مواقع واعلام

صـور

** اهــــــلا وسهــــلا بكم في الهدف الثقافي...... نتمنى لكم جولة هادئه في رحاب الفن والادب الذي نطمح ان نهئ اطيافهما قريبا ان شاء الله ...... لوحة تشكيلية ام خط عربي .....نص مسرحي ..... مقال ادبي او نص شعري عربي ام  مترجم .........صورة مؤثرة لمخلفات يد ارهابي نتن..... رواية عربية او قصة قصيرة ..... الهدف الثقافي معكم اينما كنتم يستقبل انتاجاتكم في كل مجالات الادب والفن ..... تحياتي لكم  اينما كنتم **

لوحات خط

لوحات زيتيه

ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا


 

مع شكسبير

تأليف بيتر بروك

ترجمة محمد سيف

منشورات مسرح الضفتين

بنسياننا شكسبير يمكن أن نبدأ بالعثور عليه!

 

إن أولى ذكرياتي مع شكسبير ابتدأت مع رنين وطنين صدى الممثلين الذين كانوا يمثلون برغبة وحماس شديدين مع اهتمام قليل بالمعنى، حتى جاءت ثورة وتمرد مرحلة ستراتفورد الكبيرة. عندئذ أخذ المعنى مرتبة الصدارة الأولى، وصار يخضع للنقاش، والتحليل ويوضع للتطبيق من قبل عقول حادة الذكاء؛ لقد صار تمثيل الأبيات الشعرية حرفة نظيفة ومشرفة. وبفضل هذه المدرسة الجديدة، تكشفت الكلمات والعبارات القديمة المعروفة جيدا، عن ذكاء، وعن وضوح، وعن معانٍ كثيرة. وهكذا تحطم النموذج القديم. بعد ذلك بقليل، برزت مشكلة جديدة صار الممثلون يخلطون ما بين الشعر واللغة اليومية، معتقدين أن الكلام كافٍ " مثلما في الحياة اليومية ". وبهذه الطريقة تصبح الأبيات الشعرية بمثابة كلام عادي، باهت بسبب إلقاءٍ لا مبالٍ لكائنٍ من كان. هكذا صارت المسرحيات تفقد اتقادها وأسرارها الخفية؛ وبات المؤلفون الغيورون يطالبون بصوتٍ عالٍ أن شكسبير يستحق حقيقة اكثر مما هم يستحقون.

بناء على ذلك تحرك الجامعيون بصرامة ووضعوا النقاط على الحروف فيما يخص الاختلاف ما بين الشعر والنثر، عندما أصروا على ضرورة احترام الشكل. وهذا ما قاد إلى بدعّة وهرطقة جديدة أطلق عليها في وقتها بدعة " تقديم النص " أو " مشاركة النص مع الجمهور ". فصرنا نوحي لبعض الممثلين الشباب بأن يكونوا نوعا من " المقدمين " لهذه الكلمات الكبيرة وإفهامهم بأن وظيفتهم بالدرجة الأولى، تنحصر في العمل على توصيل وسماع الجمل وذلك بتركها تعبر عن نفسها بمفردها. وهكذا ولدت أسوأ كل الفظاعات وأكثرها هولا: الصوت الشكسبيري.

إن جميع هذه المقاربات في الوقت الحاضر قد استهلكت بعدما استعملت حدّ الاستنفاذ. ولكن ها هو تحدٍ أخر، في مجابهة خطر جديد. يوجد سمٌ نافذ، يهدد حياتنا الاجتماعية. ويدعى هذا السم " الاختزالية ". ويقصد بالاختزالية في الممارسة العملية: قص وتقليم وأبعاد كل ما هو غير معروف وخفي. وإزالة الأسطورة من أيّ مكان نستطيع أن نجعل فيه النموذج ملائما. وبهذه الطريقة وقع الممثلون الشباب في الفخ، باعتقادهم أن حياتهم اليومية قادرة على أن تحمل لهم كل ما هو ضروري ومهم وأن بمقدورهم أن يؤسسوا فهمهم وإدراكهم على تجاربهم الشخصية فقط، فصاروا يطبقون تنميطات سياسية واجتماعية على الحالات أو على الشخصيات التي هي في الحقيقية غنية وتذهب بعيدا اكثر بكثير من الأفكار البسيطة. إذا حاول أحد ما أن يستعمل مسرحية " العاصفة " على سبيل المثال، لكي يبينّ أو يبرهن على بعض الآراء البسيطة حول الرِقّ والتسلط والاستعمار، أو أن يمثل شخصية معقدة ومركبة لأجل أن يلصق مواقف جنسية مطابقة لذوق العصر ومجاراة له، فسيصل إلى نتيجة واحدة: هو انه سيجرد الشخصيات من قيمتها التي أذهلت وأعجبت المتفرجين خلال قرون طويلة بتفردها وتركيبها. لقد كان هاملت واعياً عندما هتف يقول لغلدنسترن[1]، بعد مشهد غضب الملك وتوقف العرض الذي أعده هاملت مع جوقة الممثلين:

