
الجميلـة
" قسم الفنون المسرحية"
* تمهـيـد
التجريب لغة مأخوذ من التجربة ، وجرّب الشيء تعني ( أختبره وأمتحنه
)(1) ، والمجرب هو الذي جرب الأمور وأحكمها (2) ، وعليه فأن التجريب في
المسرح يكون من خلال اختبار الأفكار والاستخدامات الفنية على المسرح
وامتحانها في العرض المسرحي على أن تكون تلك الأفكار والاستخدامات تحمل
معانٍ ودلالات جديدة لم يتناولها أحد من قبل . (أن مصطلح التجريبية
(EXPERIMENTAL مصطلح علمي أستخدمه ( داروين ) في نظرية ( التحول) ،
وذلك في منتصف القرن الماضي بمفهوم التحرر من النظريات القديمة في
محاولة منه لاستكشاف الحقائق العلمية الجديدة ، كما أستخدمه أيضاً (
كلود برنارد) في بحثه ( مقدمه في دراسة علم الطب التجريبي )(3) وقد
تلقفت الحركة الانطباعية هذا المصطلح وتبنته لما يحمله من معاني التحرر
والاستكشاف ولما فيه من إغراءات تتيح إمكانات أبتكارية جديدة حيث تمكنت
من خلال التجريبية اكتشاف أساليب جديدة في توزيع تأثيرات الضوء الطبيعي
وانعكاساته في الطبيعة ، أما في الفلسفة فأن بداية التفكير التجريبي
تسجل لـ ( ديكارت) في القرن السابع عشر وذلك من خلال فلسفته التي تؤكد
على الذات وفي مجال المسرح أطلق المصطلح في أواخر عام 1896، على مسرحية
( الفريد جاري) المسماة ( أوبو ملكاً ) والتي اعتبرت بداية أنطلاقة
الاتجاهات الحديثة والمستقبلية ، و السريالية ، والعبثية وغيرها في
الاتجاهات الحديثة والتي اتخذت من محاولات التدمير والهدم لكل التقاليد
القديمة وسيلة للتعبير عن أهدافها(4) وهكذا يمكن الاستنتاج أن المسرح
التجريبي بهذا المعنى هو المسرح القادر على استكشاف وسائل جديدة مبتكرة
في مجال التعبير المسرحي لم تستطع وسائل المسرح التقليدي التعبير عنها
، أنه المسرح الذي يتمرد على النظام التقليدي للمسرح السائد في محاولة
منه لمسايرة التقدم الحضاري للمجتمع ، أنه مغامرة جديدة تحتمل النجاح
والفشل ، مغامرة محفوفة بالمخاطر والمزالق وعلى من يرغب القيام بها أن
يتسلح بخبرة ودراية بكل أسرار اللعبة المسرحية فأن ( تكون تجريبياً
يعني أن تقوم بغزو المجهول ، وهذا الشيء لا يمكن التأكد منه إلا بعد
حدوثه )(5)
لذلك فعلى ـ المجرب ـ أن يضع في عين الاعتبار إيجاد البدائل الصالحة
وأن يتقبل بعد انتهاء المغامرة مختلف ردود الأفعال سلباً كانت أم
إيجاباً وأن يفيد منها في مغامراته القادمة . كما أن عليه أن يضع في
حساباته تجارب من سبقوه ويعنى بدراستها عناية متأملة متفحصة حتى لاتكون
تجربته منقطعة عن سياق التطور التاريخي والحضاري للمجتمع والفن . فرغم
أن مصطلح التجريبية في المسرح قد أطلق رسمياً عام 1896 ، إلا أن
التجريبية كفعل على
المسرح ، أخذت مداها قبل ذلك بسنوات حيث يمكن تلمس ملامح التجريب عند
ستانسلافسكي في تأكيده على أهمية الممثل وتطوير ابتكاراته وتنمية
أدواته بحيث تكون فعالة ومتجددة في كل حين ، كما يمكن تلمس ملامح
تجريبية أخرى في عمل المخرج الإنكليزي ( كوردن كريج ) من خلال تأكيده
على أهمية المنظر المسرحي الذي يمثل اللغة الرئيسة في العرض المسرحي .
أما المخرج ( أدولف آبيا) فقد أتجه نحو الإضاءة فجعل منها العامل
الحاسم في إيصال شفافية وجمالية الأعمال المسرحية التي كان يخرجها .
بينما توجه المخرج الروسي ( فيسفولد مايرهولد ) أتجاهاً آخرا عندما بدأ
بالعمل على إيجاد رؤى أخراجيه فلسفية تستنبط معانٍ وتجرب آفاقاً جديدة
للنص المسرحي حيث جمع بين الشاعرية والرمزية من خلال إخضاعه حركة
الممثل لأسسٍ تشكيلية فنية تزينيه أما الألماني ( برتولد بريخت )
وأستاذه ( أروين بسكاتور ) فقد كان التجريب لديهما يعني إبراز الطابع
التعليمي التربوي على المسرح . بينما عمد المخرج ( أنتونان آرتو) إلى
البحث عن الصور الداخلية التي تكمن خلف الكلمات ، للتأكيد على إبرازها
والإقلال من شأن اللغة ومدلولاتها اللفظية الخارجية . أما البولندي (
جيرزي كروتوفسكي )والإنكليزي ( بيتربروك) والفرنسي ( جان كوبو ) فأن
تجاربهم كانت في مجال البحث عن علاقات حيه مبتكرة جديدة بين الممثل
والجمهور(6).
* لمحة سريعة عن تطور التجريب في المسرح العراقي
أن ملامح تطور التجريب في المسرح تختلف تبعاً للبيئة التي تنتج ذلك
التجريب ، إذ أن طرق التجريب وأساليبه ( أنما ترتبط ـ في الواقع ـ
بالمناخ الحضاري والعصر ووجهة نظر الفنان من الكون وموقفه من الإنسان ،
والتجريب ليس برفاهية فنية ولكنه ضرورة يفرضها قانون تطور الأشياء ،
لكي يصبح الفن عصرياً وليس متحفيا ً)(7) ، لذلك عمد فنانو المسرح
العراقي في بداياتهم المبكرة على ابتكار الوسائل الجديدة التي تستطيع
تخليص فنهم من المتحفية والتقوقع في إسار التقليد للعمل على تمييز
شخصياتهم الفنية من جهة وتأكيد موقفهم من الإنسان والحضارة من جهة أخرى
ويمكن القول أن بديات التجريب في المسرح العراقي تقترن مع البدايات
الأكاديمية للمسرح العراقي ، إذ تسجل المصادر كثيراً من الروايات عن
التجارب التي قام بها الأستاذ المرحوم ( حقي الشبلي ) مع طلبته في معهد
الفنون الجميلة ، بعد تأسيس فرع التمثيل ـ في المعهد المذكور ـ عام
1940 ، حيث كان رائد المسرح العراقي المذكور يخرج ( فصولاً أقتبسها من
مسرحيات عالمية ، عرضها في عقد الأربعينات وشارك فيها طلابه في الدورات
الأولى بالمعهد : إبراهيم جلال وجعفر السعدي وجاسم العبودي واسعد عبد
الرزاق )(8) وغيرهم ، وكان هذا الاقتباس بحد ذاته يعتبر تجربه جديدة
على المسرح العراقي ، حيث كان يأخذ منحى أكاديمياً ـ مختلفاً ـ عما
ألفه الجمهور العراقي ـ حينذاك ـ . وقد نهج تلامذة الأستاذ المذكور
النهج نفسه ، وكانت بعض أعمالهم علامات مهمة في مسيرة المسرح العراقي
نذكر منها علي سبيل المثال مسرحية ( شهداء الوطنية ) تأليف وليم
سارويان إخراج جعفر السعدي ، ومسرحية ( كلهم أبنائي ) تأليف آرثر ميللر
وإخراج جاسم العبودي .. وغيرها ، أما أهم ما يسجل من تطور في مجال
التجريب فنجده في تجارب الأستاذ المرحوم ( إبراهيم جلال ) الذي قدم
تجارب متطورة جديدة عكس من خلالها فهمه الخاص لمسرح ( بريخت ) وذلك في
محاولاته إضفاء الصبغة المحلية لبعض من النصوص المعدة عن مسرحيات
الكاتب والمخرج الألماني المذكور ، وربما تعتبر مسرحية ( دائرة الفحم
البغدادية ) المعدة عن مسرحية ( دائرة الطباشير القوقازية) ومسرحية (
البيك والسايق ) المعدة عن مسرحية ( بونتيلا وتابعه ماتي )هما انضج
تجارب الأستاذ إبراهيم جلال في هذا المجال ، كما أنه حاول أن يطبق فهمه
لهذا المسرح في تجاربه الأخرى وذلك في مسرحيات ( الطوفان ، المتنبي )
تأليف ( عادل كاظم ) ومسرحية ( دزدمونه) تأليف يوسف الصائغ، وكذلك (
حميد محمد جواد ) عام 1965 في إخراجه لمسرحية ( هاملت ) حيث أوجد
المخرج مكاناً وفضاءاً جديدين للعرض المسرحي ، حين مد لساناً طويلاً من
المسرح يمتد وسط المتفرجين يجري عليه التمثيل وكانت تلك تجربة جديدة
على المسرح العراقي ، إلا أنها تذكرنا بمعمارية المسرح الأليزابيثي كما
كان لتجربة الأستاذ ( قاسم محمد) في نهاية السبعينات ، في إخراجه
لمسرحية ( بيت برناردا البا ) تأليف الأسباني لوركا هي الأخرى صدى طيباً
في المسرح العراقي حيث جعل العرض بأكمله يدور داخل قفص وضع وسط
المتفرجين الذين يحيطون به من كل جانب ، وكان للأستاذ المذكور سعي حثيث
في التأصيل لمسرح يحمل الهوية العربية ، حاول أن يوضح بعضاً من ملامحه
من خلال عروضه الاحتفالية مثل ( بغداد الأزل بين الجد والهزل ) و(
أحاديث في مجالس التراث ) وغيرها . كما حفلت السبيعنات والثمانينات
بابتكارات وتجارب جديدة في عروض المسرحيات التي اخرجها الأستاذ ( سامي
عبد الحميد ) ، ولعل ابرز تلك التجديدات نجده في مسرحية ( هاملت عربياً
)عندما حاول تقريب مسرحية ( هاملت ) من الأجواء العربية و أجرى أحداثها
في بيئة بدوية ، كما نجدها في مسرحية ( كلكامش) التي أعدها بنفسه عن
ملحمة ( كلكامش ) المعروفة وقدمها بفضاء جديد يعتمد الحروف السومرية
عناصر لتشكيل المنظر المسرحي ، . كما تتفرد الستينات بتجربة كان لها
صدى طيباً في المسرح العراقي هي تجربة الأستاذ وتحفل تجارب الأستاذ (
سامي عبد الحميد ) الأخرى بابتكارات جديدة مختلفة ، ولعل ما يميز عروضه
هو حرصه على أن يقدم في كل عرض منها ابتكاراً يثير متلقيه ويجعلهم
يتذكرون أعماله لفترة طويلة ولعل الأمثلة كثيرة على ذلك ، نذكر منها
على سبيل
المثال ( ثورة الزنج ، القرد الكثيف الشعر ، النسر له رأسان ، احتفال
تهريجي للسود ، ليلية من ألف ليلة وليلة ، الرهن .. وغيرها ) كما أن
السبعينات شهدت تجربة مهمة للفنان ( محسن العزاوي ) في إخراجه لمسرحية
( روميو وجولييت ) حين أجرى أحداثها في بيئة معاصرة حيث عدت هذه
التجربة في حينها تجربة محمودة في المسرح العراقي تمنى الكثيرون لو
تكررت في تجارب لاحقة للمخرج المذكور . أما الثمانينات وبداية
التسعينات فقد شهدت هاتان الفترتان انفتاحا كبيراً في مجال التجريب حيث
تعددت الأساليب الإخراجية المبتكرة وشهدت الساحة المسرحية الكثير من
المحاولات التجريبية الناجحة أسهم فيها العديد من المخرجين الذين نذكر
منهم على سبيل المثال ( د. عقيل مهدي، د.عوني كرومي ، ود.صلاح القصب ،
ود. شقيق المهدي ،و الفنان المرحوم هاني هاني ،والفنان عزيز خيون ،
المخرج الشاب عبد الأمير ناجي ، المخرج المرحوم حامد خضر و المخرج غانم
حميد .. وغيرهم ).
