في مسرحية العرس الوحشي للكاتب فلاح شاكر المنشورة
في موقع الورشة يوم 28 / 11 / 2006 تتجلى لنا
الخطيئة بصور ومستويات عدة عبر حوار انساني ممسرح
بين الام والابن او بين المراة وخطيئتها. وقد
اختير لهذا الحوار مكان رجراج هو الماء وما فوق
الماء حيث العبارة الآيلة للغرق على شاطئ وطن سليب
.. فكان القلق متأتيا من رجرجة المشهد سواء في
المكان الذي يدور حوله الحدث او الحوار او داخل
الذات الخاطئة التي تمثل دور الضحية والجلاد في ان
واحد او القلق المنبعث من رجرجة المصير القابل
للسقوط في الهاوية في اية لحظة.. لهذا كان
الحوار يتمظهر بمستويات وشخصيات عديدة تنبع من
الشخصيتين الرئيسيتين في المسرحية الام والابن
لتكون هذه الشخصيات خلفيات نفسية وحدثية وحوارية
في ان واحد مما اتاح تكثيفا واختزالا لادوات
المسرح ومكوناته مما يمكن ان نطلق عليه بلاغة
المسرح .. هذه البلاغة المتاتية من عمق الحدث
وتصويره او تجسيده و من فضاء الحوار وتداعياته
ودراميته .. فقد كانت هاتان الشخصيتان بامتدادهما
المسرحي والدلالي تكفيان او تعوضان بحوارهما الثر
وتحولاتهما النفسية والادائية عن الشخوص الاخرى
التي ينطوي عليها الحدث بما تشكل من فعالية وسببية
لخلق هذا الحدث والقاء بذرته في ارض خصبة للفجيعة
والندم وقد تكون هذه الارض قلب امراة خاطئة او
مخدوعة ، او يتم طفل ملقى على قارعة الزمن، او
مجهولية اب تتراءى ظلاله على ملامح مغتصبة لاناس
سحبت الارض من تحت اقدامهم عنوة .. شخصيتان يكفي
استلابهما الارضي للتعبير عن معاناة شعب ، ويكفي
امتدادهما الخطيئي لتمثيل هواجس البشر.. او ليس
الارض ام الشعب والخطيئة ام البشر ..؟!
كما كان المكان القلق العبارة المتضررة الجانحة
قبل لحظات الغرق مسرحا مؤثثا لاحتواء المصير ..
فالام الباحثة عن طفلها الذي ضاع في رحم الخطيئة
وظلال الغياب تحاول استعادة ما تبقى لها منه او ما
تبقى منها فيه.. والابن الذي فقد الارضية
الامومية والسقف الابوي على رصيف وطن يتيم ...
يحاولان مد حبل بين خيبتين وجسر بين وهمين .. عبر
حوار مبتل بماء الفجيعة ومرارة العتاب:
الابن
:
مَنْ أبي .. ؟
الأم : جلاّدنا
..
الابن : ومنْ
جلاّدنا ؟
الأم : أبوك
الابن : أريد شفقة
الأم : أنا في
خيبة وعذاب لا أستطيع فيها أن أشفق حتى
على نفسي ؟؟
بيد ان الحوار
لا يقف عند حدود العتاب المر او الخيبة المستجدة
فثمة حياة مصادرة مختبئة بين الحروف والكلمات
مثلما اختبأ ابطالها او شخوصها وراء جدران الندم
ونوافذ الفقدان والخديعة ، وابواب مخازن الغلال
المنسية .. الافواه تنزع اقفالها في الحوار الاخير
حوار الغرق والضياع وتفتح الجراح على مصراعيها
.. فيدب الضياع الى العقل حين يتبادل المواقع مع
الجنون الذي يكون نعمة في لحظة ما لكن حتى هذه
النعمة لم تتوفر فتصبح حلما مفقودا ايضا :
الابن
: لكنّي مجنون أفعل ما يحلو لي .. ألست مجنوناً ؟
الأم : ليتك كنت
فأرحتني
الابن : أكنتُ
عاقلاً ؟
الأم : ليتك كنت
فأرحت نفسك
الابن : لستُ
بمجنون ؟
الأم : ما كان
لأمٍّ مهما كان
الأب ألاّ تحبّ
ابنها إلاّ إذا كان فيه عيب يبرّر كرهه
..
الابن : عاقل ؟
الأم : أضفيت عليك
الجنون فلم تعد عاقلاً
..
الابن : ولا مجنون
الأم
:
بين جنونك وعقلك
ضاع ضميري
ان هذه الجدلية المرهقة لم تقتصر على موضوعة
العقل والجنون بل شملت العلاقة الحميمية بين الام
والابن وبالتالي بين الانسان وذاته
الابن : ( يغمض
عينيه ) أين أنتِ ؟ .. أين أنت ؟.. ( يصطدم بها )
لماذا لا تخبـّئي
نفسك ؟
الأم : وأين هي
حتى أخبـّئها ؟
الابن : إنها هنا
..
الأم : أين
؟
الابن : ( يشير
إلى أرجوحة ) في الأرجوحة
الأم : سقطت منذ زمن طويل
حيث يصبح كل شيء قابلا للفقدان بعد ان فقدت
اللحظة المشيمية في الارتباط بالحياة وبني الوجود
على هاجس الاغتصاب والاستلاب والاحتلال فالارض مثل
المراة حين تغتصب يفقد ابناؤها اباءهم وملامحهم
ويندرج الكيان في عقدة المجهولية والخوف من
الالتفات الى الخلف وبناء اللحظة القادمة على اساس
رخو وارضية هشة يصعب السير فيها واعتقد هذا الذي
غيره او اضافه فلاح شاكر في نصه المسرحي – العرس
الوحشي - بعد 15 سنة من الركون والزهد به
والنسيان .. لقد ان له ان يزاوج بين الاغتصابين
والضياعين والغرقين .. فصنع من اخشاب عبارة كانت
على وشك الغرق خشبا لمسرح يروي فيه هذا الخشب
المتبقي حكاية العبارة الغارفة التي كان هو خشبها
وشاهدها العيان الذي يقدم الان الى الجمهور حوار
الغرقى والصيحات الاخيرة للافواه قبل ان تمتلئ
بالماء ..