أترى إذن كيف تهدر أنت كرامتي ؟ إنك تريد التظاهر بأنك تعرف مفاتيحي. إنك تريد اقتلاع القلب من غامضي.

ماذا يمكننا أن نقول لممثل شاب يحاول أن يلعب واحداً من هذه الأدوار الكبيرة ؟ أنسَ شكسبير. أنسوا تماماً وجود رجل كان يحمل هذا الاسم. أنس بان هذه المسرحيات كان لها مؤلف. وفكر فقط بمسؤولياتك كممثل يهب الحياة إلى البشر. إذن تخيلوا ففقط كشيءٍ مفيدا- بأن الشخصية التي تشتغلون عليها موجودة حقيقية، وتخيلوا أن شخصا ما يتبعها سراً أينما تذهب أو تجئ  وفي يده آلة تسجيل صوتية، وأنه يتبعها إلى درجة أن الكلمات التي تتلفظ بها الشخصية تصبح كلمات حقيقية. ما الذي سيتغير في هذا ؟

إن نتائج ومحصلات وتبعات مثل هذا الموقف يمكن أن تذهب بعيداً.

أولاً، إن جميع المحاولات التي تقول بأن هاملت هو " مثلي وشبيهٌ لي " قد تلاشت وأصبحت في خبر كان. أن هاملت لا يشبهني، وليس " بمثلي "، انه ليس كسائر البشر، وذلك لأنه شخصية فريدة من نوعها. ومن اجل البرهان على ذلك، قم بارتجال أيّ مشهد من مشاهد المسرحية. اصغ بانتباه ويقظة إلى نصك المرتجل؛ من المحتمل أن يكون مهما، ولكن هل تملك كلمة بكلمة، وجملة بجملة، نفس قوة خطاب هاملت؟ إنكم سوف تسلمون بالأمر الواقع بعد أن تكتشفوا بأن هذا بعيد حتى عن الاحتمال. وانه من المضحك حقاً أن يتخيل أحد أن بمقدوره أن يبادل أو فيليا[2] بالفتاة التي يحبها أو غرترود[3]ملكة الدانمرك وأم هاملت بأمه -، حالة بحالة، تعبر عن نفسها بنفس القوة والكثافة التي يعبر بها هاملت عن نفسه، بنفس مفرداته، بنفس مزاجه، بنفس ثرائه الفكري. الخاتمة: يوجد في التاريخ رجل مثل هاملت، عاش، تنفس وتحدث مرة واحدة. ونحن بدورنا قد قمنا بتسجيل ما قال ! وإن هذا التسجيل هو بمثابة البرهان الحقيقي على إن هذه الكلمات قد قيلت حقاً.وهكذا بعد اقتناعنا، تتولد لدينا رغبة شديدة لمعرفة هذه الشخصية الاستثنائية.

هل إن هذا في هذه اللحظة بالذات سيساعدنا على التفكير، ، بشكسبير، المؤلف؟ بتحليل مقاصده ونواياه، تأثيراته على عصره، والخ ؟ هل سيساعدنا هذا على امتحان تكنيكه، طرائقه، فلسفته ؟ إذا كان في مقدور هذا أن يكون رائعاً وجذاباً، عجبا ! هل يساعدنا في شئ ؟ أليس كذلك إن مساعدة بسيطة جدا و مباشرة جدا تُقَرُبْ من المسرحية بذات الطريقة التي يشتغل فيها الممثلون الايرلنديون على المسرحيات الايرلندية ؟ في أفضل المسرحيات الايرلندية، لا يمكن أن تكون الكلمات عادية على الإطلاق، إنها تشبه دائما " كتابة جميلة "، ولكن ومثلما أوحى سينك Synge- بأن المؤلف مثل ذلك الممدّد على ارض مخزن الغلال وهو يسمع الخطاب الواقعي، الخطاب الحقيقي الوحيد الذي يصعد نحوه من خلال شق في السقيفة. إن الحقيقة الايرلندية في كتابات كل من سينك Synge وO Casey أو Fril، تعبر عن نفسها بالنثر الذي هو شعر. وإذا شئنا، فبإمكاننا أن نعد على الأصابع حتى المقاطع اللفظية، ولكن، هل سيصبح تمثيلنا، عند قيامنا بهذا العمل، أكثر ضبطا وصرامة ؟

