|
أجرى الحوار /
جابر محمد
*
المبدع كائن متورط يبحث عن النوافذ
قرأت مرة(( نحن نرغب
دائما في ان يكون عمل الشاعرمتوافقاتمام التوافق مع نفسه , مع علامات
وجهه ومع طريقته في السير ربما, عندئذ ينشأ انجذاب اليه يتحدى الموت
والزمن ..)) تذكرت هذا وانا في طريقي لمحاورة شاعر يمضي في طريق
الابداع بلا ضجيج وتذكرت ايضا ما قاله الشاعر نفسه في احد نصوصه
فانا مملوء
بضخامة قطرة حبر
تشير الى جنوبك
الى
عطر دم
وكآبة وردة
فربما قد وصف من دون يعلم
صورته كومضة شعرية لا تنسى , تلك التي بوسعها ان تنقلنا الى خصوصية
الكتابة التي تبدو متوافقة مع نفس المبدع ومع خصوصية عالمه البعيد عن
مساقط الضوء ولكنه برغم ذلك له قدرة التوهج والجذب .. في الحروب فقد
ساقه اليسرى فاتكأ على ( غيمة في عكاز) عمله الشعري المميز الذي صدر
متأخرا في العام 2001 عن دار الشؤون الثقافية في بغداد بعد ان اصدر على
نفقته الخاصة وبنسخ محدودة جدا _ بطريقة الاستنساخ_ عمله الاول ( حارس
المناديل) في العام1999 . لقد قرات ايضا ان ثمة شعراء لم يكونوا هم
انفسهم حينما ابدعوا اشهر اعمالهم , ولكن الشاعر المبدع حسين الهاشمي
كان هو نفسه بلا شك
* كيف تبدأ الكتابة وماذا
تكون بعدها ؟
_ لا اعرف بالضبط فهناك
الشهادة الغامضة التي تكتب بعيدا عن الشرط والمشروط بمفهوم الفلاسفة او
تقدم الحيثية والرتبة وقد تكون واقعة بينهما ايضا .. المهم في هذا
الامر ثمة امتياز لا يمنح لباقي حقول الحياة ومجالاتها ,تتمتع به كتابة
الشعر , هذا الامتياز الغامض يتمثل في جوانب شتى ومركبة تنطوي عليها
علاقتنا بها , بحيث تجعل من معايشتنا للكتابة عملية تتجاوز
قدراتنا الواعية لتتوغل
في لا شعورنا احيانا.. عملية تنقّل غير مرئية بين الخارج والداخل بين
المساحات الفيزيقية والميتافيزيقية ..هكذا ولفرط ذلك الامتياز, في
سيولته وتعرجاته , في تجليه وخفائه في ثوابته ومفاجآته كل هذا ربما من
شأنه ان يحدد كيف تبدأ وماذا تكون بعدها
.
* كيف تنظر الى قصيدة
النثر الآن واين تحدد موقعها في المشهد الشعري عموما؟
_ قد يحتل سؤالك جدلا لا
نهاية له ولكن باختصار شديد أرى ان هذا النشاط الفني الانساني اشبه ما
يكون بكائن منتج خاضع للتحول باستمرار , انه ايضا كائن مرن يتوخى
الحرية لأنه الصوت الذي كلما ارتهن بقفص زمني ومكاني اصيب برغبة التوثب
خارج الاطر والقواعد الخالية من اتجاه او منظور تأملي , وقديما قال
أرسطو: ان الشعر قريب من الفلسفة لأنه يصور الحقائق الكلية وهو اقرب
اليها من التاريخ الذي يصور حقائق جزئية .. فالقضية التي نحن بصددها
اذن هي ابعد من قضية شكل يدخل ساحة المنافسة مع اشكال اخرى , كذلك سعة
هذا النشاط اليوم او في ما بعد يدخل ضمن مفاهيم صيرورة الحياة في توليد
ادوات الاكتشاف والانتاج والنمو المعرفي مثلما هي معبأة لتوليد القلق
والاسئلة والالم .. ان المبدع كائن متورط يبحث عن النوافذ باستمرار
اجترح المغامرة بعدما اكتشف ان النافذة الاولى هي التي تنبثق من ازميله
الخاص عبر الحائط الذي امامه , لكنه كلما انبثقت نافذة اكتشف جدارا آخر
وهكذا كما لو انها رحلة _ سيزيفية _ واقعة بين الاسطورة والحلم وبين
الواقع المعطى .. بهذا الوصف قد استطيع ان أشبه مسار رحلة ليس من