كان خشب السفينة او المسرح – لا فرق - امينا بما
يكفي لنقل تلك المشاعر المتدفقة بين قلبين وقفت
الخطيئة حاجزا بينهما وصير الاغتصاب لقاءهما
وهماً حتى في لحظات الانجذاب الروحي والذوبان
الغريزي حيث لاحت الذكرى عارا والانتماء الى الاخر
انخذالا وانكفاء الى رماد الذات المازومة بتفسخ
لحظات البداية وتعفنها تحت وطاة زمن الاستلاب
الثقيل :
(( تتقدم نحوه
بهستيريا وهو يستسلم لها دون مقاومة )) ابتعد ..
ابتعدي عنّي أيّتها
الذكرى الأبدية ..
يا شقائي .. ابتعد .. اذهب .. اذهب من نفسي ..
غادر أنفاسي وإلاّ
اختنقت برائحتك
الكريهة .. رائحة الويسكي المعجون بالدم .. رائحة
الضوء الأصفر
المتأرجح فوق
ملابسي الممزّقة .. ( ترى عينيه الجاحظتين ..
تتركه وتهرب فزعة ) آه
..
عيناك لا تغادرني
.. عيناه .. عيناك تسكنان عقلي الخرف
..
حتى النقود التي تخترق الجدران غالبا وتقرب البعيد
اصبحت هي الاخرى جزءا من هذا الجدار جدار الخطيئة
والذاكرة المغتصبة فلا الام تستطيع ان تشتري ابنها
بنقودها حين يكون هو البائع و لا الابن يستطيع ان
بشتري امه بهذه النقود حين تكون الام على الطرف
الثاني من صفقة البيع فلا الامومة تباع ولا البنوة
تشترى رغم ان النقود نفسها كانت ثمنا او جزءا من
ثمن الكارثة :
الأم : تلك ستعيد
إليّ حياتي .. إنها ثمن ما بعت
..
الابن
: اشتراكِ لكي تكوني زوجة له .. وأريد أن أشتريكِ
حتى تصبحي أمّي
..
وبعد ان فشلت النقود في كسر
الحاجز او بالاحرى صارت جزءا منه راحت الام تتقمص
شخصيات اخرى في ذاكرة الابن علها تتسلل اليه من
اجساد الاخرين او ارواحهم او من ذكراهم وبقاياهم
المؤلمة في الذاكرة (الأم
: تأخذ دور حنان ابنة الخالة
)
فتكمل الحوار
على انها حنان لتقترب من ذاكرة ولدها ولتنفذ الى
قلبه من هذه الذاكرة لكنها لا تستطيع التنصل عن
ذاتها وعن شخصيتها كأم فاقدة ومفقودة فتنهار باكية
على انقاض الذاكرة وانقاض الامومة ثم يختار المؤلف
اسما لابنها يناسب عذاب امه به هو ( ويل ) الذي
يتكرر كثيرا في المشهد السادس من المسرحية مشهد
الاعتراف والتبرير والانهيار والاقتراب من الغرق
والمحاولة الاخيرة للهروب من جحيم اللحظة .. امام
ويل الذي يبدو متقمصا شخصية اخرى في هذا المشهد او
نهايته حيث تصرخ به الام ( الأم
: لا تلمسني أيّها السافل .. لست سوى مغتصب حقير
..)
اما المشهد السابع فهو المشهد الانفعالي حيث تصبح
فيه الام عدائية وتتقمص شخصية مسؤولة المصح الذي
كان فيه الابن وتحاول عبثا ان تحصل على النقود لكن
الارض التي تحتها تبدا بالانخساف والزمن يبدا
بالتهشم والقبر المائي يفتح فمه ليقول الماء كلمته
الاخيرة في الحكاية فالعبارة تغرق بما فيها
وتاتي كلمة ( اماه ) بعد فوات الاوان حين اغلق
الماء منافذ الحياة على ام زانية وابن سارق وقاتل
لابيه المغتصب ..
(
الأم :
كلانا سنغادر الحياة إلى الأبد إن لم تغادر
العبّارة
الابن : نلعب
أوّلاً ( نسمع ازدياد تكسّر الخشب وأصوات رصاص
وقصف)
الأم بهلع : في
وقت آخر ،
العبّارة ستغرق ، ستأتي الشرطة والأمريكان ليقبضوا
عليك .. سيأخذون النقود .. هيّـا
..
قل أين هي وسوف
.. )
وهكذا تحافظ المسرحية او بالاحرى النص المسرحي
على تناميه الدرامي المتصاعد ويحافظ على انشداد
المتلقي لهذا التنامي النصي الذي يتطلب اداء
مسرحيا عاليا لانها اشبه بمسرحية البطل الواحد رغم
وجود شخصيتين جامعتين لكن هاتين الشخصيتين
وحّدهما الحوار المسرحي حتى صارا كيانا واحدا
شطرته جسامة الحدث المتشعب الممتد من لحظة
الاغتصاب الى لحظة الغرق ..
انها مسرحية يأس مضيء ...!