إن الممثل والممثلة الايرلنديين يشعران وبكل بساطة، بأن الشخصيات التي يمثلونها هي شخصيات حقيقية؛ ومثلما يقبلان بفكرة أن ثراء التعبير الموسيقي في الشخصية هو تعبير فطري؛ فإن هذا الثراء يصل إلى لغة المجسد نفسها برشاقة طبيعية.

ليس من واجب الممثل التفكير بالكلمات كما لو إنها جزء من النص، بقدر ما يتوجب عليه أن يفكر بها وكأنها جزء من الإنسان، محمولة ومجروفة بمد من الوقائع.

إن الممثلين في التلفزيون وفي السينما في الوقت الحاضر، دائما قريبون وبشكل باهر من الحياة عندما يتعلق الأمر بإعادة تمثيل الوقائع. في حين إن الممثلين، في المسرح لا يشعرون بأي غموض فكري عندما يُستَدرَجون، على سبيل المثال، لتمثيل تحقيق عن إحدى ضحايا الوحشية البوليسية باستعمالهم أدوات تسجيل ونسخ أصلية. إذا كانت الشخصية تستعمل كلمات غير عادية، وجملاً غريبة، واستعارات عجيبة وصوراً منفرة ومثيرة للاشمئزاز، فإن الممثل لا يضطرب ولا يطالب بماذا كان يريد أن يقول "المؤلف" من وراء ذلك !، ولا بماذا كان يريد العصر أن يملي على المؤلف. ولكن في اللحظة التي يكون فيها التحدي هو " تمثيل شكسبير"، الكل يتشوش. يستدير قسم نحو المؤلف، وقسم آخر يستدير نحو الشخصية ذات التفكير المزدوج. فان إن التفكير المزدوج يُبذر الطاقة والتركيز.

لنفترض إننا نسمع لير وهو يقول إلى كورديليا ابنته:

ونصلي، ونغني، ونروي حكايات قديمة، ونضحك/ على الفراشات المعُسَجدة، ونصغي إلى أهل الشقاء يتحدثون بأنباء البلاط. ولسوف نتحدث إليهم أيضاً/ عمنّ يخسر ومَن يربح، مَن الداخلُ ومَن الخارج،وندّعي فهم غوامض الدنيا كأننا أرصادُ الآلهة.

نزعم في تمثيلنا الجديد، بأن" لير" قد قال هذه الجملة تلقائيا، ومن المدهش جدا أن نتخيل ذات الجملة وهي معمولة بعناية من قبل رجل جالس في مكتبه وفي يده ريشة وأمامه ورقة. إذن يتوجب علينا أن نتساءل هنا أيّ الرجال هذا الذي استطاع أن يرتجل كلمات مثل هذه، في اللحظة التي قيد فيها إلى السجن بعد معركة عنيفة ووحشية. نحن نحتاج لمعرفة أيّ تجارب قاسية وعنيفة تلك التي قد مر بها في حياته، أية آلام تلك التي عانى منها في بحثه عن ذاته، أية حساسية خاصة تلك التي استطاع أن يهبها إلى هذا الملك الذي يبدو حسب الظاهر مستبداً وجائراً، في الوقت الذي تشير أعماقه إلى عكس ذلك.

نلاحظ هنا أن المقاربة السيكولوجية غير واردة، وأن المحاولات النصية غير كافية، وإن كل هذا الذي يختصر لير ويحيله إلى نموذج أو يجعله " مثل سائر البشر " بلا فائدة. أن طريقنا إلى أعماق الشخصية يمر عبر فهم أدراك حقيقة مفادها: أن الكلمات التي يستعملها شكسبير هي التي تهدينا إليه.

إن الممثل الذي لا ينظر إلا إلى أفعال لير يمكن أن يصل إلى خاتمة، وهي إن لير هو العجوز المجنون الوحيد الذي بإمكانه أن يهب مملكته إلى بناته. انه استدرج لان يصلح غلطه في اللحظة نفسها التي يتحقق فيها من إن رجلاً نزقاً في تفكيره نحو الأشياء وخفاياها في حالة ملحة وعاجلة بدلا من أن يشتكي أو يتذمر، قادر على أن يجمع في عبارة واحدة  "الآلهة وارصادها" انه رجل حَبَتْهُ الطبيعة ذهنيةً عظيمة. ولا يوجد أقل اثر للشيخوخة في هذه الفكرة.