*نماذج من التجريب في المسرح العراقي الحديث
أن أهم ملامح التجريب الناجح والمؤثر في حركة المسرح العراقي
نجدها في مرحلة الثمانينات وخاصة في أعمال الجيل الذي تلا جيل الرواد ،
حيث اتضحت ملامح التجريب عندهم وعياً وقصداً ، وسوف تركز هذه الدراسة
على أعمال أربعة من مخرجي هذه الفترة ، اختارتهم الدراسة وذلك لوجود
جملة من الميزات المشتركة التي اجتمعت فيهم – دون غيرهم- رغم اختلاف
أساليبهم الإخراجية وتفرد كل منهم بميزات خاصة به ، والنماذج المختارة
لهذه الدراسة ستكون من عروض المخرجين ( د. صلاح القصب ، د. عوني كرومي
، الفنان المرحوم هاني هاني ، الفنان عزيز خيون) إذ تميز هذا الرباعي
بجملة ميزات مشتركة نذكر منها:-
1ـ أنهم يمثلون جيلاً متقارباً من حيث التجربة والعمر ، فهم يمثلون
الجيل التالي لجيل الرواد ، كما أنهم انطلقوا في ابتكاراتهم التجريبية
مع بداية الثمانينات ومنتصفها وفي أوقات متقاربة جداً، فشهدوا انطلاقة
واحدة .
2ـ إنهم يشتركون في عزمهم على إنشاء هوية خاصة بالمسرح العراقي تميزه
عن غيره من المسارح العربية .
3ـ أنهم يشتركون في معاناتهم القاسية – التي عانوا فيها الأمرين –
للتخلص من الأساليب القديمة والدعوة إلى التجديد ونبذ الركود الذي
ينتاب الحركة المسرحية في العراق بين الحين والآخر .
4ـ إنهم يشتركون جميعاً – حسب اعتقاد الباحث – بتأثرهم الكبير بأستاذهم
الراحل الفنان إبراهيم جلال ، والذي كان له دور بارز في مساندة تجاربهم
ومباركته إياها.
5ـ إنهم يعملون – دائماً- على إيجاد مجاميع خاصة بهم من ممثلين وفنيين
يتوخون أن يزرعوا في دواخلهم فهمهم الخاص للتجريب في المسرح ، ويظهر
ذلك جلياً في الأسر المسرحية التي أوجدها كل من ( د.عوني كرومي ، د.
صلاح القصب ، والفنان عزيز خيون ) وبصورة أقل الفنان (هاني هاني ).
6ـ ان أهم صفة مشتركة في عروضهم هي اجتهادهم في خلق فضاءات جديدة للعرض
المسرحي .
7ـ ان عروضهم أصبحت – فيما بعد- مصادر مهمة للتجارب الإخراجية التي
خاضها المخرجون الشباب ، وذلك لما احتوته تلك العروض من عناصر جمالية
تثير الإدهاش من جهة وتتسم بالإقناع من جهة أخرى .
*المسرحيات المختارة للدراسة
اختارت الدراسة ثمانية عروض مسرحية تتوزع بواقع عرضين مسرحيين
لكل مخرج من المخرجين الأربعة لتكون نماذج تطبيقية لها ، وتتمثل في هذه
النماذج الثمانية أبرز ملامح التجريب في الأساليب الإخراجية لدى
المخرجين المذكورين ، ولا يعني هذا الاختيار أن تلك النماذج هي أفضل ما
قدمه المخرجون المذكورون إلا أنها تعتبر ـ حسب ما ذهبت إليه هذه
الدراسة ـ أفضل النماذج التجريبية لديهم ، فلدى د. صلاح القصب ابتكارات
مثيرة في عروض مسرحياته ( هاملت ، طائر البحر ، حفلة الماس ) إلا أن
البحث اختار ( الملك لير ، وعزلة الكريستال ) لما توفرت عليه
المسرحيتان من ملامح خاصة تمثل جوهر أفكار د. صلاح القصب في مسرح
الصورة ، كما أن للفنان المرحوم هاني هاني جهودا مسرحية مهمة في إخراجه
لمسرحيات ( ألف أمنية وأمنية ، قصة حب معاصرة ، على رصيف الغضب ) إلا
أن البحث اختار له ( الناس والحجارة ، و ألف حلم وحلم ) لتميز الأولى
بفضائها الخاص النادر ، وتميز الثانية بجمعها لدلالات تعبيرية تشترك
فيها اغلب عروض المرحوم هاني هاني أما للمخرج د. عوني كرومي ، فقد
اختار البحث مسرحيتي ( صراخ الصمت الأخرس ، و ترنيمة الكرسي الهزاز )
وذلك لبيئتهما الخاصة ، رغم أن للمخرج المذكور اجتهادات أخرى في إخراجه
لمسرحيات ( غاليلو غاليليه ، تساؤلات إنسانية ، كشخه ونفخه) وغيرها .
ورغم تجارب الفنان عزيز خيون العديدة في إخراجه لمسرحيات ( قارب في
غابة ، الصدى ، لمن الزهور ، تقاسيم على نغم النوى ) إلا أن البحث
اختار له مسرحيتي ( ألف رحلة ورحلة ، ومطر يمه ) لما تميزت به هاتان
المسرحيتان من بطولة جماعية اشترك فيها عدد كبير من الممثلين يندر أن
يتم خلق علاقات منسجمة بينهم في أعمال أخرى .
*أولاً : د. عوني كرومي والفكرة التجريبيـة
السمة السائدة في أغلب أعمال د. عوني كرومي هو غرائبية الفكرة
التي تتناولها مسرحياته ، فأغلب الأعمال التي أخرجها تتوفر على أفكار
مبتكرة جديدة ، فمسرحية ( الإنسان الطيب ) والمعدة عن مسرحية ( الإنسان
الطيب في ستسوان) تدور حول امرأة تسعى ، إلى أن تكون صالحة ومفيدة
للناس الذين هم حولها فبعد أن حصلت على أموال وافتتحت محلا راحت تتقاسم
أرباحه مع المعوزين من أصدقائها وجيرانها حتى وصلت حافة الإفلاس
وإمعانا منهم في إيذائها واستغلالها فإنهم يسلبوا منها حتى المحل الذي
تعتاش منه ، فتتنكر بثياب رجل يدعي انه أخ لتلك الفتاة ويمارس غطرسة
وتسلطاً على الجميع فيستعيد بالتهديد والقوة جميع الممتلكات والأموال
التي سلبت سلفاً ، إلا أن تلك الفتاة تقع في صراع قاسٍ بين طبيعتها
الطيبة – التي أدت بها إلى الإفلاس – وبين الطبيعة الشريرة التي أعادت
لها حقوقها وهنا يتضح التغريب في العرض وهنا تكمن الغرائبية في الفكرة
. أما في مسرحية ( تساؤلات إنسانية ) فقد اقتطع ( د. عوني كرومي )
أجزاء مهمة من مسرحيات عديدة لـ ( شكسبير ، وتشيخوف ،وآخرين ) ، تتضمن
تلك الأجزاء الأسئلة المهمة التي تثيرها المسرحيات المختارة ، وتربطها
بوحدة متسلسلة منطقية توحي بأنها مسرحية واحدة وليست أوصالاً مقطعة من
مسرحيات عديدة ، وكذا الحال بالنسبة لأغلب المسرحيات التي أخرجها
الفنان المذكور حيث أنها تتوفر على أفكار غرائبية مبتكرة ، فالسمة
التجريبية في عروض د. عوني كرومي تكمن في الفكرة الغرائبية التي تقود
العمل برمته نحو التجريب .
أ – مسرحية (( صراخ الصمت الأخرس ))
( تأليف محيي الدين زنكنه ـ تقديم فرقة المسرح الشعبي ـ عرضت
على مسرح ( الستين كرسي ) التجريبي ) .
تدور موضوعة المسرحية حول ضياع الإنسان في القرن الحادي والعشرين وسط
جحيم المبتكرات الحديثة التي تعمل على تضييق الخناق عليه وتحوله – شيئاً
فشيئاً – إلى عبد لهذه المبتكرات ؛ والتي ابتكرت في الأساس لتسهيل كثير
من مستلزمات الحياة ، إلا أنها – نتيجة لدخولها كافة مرافق حياته –
تبدأ في إضعاف نشاطه الإنساني وتتدخل في حياته وتوجهها كما تشاء ، بل
أنها تحاول القضاء عليه وتحوله إلى جماد أو آلة كي يتعايش ويتآلف معها
إلا أن البقية الباقية من إنسانيته ترفض هذه العبودية ، فتصرخ عاليا
معلنة رفضه لكل ما يحيط به ،غير أن صراخه لا يلقى استجابة تذكر ما دام
هو يعيش وسط عالم أصم جامد لا يستجيب لأي عذاب أنساني ، لذلك يصبح
صراخه اخرساً لا نفع فيه ، فيتحول إلى دمية من دمى القرن الثالث
والعشرين تتحرك بواسطة الأزرار شأنها شأن بقية الآلات .. إنها مأساة
إنسان المستقبل .