مواصفاتها اجترار المواقع او حيازة قصب السبق ,لأنها رحلة وعي منهكة
ولكنها جميلة حتى في هزيمتها إ
* عند اي مدى تكون
معاييرالنقد الان ازاء مديات تحولات الكتابة الشعرية الجديدة ؟
في المفهوم الفيزيائي ما
هو معروف _ لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه _ اما
في النقدفالعملية معقدة قراءة وتأويلا في كون اتسع ويتسع لمفردات هائلة
من التحديث والتنظير , شبكات واسعة من العلائق الممتدة بين الارسال
والتلقي ومن خلال اجهزة مفاهيمية منهجية وعلمية متعددة تتضارب مع بعضها
احيانا مثلما تتواشج في احايين اخرى تحت شروط معينة وهذا امر بديهي وما
يعنينا من هذه الاشكاليات السؤال الاتي وهو : هل يتم فعل الارسال حقا
لأي خطاب من غير تلق ؟
ان بعض النقد المحلي
مستوعب بقدر ما لوظائفه واجراءاته لكنه من الندرة بحيث يبدو كنوع هامشي
او كنوع من انواع العملة الصعبة وهي مفارقة حقا إ
اما المعايير الاخرى فقد
افادت من طرف واحد من اطراف المعادلة الفيزيائية سالفة الذكر , اي انها
لا تساوي في المقدار لكنها تعاكس في الاتجاه وحسب.. عموما فان الحصيلة
النهائية لفعاليات النقد عندنا توحي بانها بحاجة الى استفزاز حقيقي
ينجم عنه النزوع الى كشف ملامح وعوالم جديدة من داخل سطوح المنجز
الشعري ,الذي لايستحق الاهمال والتنازل عن مشروعه المستقبلي.. انها
عملية مهمة تستلزم الاتجاه والمنظور معا وليس عملية استجداء كما يفهمها
البعض لأنها عملية حضارية بالدرجة الاساس
.
* بأي معيار يمكن ان تعرف
ماذا يبقى من بعده من أثر شعري حين تقرأ شاعرا ما؟
_ احيانا تبقى منابع هذا
السر بعيدة عن المعايير والتأويل , لأنها تكون ساطعة تماما واحيانا
اخرى ليست كذلك , ولا ادري لماذا
ساتخذ من الشاعر - والت
ويتمان - مثالا اذ لم يدل في خلفيته وتاريخه المبكر ان الخلود مقدر له
_ هذا ما قراته عن شخصية هذا الشاعر العبقري , اما كيف حصل هذا؟إ
واجدني ايضا مهتديا بما قاله شعريا " انظر انا لا أعطي حسنة قليلة ..
ان اعطيت اعطيت نفسي " كذلك ينبغي ان نفرق بين معطيين او خيا رين في
داخل حياة كالشعر تتطلبهما في آن معا
الاول يكرر ويعيد ايقاعها
بشكل رتيب وخاضع للمراوحة والاخر يتمرد عليها ولكن من اجلها اي من اجل
ان يديم ايقاعها من خلال هزها وتحريكها بوسائط مغايرة تماما كالسحر
والدهشة وهذا ما يحققه الفعل المتفوق للمخيلة اولا وهي تنطلق مع حاجة
الصوت الداخلي للشاعر ومن منابع موهبته الحقة .. عندما نقرا شعرا رائعا
يحدث شيء ما , برق ينبثق من اللغة نفسها ويجعلنا نرى ما تبقى في الظل
حول الكلمات ونفكر فيها اي في تلك الكائنات التي بالكاد نرتاب بوجودها
او نشتبه _ حسب تعبير دولوز _
ان الشاعر الذي يريد ان
يبقى هو الذي يبحث عن اساليب جديدة بلا شك تنشا من وحي ذلك كله , من
اشتراطات المعاناة والاجتهاد المستمر مع الاشتراط المعرفي .. وهو الذي
يتعامل بذكاء وايحاء وبرفق كذلك مع كائنات غير تقليدية هي الكلمات
والتي يصفها _ ويتمان _ بانها مخلوقات ميتافيزيقية وان الشاعر الحقيقي
هو الذي يستطيع ان يجعلها ترقص وتغني وتبكي وتفعل كل ما تستطيع فعله
القوى الطبيعية .. بهذه المعايير ربما وربما غيرها مما نجهلها نحن او
نفاجأ به ...
21/1/2006 العراق |