إذن من هو هذا الرجل ؟ إن التساؤل يحمل الممثل إلى ابعد مما جاء به فرويد Freud، وجينج  Jung، من نظريات وتحاليل في مجال علم النفس مثلما يحمله ابعد مما جاء به  الاختزاليون من أفكار وأراء بخصوص قص وتقليم النص وفقا لرؤيتهم الشخصية. وإن هذا في الوقت ذاته، لا يقودنا إلى التهاون ولا إلى اقل قلق على التفاصيل الحساسة والدقيقة للأبيات الشعرية. بل بالعكس، إن كل مقطع لفظي يأخذ مكانة جديدة، وإن كل حرف جديد يمكن أن يصبح مسمارا أساسيا في إعادة بناء منهج معقد بشكل هائل. إننا لا نستطيع أن نبدأ وننطلق دائما من فكرة، ومن رؤية أو من نظرية حول الشخصية. لا يوجد اختصار أو إيجاز أو صورة مصغرة. المسرحية كلها تصبح عبارة عن قطعة فسيفساء كبيرة ونحن نقترب من الموسيقى، من الإيقاع، من غرائبية الصورة، من المتجانسات الصوتية، ومن القافية نفسها، بالمباغتة وتواضع الاكتشاف، لان كل هذه الأشياء التي أعددناها هي بمثابة تعابير ضرورية لمخلوقات بشرية غير شائعة.

إن شكسبير لم يشأ أبدا أن يدرسه أحد. انه ليس من باب الصدفة والمصادفة قد تَسَتَّر. وإننا بنسياننا لشكسبير فقط يمكن أن نبدأ بالعثور عليه.

كلام حول شكسبير

بيتر بروك

ترجمة: محمد سيف

خذوا جريدة من الجرائد- تخيلوا أن الأمر يتعلق بجريدة يومية- اقرؤوها بنوع من الاهتمام. على حين غفلة تكتشفون بأنكم تقرأون جريدة المدينة، وفجأة تفقد الجريدة كل أهمية. لماذا ؟ إن الرجال والنساء الذين أخرجوا هذه الجريدة إلى النور، هم أذكياء بلا شك، ويكتبون بشكل جيد، ولكن بين ليلة وضحاها يكتشفون أن ما كتبوه مات بنسبة تسعين بالمائة، وباتت الجريدة لا تصلح إلا لِلَّفْ السمك وبعض شرائح اللحم. إذن، ما هو الفرق بين صفحة جريدة كتبت البارحة وصفحة لشكسبير، كتبت منذ اكثر من مائة عام ؟ لماذا شكسبير ما زال لم يهجر أو يطرأ عليه الصدأ ؟ إن هذا السؤال يبدو تافهاً وسهلاً. ولكن، لو فكرنا جيدا، فسنكتشف إن الأجوبة السهلة لا ترضي ولا تشفي غليل أحد. ما ذا سيكون شكل الجواب السهل ؟ على سبيل المثال:" إن شكسبير كان نابغة " أية إبانة وأيّ إيضاح حصلنا عليهما من كلمة " نابغة " ؟ أو مثلاً :" إن شكسبير كان من اكبر رجال عصره ".. بماذا سينفعنا هذا في فهمنا ؟ وأيّ، جواب يمكن أن يأتي من ناحية المدرسة الجديدة في النقد:" إذا قلنا إن شكسبير كان يفضل مضاجعة الولد على المرأة " أياً كانت هذه الإجابات فهل ستكشف لنا الحجاب عن حقيقة السر الخفي للظاهرة الشكسبيرية. نتذكر جيدا وهذا ليس بالتاريخ البعيد، إن بعض الناس كانوا  يتساءلون بشكل جدي فيما إذا كان شكسبير موجوداً حقا أم لا وخلال المائة عام الأخيرة، أرادت العديد من النظريات أن تستبدل " أسم شكسبير باسم آخر" : باكون، مارلو، اكسفورد، الخ. إن لا معقولية كل هذا وسخفه يكمن في انه لا يخدمنا أيضا في شئ. أننا نغير الاسم فقط، ولكن السر الخفي يبقى بكامله.