* عناصر التجريب في العرض المسرحي
1 ـ الفكرة المبتكرة : جاءت الفكرة وهي تحمل استشرافاً مستقبلياً
، ورؤيا متخيلة لحياة إنسان قادم ، إنسان لا نعرف عنه شيئاً في وقتنا
الحاضر ، إنسان القرن الثالث أو الرابع والعشرين الذي تتوقع المسرحية
له أن تكون أشد صراعاته ضراوة مع آلة يبتكرها من خياله ، ويصنعها بيديه
فتتحول إلى سلطة قمعية تمارس قوانينها عليه وتجبره على الخضوع . أن
فكرة هذه المسرحية تمثل تراجيديا المستقبل في مقابل تراجيديا الإغريق ،
فالإنسان الذي سيرته الآلهة في سالف الأزمان ستسيره الآلة في قابل
الأيام .
2ـ فضاء العرض : ازدحمت قاعة العرض والخشبة وصالة المتفرجين بقطع
الديكور والإكسسوار التي اتخذت من الأسلاك وأجهزة الراديو والتلفزيون
والتليفون والكومبيوتر والفيديو مادة لها ، وكانت من القرب والازدحام
والكثــرة بحيث يشعر المتفرج بجو خانق يضغط عليه من كل جانب ، كما أن
هذا الفضاء المزدحم جعل شخوص المسرحية يبدون وكأنهم أقزام وسط هذه
الموجودات ، إذ لم تكن الزحمة تتيح للمتفرج رؤية أجساد الممثلين كاملة
في أي لحظة من لحظات العرض لأن أجسادهم كانت تحجب بتلك المكونات الآلية
. ومع الأخذ بنظر الاعتبار ضيق قاعة العرض فأن دلالة هذا الفضاء
المزدحم كانت تشير إلى أن إنسان المستقبل سيكون محاصراً في لجة من
الآلات والمبتكرات التي يضيع فيها ،والتي تسد عليه كل المنافذ فتقيد
حركته ، إذ لم تكن لديه الحرية – حتى- في تحريك رأسه أو أقدامه أو
ذراعيه متى شاء أو كيف شاء ، لأنه إذا تحرك أيما حركة سوف يصطدم بإحدى
تلك الموجودات المزودة بنظام حماية يؤذي من يؤذيه. كما حملت هذه البيئة
المزدحمة دلالة أخرى فهي ترمز إلى زحمة التعقيدات والمشاكل النفسية
التي تكتنف شخوص المسرحية وتشكل جملة دوافعها وحوافزها النفسية .
3ـ فاعلية الصمت الدرامي : ليس بالجديد القول إن للصمت تأثير مهم في
إيقاع العرض المسرحي ، لكن الجديد في هذا العرض أن فترات الصمت كانت
طويلة جداً ، ولربما كانت فترات الصمت تأخذ حيزاً زمنياً أطول من
الفترات التي كان يجري فيها حوار أو حركة أو فعل – أو هكذا كان يخيل
للمتفرج – لقد كان الصمت – بالرغم زمنه الطويل عاملاً حاسماً في زيادة
التوتر الدرامي ، والمثير في العرض ،مع أن ذلك الصمت كان يقطع بين حين
وآخر – وعلى فترات مدروسة دراسة جيدة – بـ ( تكتكات ) أزرار آلة
الطباعة أو أزيز صوت المذياع أو وشوشة التلفزيون . لقد كان لذلك تأثير
نفسي بالغ الحدة على المتفرجين الذين كانت تجتاحهم الرغبة – بين الحين
والآخر- لسماع صوت أو كلام ، أو أي شيء يخلصهم من هذا الصمت الآلي
القاتل ، ودلالة الصمت واضحة في هذا العرض ، فهي تحذير وإنذار لإنسان
هذا القرن من مغبة الخضوع لعالم آلي يدمر إنسانيته ويحيله إلى آلةٍ أو
جماد لا نفع فيه .
4ـ أفاد المخرج من عنصر التضاد كثيراً وجعله يمارس تأثيراً، وذلك عندما
استعان بممثلين يمثلان شخصيتي المسرحية الرئيسيتيــن ممثلان متناقضان
في كل شيء أحدهما طويل القامة نحيف البنية ذي صوت أجش ، والثاني قصير
القامة ضئيل الجسم ذي صوت حاد ونبرات عالية محققا معادلة مهمة في العرض
المسرحي طرفاها الصراخ والصمت في جهة والعملقة والقزمية في جهة الأخرى
.
*ب ـ مسرحية ( ترنيمة الكرسي الهزاز)
( تأليف فاروق محمد – تقديم فرقة المسرح الشعبي – مكان العرض :
منتدى المسرح ) .
موضوع المسرحية يدور حول امرأتين تعانيان من أحباطات اجتماعية ونفسية
وعاطفية كثيرة ، الأولى مطربة تقدم بها السن لكنها لازالت تعيش في صدى
ذكريات إعجاب المعجبين والثانية امرأة عانس تبتلت من اجل حبيبها الغائب
الذي انقطعت عنها أخباره ، الأولى تود لو يرجع الزمان وتعيش وسط
معجبيها وتدخل في علاقات عاطفية مع من تختار ، والثانية تود وصول أي
خبرٍ عن حبيبها الغائب يعيد إليها شبابها الذي ولى ولن يرجعه غير
الحبيب المنتظر ، وقد انتهى بهما المطاف إلى اعتزال العالم والبشر
والعيش في بيت كان فيما مضى يعج بالحياة والمرح والانطلاق والأبهة
والغنى والترف ، ولم يبق لديهما إلا الذكريات المحطمة والأحباطات
يجترانها معاً .
* عناصر التجريب في العرض المسرحي
1ـ التجريب في النص :أصل المسرحية هو عبارة عن هذيانات لامرأتين
محبطتين ، لا رابط بينهما إلا اجترار الذكريات ، هما عالمان منفصلان ،
لكل همومها وعالمها الخاص المستقل ، إلا أن هذين العالمين تم ربطهما من
خلال أشعار وقصائد شعبية جعلتهما يتداخلان ويلتقيان مرات عدة ، بل
يندمجان مع بعضهما ليؤلفان عالماً واحداً ، وهكذا أصبحت الأشعار وكأنها
من ضمن بنية النص الدراميـة وليس زخرفاً خارجيا وضع للتزيين أو مجرد
أداة للربط ، إذ وظفت الأشعار دراميا لتقوم بمهمة تصعيد حدة الفعل
الدرامي الذي كاد أن يكون سكونيا لولا وجود تلك الأشعار .
إن المثير في تجربة هذا النص يكمن في عاملين رئيسيين الأول تزاوج
موهبتين الأولى درامية والأخرى شعرية في إبداع نص مسرحي متكامل صالح
للعرض ، وهذا ما يؤكد أصالة التجربة لأنها تعيد للأذهان الأصول الشعرية
للمسرح ، والثاني هو أن هذا النص – رغم كونه نصاً شعبياً –كان نصاً
مفتوحاً صالحاً للتجريب ، إذ توفر النص على رؤىً فلسفية شمولية فضلاً
عن تحديه لمحدودية اللهجة الشعبية وقيودها ليحلق في فضاء الشمولية
والعالمية رغم بساطة لغته .
*ملاحظــة كتب أشعار وقصائد المسرحية الشاعر الشعبي المعروف ( عريان
السيد خلف )
2ـ فضاء العرض : تم عرض المسرحية في بناية ( منتدى المسرح ) وهي عبارة
عن بيت شرقي بطابقين – أرضي وعلوي – ذي باحة مربعة تطل عليها غرف من
جوانبها الأربعة وفوقها ما يماثلها ، المكان بأكمله يوحي بشيء من
السرية والخصوصية والغموض شأنه شأن كل البيوت الشرقية المغلقة على
نفسها ، وقد استغل هذا المكان في عروض مسرحية تجريبية كثيرة توافرت على
عوالم يكتنفها الغموض والأفعال النفسية المحتدمة ؛ خاصة إذا تم استخدام
الفضاء استخداماً مدروساً متقناً ، وهذا ما فعله مخرج المسرحية وأجاد
فيه ، حيث استطاع أستغلال كل الزوايا والأركان الخفية والمظلمة للطابق
الأرضي من البناية ، فأجرى أجزاءً من أحداث مسرحية في الغرف الجانبية
المطلة على الباحة ، وكان الجمهور يذهب إلى إحدى الغرف ليشاهد جزءً من
الحدث ثم يتنقل إلى غرفة أخرى ليشاهد جزءً آخر من الحدث ، وهكذا يستمر
الانتقال حتى ينتهي الأمر به إلى الباحة الرئيسية التي تجري فيها أجزاء
الحدث الرئيسية ، لقد تحول مكان العرض إلى بيت تسكنه شخصيتا المسرحية ،
وتحول المتفرجين من مشاهدين إلى ضيوف يزورون هذا البيت بل أن الجمهور
الذي تنقل في جنبات المكان وألف زواياه أصبح وكأنه هذا الأخر يسكن هذا
البيت ويشارك أهله العيش فيه ، لقد كان لهذا الأمر تأثير كبير في خلق
علاقة حميمة بين شخصيتي المسرحية والجمهور زادت من تعاطف الأخير مع
هموم وأحباطات العالم المتخيل المعروض أمامه وجعلته يشعر بأن تلك
الهموم والأحباطات إنما هي همومه وأحباطاته هو، وأن عليه أن يتطهر منها
كما تطهرت شخصيتا العرض . لقد كان المخرج يؤكد في عرضه على إحساس
المشاهدة بالمأساة فيتطهر من خلالها ، (أنه أرسطي وأن استخدام أدوات
بريشتيه ، وأن كان حديثاً ومجرباً جريئاً ) .(9)
*ثانياً : د. صلاح القصب ومسرح الصورة
الصورة على المسرح هي الشغل الشاغل الأول في اجتهاد ( د. صلاح
القصب ) المسرحي ، حيث تمثل الصورة وسيلة الخطاب الرئيسي في العرض
المسرحي ، ذلك لاعتقاده بأنها تتوافر على إمكانات حرة في الإيحاء
والكشف عما تعجز اللغة اللفظية من الوصول إليه ، فالصورة المسرحية لدية
( هي الوجه الآخر للشعر حيث أنها تنطلق من ذلك التأمل والخيال ، وهي
انفجار شعوري يحدث في الحياة الشعورية )(10) .
وتأثراً منه بالمخرج العالمي ( أنتونان آرتو ) فأن التجريب في مسرح
الصورة يتم من خلال تركيب الصور المسرحية التي تحل بديلاً عن الحوار
والكلمات ، ويتطلب البحث عن تلك الصور استنباطا واستقصاءً عميقاً لما
تمنحه دوال الكلمات، وتكون - بما تتمتع به من مستويات عديدة - أكثر
حرية في التعبير من محدودية اللغة اللفظية التي تقيد إمكانات التعبير
وتضيق آفاقه حسب اعتقاد منظري هذا الاتجاه . (11)
وعمل ( القصب ) يعتمد محاور ثلاثة ، يهتم الأول بهدم النص وتفكيكه بما
يخدم رؤيا المخرج الخاصة ، إذ أن النص يمثل لديه مشروع فكرة ما قد تكون
خارجة عن النص ، إنها موجودة في ذهن المخرج الذي يسقطها على النص
ويحاول امتحانها بالتجريب المستمر ، أما المحور الثاني فيعتمد على عزل
محاور الصراع بين الشخصيات ، بحيث يبدو لكل شخصية عالمها الخاص الذي
تدور في فلكه بمعزل عن الشخصيات الأخرى . والمحور الثالث هو الزمن
النفسي الداخلي الذي ينمو فيه الفعل الدرامي ، وهو غير الزمن الرياضي
للفعل في المسرحية التقليدية إذ قد تطول إحدى لحظات الفعل المسرحي أو
تقصر تبعاً لما تخلقه تلك اللحظة من صور فاعلة داخل العرض ، لذلك فأن
الصور تتشكل وتهدم ثم تتشكل بصورٍ أخرى ثم تحل محلها صور متولدة منها
في عملية ديناميكية مستمرة لا تنقطع حتى بانتهاء العرض ، بل تبقى
مستمرة وبحاجة إلى التشكل في ذهن المتلقي لما تثيره تلك الصور من أسئلة
وألغاز لا يقدم لها العرض إجابات حاسمة . وهي أسئلة كونية شمولية
فلسفية تحتاج إلى التأمل والفحص الدقيق .
أ ـ مسرحية الملك لير
( تأليف وليم شكسبير – تقديم الفرقة القومية للتمثيل – مكان
العرض – مسرح الرشيد)
الموت هو القيمة الأساس التي أكدها المخرج في عملية ( هدم – وتركيب )
النص، والموت هنا ليس هو الموت الفسلجي المعروف ، أنه الموت بقيمه
المطلقة : موت الذهن ، موت المشاريع ، موت الأفكار ، موت العلاقات
الإنسانية ، موت الحب ، موت العقل ) . فعندما يخطأ العقل الرصين الحكيم
في أدراك موازنات الحياة سيؤدي ذلك إلى اضطرابات في علاقات الأشياء ،
فالجنون سيكون المحطة الأولى التي ستوصله إلى موت ذلك العقل ، وموت
العقل يعني موت الإنسان ، فإذا مات العقل في الإنسان تحول إلى دابة
شأنها شأن دواب الأرض الأخرى .
* عناصر التجريب في العرض المسرحي
1ـ فضاء العرض : فضاء متحرك حيوي بفاعلية الصور العديدة التي لا تعرف
الثبات طوال العرض فيما عدا أبواق ضخمة معلقة بأعلى الواجهة الأمامية
للمسرح ، هي الصورة الوحيدة – الثابتة في العرض والتي كانت تدل على
الضجة التي تعتمل في نفوس الشخصيات . كان الممثلون يتحركون وهم داخل
أقفاص ومكعبات وأشكال متوازية المستطيلات ركبت على عجلات يسوقها
الممثلون أنفسهم ، هذه الأشكال اتخذت جميعها صورة توابيت دفنت فيها
الشخصيات بكل أحلامها وطموحاتها وأسرارها ، وقد تحرر من هذه التوابيت
شخصيتان فقط هما ( المهرج و أد جار - الابن الشرعي لـ ( جلوستر ) ، لقد
أراد المخرج التعبير عن موت أحلام و طموحات الشخصيات المدفونة فيها عدا
الشخصيتين المذكورتين آنفاً واللتين حافظتا على نقائهما وصدقهما حتى
النهاية . وبعد العاصفة الهوجاء التي يحدث فيها الانقلاب في شخصية (
لير ) يتحرر هو الآخر من تابوته ليسير تائها محطماً مع المهرج وأد جار
حيث يفصح المسرح عن صورة لثلاثة تكوينات بشرية هي عبارة عن حطام بشري
ضائع وسط عاصفة هوجاء وقد أفصح العرض عن مفارقة درامية كبيرة صاغ
خطوطها ( شكسبير) وأكدها (القصب) في العرض هي أن العقلاء الكبار هم
الأكثر عرضة للأخطاء والأخطار من غيرهم وهم يستجلبونها على أنفسهم
ويخوضون غمارها غير آبهين بالتحذيرات التي تأتيهم من صغار الناس
المحيطين بهم . كما استخدم المخرج قطعة قماش طويلة تلتف بها بعض شخصيات
المسرحية مثل ( جلوستر ، ريغان ، غونريل ، كنت ، وأزواج ريغان وغونريل
) وتزداد التفافا كلما تقدم العرض ، وهذا يعطي دلالة تعبيرية أخرى،
فتلك الشخصيات ومع تقادم العرض تحاول تغليف كياناتها بشرانق لا فكاك
منها منغلقة على ذواتها منعزلة عن الآخرين ومبتعدة عنهم واضعة أمامهم
حواجز سميكة يصعب اختراقها ، أن هذه الشخصيات قررت - نتيجة لشعورها
بأنها آثمة وبأنها مطاردة – تحاول الاحتماء بدروع واقية تحميها من
هجمات الآخرين ، ولم يتحرر من تلك الشرانق أو الأكفان - كما توحي
أحياناً - إلا الشخصيات التي أراد المخرج أن يجعلها حرة في النهاية مثل
( لير ، البهلول ، أدجار).
2-الأداء السري : رغم الأحداث الكثيرة المحتدمة التي يحتويها النص ،
والتي لم يجتزئها العرض ، إلا أن الممثلين كانوا يؤدون أدوارهم بهدوء
غريب تشوبه السرية والغموض ، أداء خالٍ من الانفعالات والتشنجات
العاطفية والصوتية – المعتادة في عروض المسرحيات التراجيدية – وكأن
الذي يعرض ليس – شكسبير – بكل صخبه وضجيجه وعنفوانه و تشابك علاقاته ،
بل كان العرض عبارة عن قطعة موسيقية تعزف بطريقة هادئة فيما خلا لحظة
واحدة لا يمكن أن تنسى ، تلك اللحظة التي صرخ فيها لير – بصوت متحشرج (
هل هذا هو لير ) ، وحينها انخسفت تحته الأرض – إذ هبطت مقدمة المسرح
إلى الأسفل بحركة مفاجئة سريعة – وكانت تلك من أهم اللحظات الموفقة
المثيرة في العرض والتي تمثل انقلابا في وجود ( ليـر) وكل من يحيط به ،
تغير في المصائر، اضطراب في الطبيعة ، وتغير في علاقات الكون .
ب – مسرحية ( عزلة الكريستال )
( تأليف الشاعر خزعل الماجدي – تقديم طلبة كلية الفنون الجميلة
– جامعة بغداد - مكان العرض : قاعة الكلية )
إشكالية الموت المرتقب هي الموضوعة الأثيرة لدى – القصب- والتي لابد أن
تجد لها منفذاً في اغلب عروضه ، إذ ها هي تتكرر في مسرحية ( عزلة
الكريستال) التي تصور كوابيس ووساوس شاعر متوحد اعتزل داخل غلاف زجاجي
من الكريستال يشف عما في داخله لكنه صلد صعب الأختراق ، وفي وحدته
وعزلته هذه تخرج هواجسه الداخلية وتدور حوله كذوات لحيوات أخرى تحمل كل
تصوراته الذهنية عن الموت المرتقب ، وتتخذ أشكال رهبان وقساوسة وبشر
يمارسون طقوساً غريبة . إنها قطعة تعبيرية مكثفة تتسم بأنها تلمست جوهر
التعبيرية الذي هو خير بيئة صالحة لتركيب الصورة وانهدامها .
( من العدم إلى العدم ، صلاح القصب في (عزلة الكريستال) يسترجع لحظات
موت مقبل ، يتذكر لحظات موت مقبل كحاله وكوسواس ، في الجسد ، وفي الروح
، وليس كمجرد أفكار أو تأملات ذهنية أو فلسفية ).(12)
* عناصر التجريب في العرض المسرحي
1- التجريب في النص : ( عزلة في الكريستال ) هي قصيدة مطولة
كتبها الشاعر ( خزعل الماجدي ) ، وجاء ( د. صلاح القصب ) ليمارس عليها
طقوسه في الهدم والبناء ويدخلها في مختبره ليحولها إلى عرض مسرحي يحمل
صوراً درامية تعبيرية ، فقد حطم ( القصب) القصيدة وقطع أوصالها وقدم
وأخر فيها ليحولها من جنس الشعر إلى جنس المسرح ، ولم تكن هذه العملية
، عملية سهلة ألبته خاصة مع عمل شعري محكم البناء – شعرياً – إلا أن
براعة ( القصب ) وذهنيته الفلسفية وتعاون الشاعر (الماجدي) معه أنتج
قصيدة دراميةً متقدمة قابله للابتكار والتجريب ، رغم خلو – نص العرض-
من الحدث المتطور المتنامي ، فلا عقدة في النص ولا شخصيات واضحة
الملامح ولا أثر لصراعات داخلية وخارجية .. أنها هواجس فقط .
2- التجريب في الإخراج : ( عزلة في الكريستال ، تقوم على لعبة التدمير
المستمر ، الصورة تدمر الصورة ، الطقوسية تلغى بالطقوسية ، المشهدية
تكسر المشهدية ، الكلام ينفي الكلام ، الحركة تقطع الحركة ، علاقة نفي
متبادلة ) .(13)
التهديم والبناء هو المحور الأساسي الذي تبناه ( القصب ) في عمله هذا ،
بدءاً من إعداده للنص بالتعاون مع الشاعر وأنتهاءاً بصورة العرض
المسرحي ، وعلاقة النفي المتبادل كانت هي العلاقة السائدة والمنهجية
طوال العرض ، حيث لا استقرار ولاسكون بل حركة تهديم وتدمير مستمرة ،
رغم أن هناك لحظات تتطلب السكون والتأمل ، ألا أن براعة المخرج وإيثاره
للإدهاش بالصور الحيوية المتحركة جعلاه ينحاز انحيازاً كاملاً لكسر
السكون ، حيث شغل الفضاء المسرحي بصور درامية مزدوجة وتشكيلات متقاطعة
دائمة التغير ، فضلاً عن ملأ الفضاء بعناصر صورية متنافرة لا تجمع
بينهاأية سمات مشتركة( تابوت ، جذع شجرة ، آلة طباعة ، عجلة نارية ،
مطارق ، أبواق ، ملابس معلقة ، وأخرى متناثرة .. وغيرها ) وكان سيد تلك
العناصر هو التابوت ، إذ شكل هذا العنصر أهمية في الصورة المسرحية
المعبرة ، فمنه تخرج الشخصيات وأليه تعود ، انه الرحم والقبر معاً .