كنت حديثا في روسيا. وقف واحد من الجمهور وقال: "إن الجميع يعرفون هنا إن أصل شكسبير من أذربيجان وذلك بسبب اسمه، " شيخ sheik " وهذه كلمة عربية وكلمة " بيرpaer " تعني حكيم، عاقل، إذن، إن اسم " شكسبير " كان بمثابة اصطلاح لكي يكشف لأعين الجميع بأنه كان مسلماً متخفياً يعيش في بلد بروتستانتي حيث كان الكاثوليك فيه مضطهدين. " وهنا نقول أيضا، بماذا يساعدنا هذا الطرح في اكتشاف سر شكسبير ؟ هل كان تشيخوف من أصل تشيكيّ * ؟ لفترة طويلة، كانت هناك بإنكلترا، وجهة نظر أخرى عنصرية ومتفاخرة تزعم بأن شكسبير، لو انه ولد فقيراُ في الريف ولم يتردد إلا على مدارس القرية، لكان غير قادر على بلوغ المستوى التعليمي الذي تكشف عنه مسرحياته. في الواقع، كان عمره، حسبما اعتقد ثمانية وعشرين عاماً، عندما كتب مسرحيته الأولى. ولو تأملنا قدرة تَمَثُّل** الكلمات والانطباعات لدى شباب اليوم الذين يقومون بإخراج الأفلام وهم بعمر العشرين والحادية والعشرين، ولو فكرنا بأن شكسبير كان يعيش في عصر كانت لندن فيه مركزا للعالم، يمر بها الناس من كل جهات العالم الأربع، وهذا بحد ذاته، شيء بإمكاننا، مثلما اعتقد، أن نعتبره خبرة ومكسباً، لبدا ما قيل عنه مقنعاً.

إن شكسبير، من أجل أن يكتب مسرحياته، يفترض به أن يمتلك ذاكرة عظيمة. وخذوا هذا المنطق كنقطة للانطلاق.

بلا ريب، أن شكسبير وراثياً، كان موهوباً بإمكانية عظيمة على الملاحظة، على التَمَثُّل وعلى الذاكرة. كنت أتحدث ذلك اليوم مع قائد أوركسترا شاب، وتطرقنا في حديثنا إلى إمكانية حفظ وتوليفة مقطوعة مُوسيقية معقدة جداً في سن الشباب. إنه واضح جدا بأن هذه كانت إحدى المزايا والمواهب الخاصة والفريدة التي كان يتحلى بها شكسبير.

لا تنسوا انه كان يعيش في مدينة نشطة وحيوية جداً والتي كانت هي لندن في ذلك العصر. كان يكفيه أن يدخل في أية خمارة من الخمارات لكي يستمع إلى الناس الذين عبروا البحر من كل زوايا العالم الأربع. وهكذا فإن أذنيه قد امتصتا معلومات وقصصاً وحكايات كثيرة ومختلفة جداً. لقد كان شكسبير، من وجهة النظر الوراثية ظاهرة من الظواهر، وإن الجمجمة العارية التي شاهدناها في العديد من اللوحات والصور، مثل الكومبيوتر، تخفي قدرة مذهلة تبحث وتعالج مختلف التعابير والانطباعات غير الشائعة. هذا هو مخ شكسبير، وآلة شكسبير، التي اعتقد، إنها نقطة انطلاقنا. في هذه الأثناء، هل يكفي القول بأنه يملك ذاكرة جيدة ؟ لا أعتقد ذلك. لأنه حتى لو كان قادراً على ترك جميع الانطباعات والتعابير الغنية والمعقدة تخترق دماغه، فان هذا لن يكون كافياً أيضاً لخلق شكسبير، ذلك المؤلف، الذي لا يضاهى.

إذن، نحن ملزمون في نهاية المطاف على الاعتقاد بأن شكسبير كان يمتلك ميزة جوهرية أخرى. ولنطلق عليها اسم " إبداعية ". ولكن إلى أين ستقودنا هذه الكلمة، وماذا تشرح بالضبط ؟ لنتحدث ببساطة. بإمكاننا أن نقول بأنه كان شاعراً، وشخصاً يناقضنا، وذلك لأنه على أية حال قد كتب شعراً. ولكن ، أن تكون شاعرا، فأن هذا لا يأتي من لا شيء. ما هي، في النهاية، وأين نجد، بشكل واضح، الأرضية الحقيقية لهذه الظاهرة الخاصة التي نسميها " شعراً" ؟ نعم، نجدها في معنى الكلمات، نعم، نجدها في حب التعبير الأدبي، ولكن مع ذلك، فإن هذا لا يكفي. إن هذا الذي نبحث عنه هو شئ جوهري كلياً.

ذلك الشيء الجوهري، هو أن الشاعر إنسان مثل كل واحد منا، ولكن مع اختلاف، هذا الاختلاف يكمن في إننا، لا نمتلك مدخلاً أو منفذاً إلى جُمْلة حياتنا، في أية لحظة تكون. لننظر في هذه اللحظة. في هذه اللحظة بالتمام، ونحن جالسون هنا معاً. لا يوجد واحد منا قادر على أن ينفذ إلى موضع الاستماع شعورياً، لأجل معرفة والتقاط كل ما حصلنا عليه، من ثروات امتصصناها على طول وعرض حياتنا. يحتاج الكثير منا إلى بحث طويل لأجل التمكن من الغوص في طباعنا ومشاعرنا الماضية. بل يحتاج البعض، إلى عدة سنوات من العمل مع طبيب نفساني لأجل الوصول إلى تلك الممرات الغريبة حيث تدفن فيها جميع تجاربنا، التي تنتظر أن تخرج للنور. لكن الشاعر يختلف. إن الميزة المطلقة التي يتميز بها " الشاعر " هي قدرته على رؤية العلاقات غير المؤكدة بين الأشياء.

يقول "ت.س. اليوت " وهو يتحدث عن ملعقة القهوة: ( لقد قست حياتي بملعقة قهوة.) إن ملاعق القهوة تستدعي في آن واحد الروابط الإنسانية التي هي شخصية، وهذه التي تذهب باحثةً جيدا فيما وراء ما هو شخصي. لنعد إلى شكسبير ولنتمسك بالأشياء التي لا جدال فيها.

لدينا جميعاً فكرة بأن شكسبير حينما كان يكتب مسرحياته كان يكتبها بسرعة. لقد كان رجلاً عملياً، ويكتب بطريقة عملية لمسرح كان يجب أن تمثل فيه أعمال مسرحية بشكل دائم، وإذا أخذنا بعين الاعتبار إنتاجات شكسبير المسرحية وعدد السنوات التي كتبها فيها، نكتشف انه قد توجب عليه إنجازها بسرعة. ليس لدينا مجال للاعتقاد بأنه من نوع المؤلفين الذين يكتبون نسخة أولى، ثم يسحبها من درجه بعد عشرين سنة لأجل تنقيحها. وكل هذا يجعلنا نعتقد بأنه لم يستخدم أية مسودات نهائياً. لم نعثر أبداً على مسودات ولا على مخطوطات لم تستعمل، بل على العكس، أن اكثر مسرحياته غرابة ودهشة قد كتبت في لحظة التوقد، وفي انفعال ووجد حارق حمله على الكتابة تماماً مثلما كان يتخيل. إنه يبدأ دائما بسرد حكاية. وهنا، حسبما اعتقد، نرى الاختلاف بين صحفي- صحفي جيد- وشكسبير. إذا كتبنا لإحدى الصحف قصة جريمة، نكتبها بطريقة موجزة، مختصرة، وبمستوى كتابي واحد، بحيث يكون معظم الحدث سطحياً. لقد كان شكسبير يحترم ويراعي القصة جداً، وإن طريقته في الكتابة كانت مختلفة تماماً. كان يشعر بكل لحظة من اللحظات فهو لا يولي اهتماما للفعل فقط وإنما يهتم بكل ما يدخل أو يعقد علاقة مع الفعل نفسه، على جميع المستويات     . لهذا نراه مرغما على صناعة آلة عظيمة ومعقدة جداً، نسميها نحن " الشعر"، آلة بفضلها يستطيع المقطع الواحد أن يعطي في آن واحد معنى القصة ( التي يجب أن نجدها فيه ) والسجايا الإنسانية للشخصية ( التي يجب أيضاً أن نعثر عليها فيه)، باختياره للكلمة الدقيقة من بين العشرين ألف كلمة التي يمتلكها؛ أن يجد الكلمات التي ترجع الصدى؛ أن يعثر على الكلمات التي توحد كل مستويات الروابط التي تحملها في نفسها.

إن هذه الظاهرة تقدم مظهراً أخر.

لا يبلغ طول مسرحية شكسبير أكثر من طول أية مسرحية أخرى، وإن طول المقطع الذي تحتويه هو نفس طول مقطع جريدة يومية؛ ولكن الكثافة كثافة اللحظة -، هذا هو الذي يعنينا بالدرجة الأولى والأساس. إن هذه اللحظة تحسب حساباً للعديد من العناصر، وأولها اللغة الصورية، والكلمات أيضاً، بحيث تأخذ هذه الكلمات بعداً كبيراً لأنها لم تكن مجرد "معان " بسيطة.