فضاء العرض كان فضاءً درامياً مغلقاً – غير مفتوح – لذلك كان العرض
مليئاً بالأسرار والغوامض والكوابيس والهلوسات والغرائز المتقلبة ،
وبغية التخفيف من هذه التعقيدات الذهنية والتعبيرية فقد عمد المخرج إلى
الإكثار من استخدام التشكيلات الجسدية لمجاميع الممثلين كمعادل موضوعي
للتعبير ، معتبراً الجسد الإنساني بأكمله مركزاً لكل تلك الهواجس.
*ثالثاً : هاني هاني .. وفضاء الغابة
أنشغل المخرج المرحوم ( هاني هاني ) بفضاء الغابة كثيراً ، وكان
أحد المفردات المسرحية الرئيسية في فضاء عروضه المسرحية ، فلقد تكررت
صورة الغابة في عدة أعمال مسرحية قام بإخراجها وبدلالات مختلفة عن
بعضها في عروض نذكر منها على سبيل المثال ( ألف أمنية وأمنية ، قصة حب
معاصرة ، ألف حلم وحلم ، الناس والحجارة ) . ويبدو أن للبيئة التي
شهدتها طفولته وصباه أثر في مثل هذا التوجه إذ كان يعيش في بيت يطل على
غابة غناء في مدينة الموصل . وهو في كل عروضه الآنفة الذكر لا يصرح
بالغابة تصريحاً مباشراً أو يأتي بها قسراً بل أن ذلك الفضاء ينتظم
بصورة تبدو وكأنها عفوية تتماشى مع متطلبات العرض المسرحي إلا أن الذي
يعرف – هاني هاني- عن كثب يدرك أن اجتهاده هذا جاء مقصوداً وعن وعي
مسبق ، فرغم شخصية المرحوم الهادئة المنبسطة ألا إن روحه كانت تخفي
أسرارا وغوامض كثيرة تظهر على شكل دلالات تعبيرية متشابكة العلاقات
متداخلة التكوين أشبه بالغابة التي تحمل من الأسرار والغوامض والجمال
الكثير ..والكثير جداً .
I- مسرحية ( الناس والحجارة )
( تأليف الكاتب المغربي عبد الكريم بورشيد – تقديم الفرقة
القومية للتمثيل – مكان العرض : قاعة صدام للفنون- ممثل العرض الوحيد :
عزيز خيون ) .
حكاية الموظف المسكين الذي يسحقه الروتين والعلاقات الإدارية الفوقية
التي تؤدي به إلى السجن – دون ذنب واضح اقترفه – سوى انه إنسان بسيط
ساذج طيب القلب ، وفي إحدى تهويماته في زنزانته المنفردة يتخيل قرداً
يعيش معه ويقاسمه همومه ويشاركه في رحلة متخيلة يعبران بها كل الجدران
ليصلان إلى الناس ، حيث الحضارة والمدينة هي المعالم التي تحيط بكل شيء
، لكن هذه الحضارة والمدينة انتزعتا كل ما هو أنساني من البشر فتحولوا
إلى حجارة صلدة بعد أن قست قلوبهم وتحجرت عواطفهم ، لذا يعود إلى
زنزانته المنفردة مع قرده ، لينتظر حكم القضاء ، الذي لا يحكم عليه (
لا بالبراءة ولا بالإدانة) لاحتراق ملفه في حريق إلتهم كل ملفات السجن
لذا يتجه السجين صوب النظارة صارخاً بهم ( أيها الناس افتحوا هذا
الجدار .. أريد أن انزل إليكم ، قد يكون ملفي قد احترق حقاً .. من يدري
..؟ ولكنني أيها السادة غير قابل للاحتراق قل لهم ياقردل غير قابل
للأحتراق ، قل لهم باني غير قابل إلا لشيء واحد فقط وهو أن أعيش مع
الناس لامع الحجارة ).(14)
إن المقابلتين الدراميتين الأساسيتين في النص هما : إنسان القرن
العشرين في مقابل القرد الذي يذكر بحياة الإنسان البدائية الأولى ،
والحياة المتحضرة الحديثة بكل تقنياتها وتعقيداتها في مقابل التحجر
العاطفي والإنساني الذي انطبع به إنسان هذه الحضارة المتقدمة .
*عناصر التجريب في العرض المسرحي
1- فضاء العرض : توفر هذا العرض على تجربة منفردة في تركيب
الفضاء المسرحي لم يشهد لها المسرح العراقي مثيلاً من قبل ، فبدلا ًمن
أن تكون أرضية خشبة المسرح تمتد مسطحة أمام المتفرجين – كما هو المعتاد-
أذابها- في هذا العرض- تستقيم عمودياً مشكلة جداراً قائماً أمام
المتفرجين الذين توزعوا إلى قسمين متقابلين يفصل بينهما الجدار القائم
في الوسط ، والذي كان عبارة عن شبكة من القضبان والهياكل الحديدية التي
ألتف بعضها على بعض ، وتراكم بعضها فوق البعض لحمت بنهاياتها علب
معدنية أو أقواس أو سلاسل حديدية ، إن الصورة النهائية للتشكيل الحديدي
القائم يوحي بغابة تلاحمت أشجارها فألتفت أغصانها بشكل بالغ التعقيد ،
إلا أن هذا الشكل كان يتغير بين الحين والآخر حسب متطلبات العرض ليوحي
بدلالات أخرى غير الغابة ، إذ أن الإضاءة لعبت دوراً هاماً في الإيحاء
بتعددية الصور ، حسب الأجزاء المضاءة من المنظر الثابت ، فمرة يوحي
بأنه عمارة مؤلفة من طوابق عدة ، ومرة يوحي بأنه شجرة عملاقة ضخمة
تهيمن على سماء العرض ، وتارة يوحي بمنحدر طريق وطوراً كأنه ركن أو
مغارة أو حديقة أو مصعد كهربائي . فالإيحاء كان يتغير بتغير الإضاءة ،
وبتغير الجزء المضاء ، وفوق هذا وذاك فان التمثيل كان يجري فوق مستوى
رأس المتفرجين ، إلا إن الصورة المهيمنة في العرض هو ذلك التكوين الضخم
العملاق الذي يجثم فوق رؤوس المتفرجين وكانه القدر .
2- الإخراج والتمثيل : حرص المخرج على إظهار إنسان – عرضه- وكأنه فرد
يعيش مراحل حياته الأولى وسط غابة من العلاقات والمكونات الحضارية
الحديثة التي تتناقض مع مظهره القردي ، قرد بدائي يعيش في القرن
العشرين ، إنها مفارقة درامية كبيرة، كان هذا الإنسان – القرد يتسلق
أغصان وفروع تلك الغابة الضخمة المكونة من مخلفات الحضارة التكنولوجية
، وكلما حاول الوصول إلى قمتها فانه يسقط عند أسفل جذوع أشجارها، وكل
محاولاته في الهروب منها أو التحليق فوقها كانت تبوء بالفشل وذلك
لسيادة مبدأ الغابة ، أنه ( سيزيف) القرن العشرين . لقد فجرت هذه
المفارقة الدرامية –التي أكدها العرض – صراعاً جد يداً مضافاً – للنص –
تولد جراء اصطدام هذا الإنسان بكل بساطته وسذاجته مع تقنيات الحضارة
الحديثة التي بقيت عصية على فهمه المتواضع ، وجوهر اجتهاد المخرج
التجريبي يكمن في تأكيده فكرة ( الإنسان- القرد) حيث عمد إلى حذف شخصية
القرد التي صرح النص بوجودها والتعامل معها واستبدلها بقرد يعيش داخل
ذهن وعقل الشخصية التي تحولت في هيئتها وشكلها إلى قرد يقفز ويتسلق
القضبان والهياكل الحديدية بكل خفة ومهارة معلقاً جعبته القماشية التي
تحتوي مستلزماته الضرورية فوق ظهره ويتنقل من مكان إلى آخر بحركة شبيهة
بحركة القرد المعتادة وقد خدمت المرونة الجسدية التي يمتلكها ممثل
العرض الوحيد – الفنان ( عزيز خيون) – الشخصية كثيرا ًوأفادتها في
إعطائه مظهر القرد وبنيته ، فكان الممثل يتسلق الحواجز الحديدية ويقف
بأوضاع خطره عديدة ، ولم يستقر لحظة واحدة على قدميه في وقفة آدمية
معتادة ، فتارة يظهر متكوراً على نفسه وتارة متعلقاً بإحدى العوارض
الحديدية بذراع واحدة وأخرى في الهواء ، وطوراً تجده متعلقاً بقدميه
بإحدى العوارض وجسده يتأرجح في الهواء وقد أنقلب جسده رأساً على عقب ،
وطوراً متعلقاً بشكل جانبي بالجدار ، فكان مجمل أداءه الحركي ، أداءً
بالغ الصعوبة لا ينجح فيه إلا ممثل أخذ دروساً تطبيقية في (
الأكروباتيك أو الجمناستك ) وهذه إحدى العناصر المهمة في التجريب في
هذا العرض ، إنها تبحث في إيجاد إمكانات تعبيرية للأداء عند الممثل.
كما عمد المخرج إلى وضع – النظارة – متقابلين أثناء العرض المسرحي ،
بعد أن قسم أماكن جلوسهم إلى قسمين ، كل قسم منهما يقع على جهة من جهتي
الجدار وقد أدى ذلك إلى نتيجتين مهمتين في العرض ، الأولى : هي أن الذي
تسنى له مشاهدة العرض مرتين ، فأنه سيشاهد في المرة الثانية عرضاً
يختلف عن المرة الأولى إذا جاء جلوسه في المرة الثانية في الجهة الأخرى
من الجدار . وذلك لاختلاف زوايا الصورة ودلالات الحركة بسبب اختلاف
زاوية النظر ، واختلاف شكل المنظر المرئي من جهة لأخرى .
أما النتيجة الثانية : فأن وضع المتفرجين المتقابل جعلهم يشاهدون ردود
أفعال واستجابات بعضهم البعض ، وهذا ما ساهم في زيادة شحنات التفاعل
الانفعالي والعاطفي مع العرض المسرحي .