حتى لو كان المعنى عنصراً من العناصر المهمة للحظات، فأنه ليس بأكثر من جزء مأساوي صغير لا معنى له إذا ما قورن بهذا الذي يمكن أن يوفره لنا الخطاب. إن المعنى هو هذا الجهد الفكري الهزيل الصغير الذي أفرطت وغالت في احترامه جميع الحضارات الغربية خلال الكثير من القرون. إن المعنى هنا موجود، ولكن فيما وراء المعنى هنالك " المعنى الموصول بالحياة بواسطة الصورة " وفيما وراء المعنى والصورة توجد الموسيقى، والموسيقى بمثابة كلمات تُعبر عن هذا الذي بقي متعذراً أو ممتنعاً على الخطاب المعنوي. إن التجربة الإنسانية لا تستطيع أن تُختَّزَل في معانٍ لا تتضح إلا بواسطة الموسيقى. من هذا أو نتيجة لهذا قد ولد الشعر، وذلك لأن الشعر توجد فيه علاقة دقيقة للغاية ما بين الإيقاع والنغمة، وما بين الاهتزاز والطاقة، التي تضفي على كل كلمة الحس والصورة في لحظة التلفظ بها، وفي نفس الوقت الذي يصدر فيها هذا البعد الآخر القوي من الصوت، وموسيقى الفعل والنبرة. وأنا أتلفظ بهذا القول، انتبهت إلى مدى الخطورة في ذكر كلمة "موسيقى". إن هذا لوحده يمكن أن يقود إلى سوء فهم مخيف. فبإمكان الممثل أن يقول مع قرارة نفسه: " آه .. لدي صوت موسيقي، إذن بمقدوري التكلم موسيقياً ". لنكن واضحين.إن موسيقى الفعل المعنى الشعري للموضوع يمتلك خصوصية رقيقة جداً؛ مثلما يمتلك الإيقاع الشفهي هو أيضاً خصوصية جد رقيقة، وإن ما هو مأساوي أن المدارس المسرحية في العالم كله قد قلصت واختزلت هذا التعقيد إلى سلسلة من الأنظمة والقوانين. وإذا علمنا الممثلين بأن شكسبير يكتب بطريقة خماسي التفاعيّل1 Pentamètre، وإن خماسي التفاعّيل مبنيٌ على بعض الأوزان، وإذا حاول الممثلون أن يوطنوا هذه الأوزان في خطاباتهم، فسنحصل على موسيقى جافة، خالية، وليست لها أية علاقة بالموسيقى الحية للكلمات.