II- مسرحية ( ألف حلم وحلم )
تأليف ( المؤلف – المخرج ) فلاح شاكر – إخراج ( المخرج- المؤلف ) هاني
هاني- تقديم الفرقة القومية للتمثيل – مكان العرض : المسرح الوطني .
*عناصر التجريب في العرض المسرحي
1- التجريب في النص: يقدم المؤلف فلاح شاكر نصه للمخرج – عادة –
على شكل ( سيناريو أولي) يتضمن مشاهد وأحداث رئيسية مختزله تبين الخطوط
الأساسية لمجمل النص ثم يجلس مع المخرج جلسات عمل مشتركة ويأخذ توجيهات
المخرج ليعيد كتابة النص ثانية بصيغة تفصيلية ويحضر التمارين مع
الممثلين لاستكمال ما يلزم استكماله أثناء التمارين ، وقد أثمرت هذه
الطريقة في العمل نتائج طيبة ومحمودة في جملة النصوص التي قدمها المؤلف
المذكور إلا أن المؤلف فلاح شاكر اعتمد في مسرحية ( ألف حلم وحلم )
وقبلها ( ألف أمنية وأمنية ) تجربة جديدة على المسرح العراقي ، هي
تجربة ( المؤلف – المخرج ) و(المخرج – المؤلف) وخلاصة هذه التجربة
الجديدة ، إن التعاون بين المؤلف والمخرج يبتدأ من لحظة التفكير الأولى
بالعمل ، أي إنها تبدأ من لحظة التفكير بـ ( فكرة النص ) ولا ينتهي هذا
التعاون إلا بانتهاء عرض العمل على الجمهور حيث يتقاسم المؤلف والمخرج
الجهد بالتساوي تأليفاً وإخراجا ، وقد تكررت هذه التجربة و أثمرت ثماراً
ناضجة من خلال التعاون الكبير بين الثنائي ( فلاح شاكر و هاني هاني ) ،
وكان من بين الأعمال التي أنتجت بهذه الطريقة إضافة إلى ما ذكر أعلاه
مسرحية( قصة حب معاصرة ) ومسرحية أخرى كانت معدة للإنتاج لولا الوفاة
المفاجئة للمرحوم هاني هاني وهي مسرحية ( ألف قناع وقناع ) وهي إعداد
جديد معاصر لملحمة كلكامش . أن التجريب في الكتابة بهذه الطريقة كان
يتم من خلال الأتفاق على فكرة ما تنطلق أما من المؤلف أو المخرج ثم
يتبعها التخطيط لهيكل النص ثم بناؤه سوية ، والتعاون يكون حتى في أدق
الحلقات والتفصيلات الجزئية ، ففي مرحلة الكتابة يتدخل التعاون حتى في
تركيب الجمل وصياغة حوار الشخصيات وبناء الفعل الرئيسي والأحداث
الفرعية للنص ، وفي مرحلة التدريب يتدخل التعاون حتى في التفصيلات
الجزئية لتخطيط حركة الممثلين وإشاراتهم وإيماءاتهم ، كما يتدخل
التعاون في تفسير الشخصيات وتحليل الأفكار الرئيسية والثانوية في النص
، وقد حاول الاثنان إيجاد توصيفٍ دقيقٍ لعملهما يسجل لهما قيمة الجهد
الذي يبدعه الاثنان فوجدا في تسمية ( المؤلف – المخرج ، والمخرج –
المؤلف ) خير ما يضمن لهما حقوقهما ، وبغية عدم ضياع شخصية المؤلف من
جهة ، وشخصية المخرج من جهة ثانية فأن حسم الأختلاف في وجهات النظر إن
وجدت في مرحلة كتابة النص تكون للمؤلف ، أما حسم اختلاف وجهات النظر –
إن وجدت – في مرحلة إعداد العرض تكون لصالح المخرج ، إن هذه التجربة
تجعل المؤلف يطلع بشكل تفصيلي على أفكار المخرج كما تجعله يتابع عمله
الكتابي في كل مراحله ، كما أنها تضيف له تجربة فنية تغني تجربته
وخبراته الأدبية إذ يتعرف – عن كثب – على أدق التفاصيل التي يمر بها
العمل من مرحلة الأعداد للنص حتى مرحلة إعداد النص للعرض ، ومن جهة
أخرى فأنها تضيف للمخرج خبرة أدبية تضاف إلى خبرته الفنية ، إذ انه
سيتعرف تفصيلياً على كافة التعقيدات والصعوبات التي يصطدم بها المؤلف
أثناء صياغته للعبارات وبناءه للجمل وأدارته للحوار ، كما تجعله على
بينة تامة بمقاصد المؤلف وأهدافه فضلاً عن إنها ستتيح له فسحة زمنية
أطول للتفكير في تدبر شؤونه الأخراجيه في وقت مبكر مما يسهل عليه
العملية الأخراجيه وتتيح له وضع الخيارات والبدائل المناسبة فلا يقع في
مطبات الإحراج أو الاستعجال أثناء عمله الإخراجي بل سيتفرغ حينها إلى
تفصيلات اعداد الممثلين وإعداد المسرح وإعداد العرض دون الالتفات إلى
الجوانب الأخرى التي حسمت في وقت مبكر .
2- فضاء العرض : غابة ولكنها ليست بغابة ، إنها غابة في حلم ، تارة
تبدو وكأنها مدينة تسكن في حلم ، وتارة تظهر وكأنها غابة موحشة جرداء ،
وطوراً تظهر كأنها غابة غناء ، وطوراً تبدو وكأنها تلافيف دماغ بشري
بفصوصه الثلاث ، لقد كان للإضاءة دور كبير في إضفاء أشكال متغيرة لفضاء
العرض لكن كل هذه الأشياء في كل الأحوال كانت تظهر ملونه بهية ذات بريق
لامع يجعل كل موجودات المنظر المسرحي مشعة ، إذ أحيط المنظر بأكمله
بغلاف من مادة ( النايلون الشفاف) أحاط كل فضاء المسرح ، وهذا ما جعل
للفضاء مستويات عدة للتعبير والدلالة ، أول هذه المستويات هو عالم
الحلم البهيج البراق ، وهو عالم شفاف رقيق من السهل اختراقه ، انه عالم
غير عصي على الحالم ، والمستوى الثاني هو عالم ( العرض – الحلم ) وهو
عالم متخيل يدور داخل دماغ بشري فيه من عوامل الخير والشر الكثير، هذا
العالم ينحاز دائماً لعوامل الخير التي تتحقق في أقل تقدير في الأحلام
. أما المستوى الثالث فهو عالم الخيال المطلق الذي يقدم إمكانية رؤية
الشيء الواحد برؤى مختلفة ، تختلف بحسب مصادر الرؤيا ونواياها ،
فالرؤية الخيرة تجعل من الغابة عالماً جميلاً مورقاً مشعاً زاهي
الألوان ، والرؤية الشريرة تجعل من الغابة عالماً اجردا موحشاً غير
صالح للعيش ، أما الرؤية الحيادية فأنها تجعل الغابة عالماً زاخراً بكل
الانحرافات والفضائل، وتتعدد الرؤى ، فتختلف العوالم ، لكن الحلم
الواحد يمكن أن يولد آلاف الأحلام لأن المتحقق في الحلم يفوق ما هو
متحقق في الواقع ، ولربما يسهم ما هو متحقق في الأحلام بزيادة الأمل في
تحقيق المزيد في عالم الواقع المعاش .
* رابعاً : عزيز خيون .. والمجموعة الفاعلة
في تجاربه المسرحية ( ألف رحلة ورحلة ) و(لو) و(مطر يمه ) و(
تقاسيم على نغم النوى ) كان ( عزيز خيون ) يعمل على خلق ما يسميه بـ (
المجموعة الفاعلة ) حيث يركز جهده على مجموعة معينة يشيع بينها علاقات
من الأنسجام والتفاهم والحب ويستفز فيها الأقصى من طاقاتها وتتكون هذه
المجموعة من عناصر موهوبة تتخذ من المسرح هواية لها ، حيث يعمل على
استقطاب مجاميع من خريجي كلية الفنون الجميلة أو معهد الفنون الجميلة
ولا يميل إلى استقطاب الممثلين المحترفين في اعتقاد منه بان هذه
المجاميع هي الأقدر على تقبل الجديد ، والأكثر طواعية على تنفيذه ، كما
إنها الأكثر مرونة في تقبل المتغيرات التي تمليها طبيعة التجريب ،
لأنها بعيدة عن التمسك بالثوابت الراسخة التي تترشح نتيجة للتجربة
الطويلة عند المحترفين ، وإضافة إلى هذه المجاميع فان المخرج عزيز خيون
كان يستعين ببعض الخبرات المسرحية الشابة التي درست المسرح دراسة جادة
واعية ليشكل معها آسرة تدعو إلى : أن الجماعية في العمل المسرحي هي
التي ترسخ القيم التربوية الصحيحة في المسرح ، أما النجومية والاحتراف
فأنهما يقضيان على الحب ويرسخان النرجسية كواحدة من الآفات التي تقضي
على موهبة الفنانين اللامعين ، وقد اثبت النجاح الطيب للتجارب المذكورة
في أعلاه صواب ما ذهب إليه المخرج ومجموعته الفاعلة وأشاد النقاد الذين
شاهدوا تلك الأعمال في مهرجانات عربية وأخرى دولية بهذه التجربة ودعوا
إلى استمرارها . والسبب الرئيس في كل ردود الأفعال الطيبة تلك يعود إلى
الجهود الاستثنائية التي تقدمها المجاميع المشتركة في تلك العروض والتي
تفوق أحيانا ما يقدمه الممثلون الرئيسيون في العروض نفسها .
أـ مسرحية ( ألف رحلة ورحلة )
( تأليف : فلاح شاكر ـ تقديم الفرقة المركزية لنقابة الفنانين –
مكان العرض : مسرح الرشيد)
النص الأولي الذي كتبه ( فلاح شاكر) وقدمه للمخرج كان في الأصل عبارة
عن مشاهد متفرقة تمثل تخطيطاً لسيناريو أولي عن رحلات متعددة يقوم بها
سندبادات أربع ، لكل سندباد منهم صفات وملامح وهيئة خاصة به تختلف عن
غيره ، اثنان من هؤلاء الأربعة يرحلان رحلات غريبة على ارض الواقع ،
أما الاثنان الآخران فيرحلان رحلات متخيلة ، والجميع يرحلون إلى جزر
وعوالم خيالية مستوحاة من أجواء قصص ( ألف ليله وليله ) ، يمتزج في هذه
الرحلات ما هو واقعي بما هو خيالي ، في عالم تتداخل فيه الأجواء
السحرية بالأجواء الواقعية وتترابط بشكل غير محسوس ، عالم لا هو
بالواقعي الصرف ، ولا هو بالخيالي الصرف ، هو عالم ثالث تمتد حدوده بين
حافة الواقعية الفنية ولانهائية الخيال الجامح ، انه عالم من الواقعية
السحرية ، تمتزج فيه الأسطورة بالواقع ، والملحمة بالحس الشعبي .
* عناصر التجريب في العرض المسرحي
1ـ التجريب في النص : يرتكز التجريب في نص المسرحية على محورين
: الأول يخص الفكرة والثاني يخص طريقة كتابة النص وفيما يخص المحور
الأول فأن فكرة المسرحية قدمت أربع سندبادات بدلاً من سندباد واحد –
كما هو معروف في الحكاية الشعبية – أحدهم سندباد متسلط مصاب بالشعور
بالعظمة يريد تغير نظام العالم وتسييره حسب إرادته ، إذ يشعر بتفوقه
على عالم بدائي – دفعت به الأقدار إليه – ليعيش فيه أناس بدائيون هم
أقرب إلى القردة بتصرفاتهم وسلوكهم ، ورغم ممارسته أبشع صور الاضطهاد
والتعذيب لهؤلاء الناس ، إلا انه لا يستطيع تحقيق طموحاته فيضطر – بعد
أن تبوء كل محاولاته بالفشل – إلى معاقبة نفسه بفقء عينيه ، أما
السندباد الثاني والذي تقوده الأقدار أيضاً إلى جزيرة غريبة تحول كل من
يتناول من أشجارها شيئاً إلى ( خروف ) فأن مأساته تكمن في : أما الموت
جوعاً ، أو تناول شيء من تلك الجزيرة والتحول إلى حيوان ثاغي ( خروف)
,. في حين أن مأساة السندباد الثالث وهو ( السندباد الأكبر) فتكمن بأنه
سندباد غني لكنه يخاف السفر والمغامرات ويعيش حياته بلا قصه أو مغامرة
، لذلك فأنه كان يستولي على حكايات المغامرين الحقيقيين وينسبها لنفسه
بعد أن يقتلهم غيلة ً ، ويعيش في كنف ( السندباد الأكبر) ، سندباد رابع
هو ( السندباد الكسيح ) وهو قزم ، لا يستطيع التحرك من مكانه إلا
بمساعدة الآخرين يستمع هو الآخر لحكايات الآخرين ويحفظها عن ظهر قلب ،
وما أن تتجمع له حكايات وفيرة حتى ينقض على السندباد الأكبر بعد أن
يعتلي ظهره بحيلة ذكية ويقضي عليه لينسب كل الرحلات والمغامرات
والحكايات لنفسه ، انه عالم يأكل بعضه البعض الآخر.
أما المحور الثاني في التجريب في النص فيكمن ، في طريقة كتابته
بالتحديد ، إذ إن المؤلف كان يعيد كتابة مشاهد كثيرة من المسرحية أثناء
تمارين إعداد العرض ( أثناء البروفات) كما كان يغير أو يطور أو ينمي
مشاهد أخرى خلال التمارين أيضاً ، وقد أدى حضوره اليومي إلى تمارين
المسرحية – والتي أنجزت بوقت قياسي قدره ( سبعة وعشرين يوماً ) – إلى
إكمال نصه المسرحي ، حيث كان يطلع بشكل مباشر على مكامن الضعف والقوة
في النص ، ويتعرف على الصعوبات التي يلاقيها الممثلون في الأداء ،
فيغير ويبدل ويضيف أثناء التمرين مباشرة ، ولم يتكامل النص بصورة تامة
إلا قبيل العرض بأيام ثلاثة (14).
2ـ التجريب في العرض :
أـ فضاء العرض : شراع كبير علق على عارضة حديدية متحركة يمكن
رفعها إلى أعلى سقف المسرح ، أو خفظها إلى أرضية الخشبة ، هذا الشراع
يغطي خلفية المسرح بأكملها ويمتد على أرضية الخشبة حتى الحافة الأمامية
للمسرح ، وهو مصنوع من قماش فيه نسبة عالية من مادة ( النايلون ) التي
كونت أرضية قلقة – زلقة – تحت أقدام الممثلين الذين كانوا يسيرون
ويتحركون حفاة طوال العرض ، وهذا ما جعل حركتهم – جميعاً – حركة قلقة
أثناء العرض ، وهي إشارة إلى قلق الحياة التي يعيشها شخوص المسرحية
واضطراب عالمهم وخوفهم من الخطر القادم الذي كان يتربص بهم جميعاً .
وكان لارتفاع وانخفاض الشراع بحسب طبيعة المشاهد – دور في خلق فضاءات
مختلفة أسهمت في تنويع الصور المسرحية ومنحها دلالات تعبيرية متغيرة ،
كما أسهمت في تنويع إيقاعات العرض البصرية والسمعية وكان أكثر
استخدامات الشراع إثارة ، في افتتاح المسرحية ؛ ( مشهد الغرق) التي
تغرق فيه سفينة في عرض البحر ، إذ تتأرجح العارضة – الحاملة للشراع –
يساراً ويميناً – وهي في ارتفاع مستمر ابتداءً من أرضية المسرح ، وقد
وقف عليها أحد الممثلين الذي يسقط منها وهي على ارتفاع مترين من الأرض
– متكوراً ككتلة تتدحرج من نهاية خشبة المسرح حتى حافتها الأمامية
ليستقيم بعد ذلك سندباداً ، وقد تميز هذا المشهد بغرائبيته ودقة تنفيذه
من قبل فريق العمل .
ب ـ التداخل في مشاهد العرض : نظراً لوجود ثلاث حبكات متوازية في نص
المسرحية ، تختلف كل واحدة منها عن الأخرى ، فقد عمد المخرج – في العرض
– إلى تركيب علاقات متداخلة بين هذه الحبكات ليؤكد بأن هؤلاء
السندبادات الأربع هم في الحقيقة سندباد واحد ، إلا أن المسرحية شطرتهم
إلى أربعة شخصيات لتعبر عن وجوه مختلفة لعملة واحدةً . أما كيف استطاع
المخرج تحقيق هذه الفكرة في العرض ؟ فإنه عمل على عدم إنهاء الفعل في
المشهد الأول إلا بعد ابتداء الفعل في المشهد الذي يليه ، بحيث يستمر
المشهدان سوية على المسرح للحظات معدودة – محسوبة بدقه – فينتهي فعل
المشهد الأول ويخرج ممثلوه ليستمر فعل المشهد الذي يليه في بنية
متوالدة وهكذا يستمر الحال لبقية المشاهد وقد ساهم هذا الأمر في زيادة
إيقاع العرض وتسارعه فلا فواصل بين المشاهد ولا إظلام يقطع استمرارية
الحدث هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فقد عمقت بنية التوالد تلك العلاقات
الداخلية بين حبكات المسرحية الثلاث لتجعلها تسير في مستويات متعددة
تضمن التنوع والإثارة معاً ، وذلك من خلال وسيلة ( القطع ) الذي يأتي
في اللحظات الحاسمة منتجاً أسئلة محيرة تحتاج إلى إجابات ملحة.
ج ـ المجاميع الفاعلة : إن من أهم سمات هذا العرض التجريبية هي أن
بطولة العرض لم تكن للممثلين الرئيسيين – رغم الجهود الأستثنائية التي
بذلها هؤلاء الممثلين – بل كانت البطولة للمجاميع التي قادت العرض إلى
النجاح وأسهمت فيه مساهمة فاعلة ، فلم تكن تشكيلاتها ، ولم يكن فعلها
أو حركتها مجرد خلفية من خلفيات العرض ، بل كانت هي التي تقود الحدث في
المسرح .وقد قسمت المجاميع إلى قسمين ، الأول كان بمعية السندباد الأول
حيث كانت هذه المجموعة تمثل الأناس البدائيين الذين هم يشبهون القرود
في كل تصرفاتهم ، والمجموعة الثانية كانت بمعية السندباد الثاني وهم
مجموعة التجار الذين مسخوا خرافاً ، وقد تطلب تمثيل المجاميع وتجسيدها
للشخصيات آنفة الذكر تدريبات مضنية ، إذ كان على المجاميع تمثيل شخصيات
مركبة تبدو أكبر من إمكاناتها الفنية وأستيعابها الأدراكي ، فالمجموعة
الأولى كان عليها تمثيل شخصيات إنسانية ذات طبيعة بدائية قريبة من
الطبيعة الحيوانية ، والمجموعة الثانية كان عليها أن تتخذ أشكال
حيوانات ثاغية بأنفعالات ومشاعر إنسانية . وقد أجادت المجموعتان في
تجسيد تلك الشخصيات المركبة وإيصال تأثيراتها الدرامية في العرض ؛ فضلاً
عن إجادتهما تنفيذ التشكيلات والحركات التي تطلبها مجمل العرض بمهارة
ومرونة عاليتين لفتت إليهما الأنظار فقد ( تحدث عنها النقاد بإعجاب
شديد وركزوا في أحاديثهم حول الطريقة التي تعامل بها فلاح شاكر
والطريقة الفنية الإخراجية التي عالج عزيز خيون بها المسرحية ، أما
الأداء فقد عهد بمجموعة هم قمة الإنجاز وأطلق عليهم ( شياطين المسرح
الجديد ) أولئك الذين انتزعوا الإعجاب برشاقة حركاتهم ، وبناء أفكارهم
وتأديتهم أدواراً مركبة قلما تقوم به مجموعة فنية ).(15)
ب ـ مسرحية ( مطر يمه )
( تأليف : عواطف نعيم : الفرقة القومية للتمثيل ـ مكان العرض : مسرح
الرشيد )
* عناصر التجريب في العرض المسرحي
1ـ فضاء العرض : شفرتي مقص عملاق تمتدان من بابي الدخول إلى
صالة المتفرجين حتى منتصف خشبة المسرح حيث تتقاطعان وتتعامدان إلى أعلى
فضاء المسرح ، ولم يكن امتدادهما في صالة المتفرجين على أرضية الصالة ،
بل كان الامتداد فوق مقاعد المتفرجين ، بحيث قسمت الشفرتان مقاعد
المتفرجين إلى ثلاث مثلثات حادة ، حيث جلس المتفرجين بين الشفرتين
وحولهما . وشكلت الشفرتان – من ناحية أخرى – امتداداً طبيعياً لخشبة
المسرح وجرت فوقهما مشاهد مهمة من المسرحية ، إذ كان الممثلون يقفون
عليها – وكأنهم – فوق رؤوس المتفرجين مباشرة ، كما أن هاتان الشفرتان
كانتا جزءاً من جسد عملاق يمتد من صالة المتفرجين وحتى أعلى فضاء
المسرح نصفه الأسفل ممتد ، ونصفه الأعلى منتصب قائم في وسط خشبة المسرح
. إن هذا الشكل الصارم الذي كان ينتهي بمقصلة للإعدام ، ولد لدى
المتفرجين شعوراً من الرهبة والخوف مما هو قادم ، كما منح شخوص
المسرحية – أو الواقعة كما اسماها المخرج – مزيداً من الهيمنة والتسلط
. كما إن وضع المتفرج المحاصر بتلك المثلثات الحادة ولد لدية أيضا
شعوراً بالضيق تحول إلى شعور بالتمرد على هذا الوضع أثناء تقدم أحداث
المسرحية ، فتوحد شعوره وإحساسه بشعور وإحساس شخوص الواقعة ( المسرحية
) ، فضلاً عن احتواء فضاء المسرح على شبكة معدنية علقت في سماء خشبة
المسرح فأحالت الفضاء بأكمله إلى سجن سماؤه قضبان وأرضه مقص الممنوع .
2ـ المجاميع الفاعلة : لقد كان للمجاميع دور كبير في هذا العرض أيضا من
خلال التشكيلات الجمالية والمؤثرة في العرض . فقد حلقت في البداية
كنوارس طائرة ، ثم أصبحت بحاره يخوضون عباب البحار بأمواجها المتلاطمة
، ثم تحولت إلى مسافرين في صحراء قاحلة وسط عاصفة تسف الرمال الحارقة ،
ثم تحولت إلى مضطهدين يسامون أقسى أنواع العذاب ، ثم تحولت إلى ثوار
يخوضون معارك طاحنة ، كل ذلك كان يتم بتنفيذ دقيق ونظام صارم يضمن
التحول في الشخصيات من جهة ، ويضمن شفافية الصور الرومانسية التي توفر
عليها العرض من جهة ثانية ، وكان للمرونة الجسدية والمهارة الفنية في
التنفيذ اثر كبير في تقديم الإيحاءات والدلالات التعبيرية المختلفة
التي أغنت العرض بصور جمالية أسهمت بإيصال أفكار العرض بمرونة وجاذبية
. ولولا جهادية تلك المجاميع المبدعة التي كانت تقطع الحدث بين فترة
وأخرى ، وتزيد من حرارة الفعل – الذي بدا بطيء الإيقاع والنمو على نحو
ما – لما استطاع العرض أن يوقد حماس المتفرجين الذي ازداد قدماً مع
تقدم العرض الذي أنتهى بحريق -غير مقصود – نتيجة خطأ فني وقع فيه أحد
الفنيين ، لكنه جاء ترجمة لحرارة العرض وأنشداد الجمهور معه ، إذ أعتقد
الجمهور أن الحريق الذي وقع هو مشهد يقع ضمن بنية العرض ، لذلك لم
يغادروا القاعة بل بقوا داخلها حتى إخماده .
نتائج البحث
يتضح مما تقدم إن أساليب التجريب التي عبرت عنها عروض المخرجين الأربعة
اعتمدت على محاور عدة تمثل خلاصة التجريب في العرض المسرحي العراقي
أواسط الثمانينيات وأواسط التسعينات من القرن العشرين؛ والمحاور هي :
أولا: البحث عن فضاءات جديدة للعرض المسرحي يتم فيها إلغاء تأثير مسرح
العلبة التقليدي وتتيح للمخرج إمكانات تعبيرية تجعله أكثر تحررا من
المسرح التقليدي وهو ما عمل على تحقيقه المخرجون الأربعة في أغلب
عروضهم .
ثانياً :إعلاء شأن الصورة المرئية على المسرح والاهتمام بالتشكيلات
والتكوينات المسرحية والتقليل من شأن الكلمة في العرض ، إذ اعتمد
المخرجون على الإيحاءات والإحالات والدلالات أكثر من اعتمادهم على
التصريح والمباشرة اللفظية كما في عروض (صلاح القصب) على وجه التخصيص .
ثالثاً : البحث عن عناصر جديدة في التعبير المسرحي من خلال استخدام
أقصى الإمكانيات التي تتيحها التقنيات المسرحية كألاضاءة والديكور وقطع
الإكسسوار والتقنيات الأخرى كما في عروض ( هاني هاني ، وعوني كرومي
وصلاح القصب ) .
رابعاً : العمل على تنشيط دور المجاميع وإعطائها فاعلية اكبر في العرض
المسرحي مما أضاف إمكانيات تعبيرية جديدة للعرض كما في عروض ( عزيز
خيون ) على وجه الخصوص .
خامساً : التأكيد على روح الجماعة والاعتماد على ممثلين مفكرين يتقبلون
الجديد ويغامرون من اجله ، دون التفكير أو الاهتمام بخاصية النجومية
التي تقتل الإبداع .
سادساً : البحث عن تسميات جديدة لتوصيف الجهود الفنية في العرض ، مثل
مسميات ( الرائي ، المراقب ، المشاهد ، المخرج ـ المؤلف ، شخوص الواقعة
، الرؤية الإخراجية ، المؤلف- المخرج وغيرها). لاعتقادهم بان هذه
المسميات ستعطي لجهودهم دقة في التوصيف من جهة كما إنها ستبعدهم عن
التوصيفات التقليدية من جهة أخرى وهو ما نلحظه في عروض ( صلاح القصب ،
هاني هاني ، عزيز خيون ).
سابعاً: التركيز على دور الإضاءة في العرض وإعطاءها دوراً بارزاً فيه
من خلال تشكيلها لغة خاصة ترفد العرض بدلالات مضافة وهو ما نراه مهيمناً
في عروض ( هاني هاني ) على وجه الخصوص .
ثامناً : التقاط المخرجين لثيمة معينة في النص تمثل أحيانا جوهر الفكرة
أو إحدى الثيمات الثانوية وجعلها مهيمنة في صياغة فضاء العرض فقد عمد(
هاني هاني) إلى تركيز فكرة التقابل حتى في طريقة جلوس المتفرجين و
اعتمد عوني كرومي ، وعزيز خيون إلى تركيز فكرة التضاد حتى في اختيار
الممثلين ( قزم في مقابل طويل قامة ) واعتمد صلاح القصب إلى تركيز فكرة
التكرار في تكراره للصور وتكرار هدمها . وفي استخدام المخرجين لهذه
المهيمنات سعيٌ لتركيز الرؤى الفلسفية التي يحاول المخرجون تأكيدها في
عروضهم .
تاسعاً: إعطاء فترات الصمت دوراً كبيراً في العروض المسرحية التجريبية
وذلك من اجل زيادة فرص التأمل والتفكير فيما يجري على المسرح من جهة
أولى ، وتخليص العروض من الضجة الإيقاعية التي تفسد التلقي من جهة
ثانية ، وجعل الصمت لغة محايثة للعرض من جهة ثالثة .
عاشراً : يلاحظ في اغلب العروض – موضوع الدراسة – إن التجريب لم يختص
بفضاء العرض فحسب ، بل سبقه تجريب في فضاء النص الدرامي وبخاصة ما
يتعلق بالفكرة ، فجاءت كل الأفكار المعروضة جديدة في الطرح والتناول
على حد سواء .
حادي عشر: أعتمدت أغلب العروض على بنية التوالد التي تضمن
استمرارية وتدفقاً لحركة العرض المسرحي ، كما توفر مرونة وتنويعاً
يضفيان إثارة واهتماماً في كل لحظات العرض وهو ما نلحظه في عروض (
ترنيمة الكرسي الهزاز ، وألف رحلة ورحلة ، وألف أمنية وأمنية ، والملك
لير ) على وجه الخصوص .
ثاني عشر : تنوع فضاء التلقي والعمل على كسر رتابة الفضاء التقليدي
للتلقي :
منصة جمهور
من خلال جعل الجمهور يتلقى العرض بفضاءات جديدة مثل فضاء التلقي
المتقابل كما في ( الناس والحجارة ) فضاء التلقي المتداخل مع العرض كما
في ( صراخ الصمت الأخرس ، ومطر يمه ) وفضاء التلقي المتنقل كما في (
ترنيمة الكرسي الهزاز ) .
الهوامــش
1ـ ينظر : أبن منظور ، لسان العرب ، بيروت ،
دار صادر . د.ت : مادة ( جرب ) .ص 261.
وينظر كذلك فواد افرام البستاني ، منجد الطلاب ، بيروت ، دار المشرق ،
ط 28/ 1986 : 98 .
2ـ ينظر : أبو بكر الرازي ، مختار الصحاح ، الكويت ، دار الرسالة ،
1983 : 98 .
3ـ ينظر : الدكتور احمد سخسوخ ، التجريب المسرحي ، القاهرة ، وزارة
الثقافة ، 1989 :7 .
4ـ المصدر نفسه : 7.
5ـ جيمس روس ايفانز . المسرح التجريبي من ستانسلافسكي إلى اليوم ،
ترجمة فاروق عبد القادر ، القاهرة ، دار الفكر المعاصر ، 1979 : 7.
6ـ ينظر المصدر نفسه : 7 ، 110 .
7ـ الدكتور احمد سخسوخ ، التجريب المسرحي : 1.
8ـ احمد فياض المفرجي ، الفنان حقي الشبلي ، بغداد ن نقابة الفنانين
العراقيين ، 1985 : 10 .
9ـ ياسين النصير ( مسرح الشباب .. الينابيع الممتلئة فنا ) مجلة آفاق
عربية ، بغداد ، ع 8/1989 : 147 .
10ـ الدكتور صلاح القصب ( مسرح الصورة) مجلة أسفار ، بغداد ، ع 8/1985
: 159.
11ـ ينظر ، جيمس روس أيفانز ، المصدر السابق : 8.
12ـ بول شاؤول ، مهرجان بغداد للمسرح العربي ، بغداد ، وزارة الثقافة
والعلام ، 1990 : 88.
13ـ نفسه : 88 .
14ـ عبد الكريم بورشيد . ( مسرحية الناس والحجارة ) ، مجلة أسفار ، ع
2/1985 :125 .
15ـ أن الباحث هو أحمد الممثلين المشاركين في هذا العرض ، وهو من
الممثلين الذين شاركوا في اغلب أعمال المخرج عزيز خيون ، كما انه كان
أحد المرافقين لمؤلف فلاح شاكر خلال تجربته مع المرحوم هاني هاني .
16ـ ياسين النصير ، المصدر السابق : 128 .
-
draljupory@yahoo.com
-
m.algoboury@yahoo.com
-
aljupory@hotmail.com
التعليقات
|