لنرجع إذن إلى المسألة الرئيسية. أين هي مكامن الحياة في مسرحياته ؟ ما هي، وبكل بساطة، الظاهرة الشكسبيرية ؟ لقد كتب شكسبير، حسبما اعتقد، سبعاً وثلاثين مسرحية. في جميعها، علينا أن نحسب حوالي ألف شخصية، وهذا يعني بأن شكسبير نفسه- الذي لا نعرف عنه إلا القليل من الأشياء قد حقق في مسرحياته- انتصاراً حقيقياً وفريداً من نوعه في تاريخ الأدب كله. إنه نجح، على الأقل، لحظة بعد لحظة، في أن يلج وأن يتسلل إلى، وفي ألف وجهة نظر متغيرة وغير ثابتة. إذن، صار من الواضح جداً، أننا بمجرد ما نحاول اختزال شكسبير في وجهة نظر واحدة ومهما كانت وجهة النظر هذه، فإننا سنسيء إليه إساءة بالغة. وإذا قلنا بأن شكسبير كان فاشياً وتوجد في الحقيقة كتب تزعم بأن شكسبير كان فاشياُ، وبعض الإخراجات لمسرحية "كوريو لان" أرادت أن تبرهن على أن شكسبير كان يكره الشعب، وانه كان فاشياً- وإن مسرحية "تاجر البندقية" تثبت بأن شكسبير كان مقاوماً للسامية (وبخاصة ضد اليهود)، فإن مصدر جميع هذه المفاهيم المسكينة السيئة هو أن مقطعاً من المسرحية قد أغضبنا اشد الغضب، فجعلنا نقول: " آه، لهذا السبب قد كتب المسرحية ". إن نتيجة جميع هذه المحاولات قد اختتمت اليوم في موضوع الجنس. بحيث إننا نحضر، في الوقت الحاضر، ونشاهد جميع أنواع العروض التي غايتها الأولى والأخيرة هي البرهنة على أن المسرحية قد كتبت لأجل أن تكشف عن هذه أو تلك من العلاقات الجنسية المختبئة. وعندما ننظر إلى الأشياء بأكثر بعداً وكرماً، فإننا نلاحظ بأن شكسبير يمتلك تعاطفاً لا يتغير، ويتماها أيضاً مع كل المواقف المختلفة والمتغيرة، التي يضعها الواحد في مقابل الآخر بشكل دائم. وبهذه الطريقة، نكتشف أن من المستحيل تقريباً أن نحدد وجهة النظر الشكسبيرية، إلا إذا قلنا بأن شكسبير، يفهم أن ذاته يوجد فيها ألف شكسبير. ولكن لماذا كان فهم هذا وإدراكه يبدو بالنسبة لنا مهماً، إلى هذه الدرجة ؟ تأملوا الشكل المسرحي الذي فيه شكسبير يتوغل. إن هذا كان مثيراً مسبقاً، ومؤثراً جداً، أن يمنح المسرح الاليزابيثي تجربة مثيرة بقدر إثارة السينما منذ عشرين سنة أو ثلاثين. ( إن السينما التي قدم من خلالها ارسون ويلز فيلم "المواطن كينك" قد منحت العالم اجمع إمكانيات جديدة.) إن هذا الشكل المسرحي الجديد يستريح على سطح، يشبه تقريباً هذا الذي امسك به الآن، حيث بإمكان الصورة أن تذهب وتجئ عليه. وبما أنه لا يوجد ديكور، فيكفي أن يقول أحد الأشخاص: " نحن في غابة " لكي نجد أنفسنا في غابة، وإذا قلنا، بعد لحظة أخرى: " لم نعد نحن في غابة " تختفي الغاية. إن هذا التكنيك مازال أكثر سرعة من المونتاج السينمائي. في السينما نرى صورة الغابة كاملة، وبمجرد ما نقطع، هاهي صورة  كاملة أخرى أيضاً، ولنقل، صورة لمدينة برلين. ولكن هذين الشيئين متغايران. عندما يستدعى هذا التغير بكلام ممثل، فسيكون اكثر سرعة، لأن بإمكان الممثل أن يظهر ويخفي الغابة، داخل البيت الشعري نفسه، بمجرد ما يلفظ، كلمة " غابة " أو برلين، وأنتم وأنا، وأن يريكم لقطة كبيرة لوجه، يخترق قلباً، وتستطيع الغابة أن تظهر من جديد وتتلاشى ثانية. إن هذه السلاسة والتغير والتبدل أكثر تفوقاً من كل تكنيك سينمائي لم يخترع بعد. إن معمارية المسرح تساعد على ذلك كثيراً. إن المسرح الشكسبيري يعرض على هيئة بناء ذي مستويات عدة، ومستويات أخرى أكثر ارتفاعاً وتستخدم من وقت لآخر.

بينما أنا أتحدث، اشعر بأنني سوف أقول اليوم شيئاً ما يرعب ناس برلين. لا أدري إذا كنت سأجرأ على لفظ الكلمة التي ، عندما استخدمتها هنا منذ عشر سنوات، أشاعت الرعب والخوف في جميع الصالات. وهذه الكلمة كانت " ميتافيزيقيا Métaphysique* ". منذ عشر سنوات، وفي الجو السياسي الذي كان يهيمن على برلين، كان الشيء الوحيد الذي يحسب له حساب: وجهة النظر السياسية البحت التي تخص هذا أو ذاك. لنقل أن من المحتمل انه كانت توجد هناك أشياء أخرى صغيرة، وقديمة محافظة تضعف الدماغ. يجب أن تقول لي فيما إذا تغير الوقت وفيما إذا صارت كلمة " ميتافيزيقا " صارت أقل ضرراً وخطراً على الإنسان. ولكنكم تستطيعون أن تكونوا متأكدين بالنسبة لشكسبير وجمهوره، وبالنسبة للعصر الذي كان يعيش فيه، مع الخليط العظيم والكبير للشعوب التي  كانت في قمة التحول والتغير، مع الأفكار التي كانت تنفجر ومن ثم تخمد، كان يسود نقص كامل من الأمن. هذا بحد ذاته كان مبعث سعادة، لأنه يخلق الحدس العميق الذي يوجد وراء هذه الفوضى إمكانية غريبة للإدراك، لها علاقة مع نظام مختلف، مع نظام ليس له أية علاقة مع النظام السياسي. إن هذا الإحساس حاضر في جميع مسرحيات شكسبير، ومثلما كتب كوردن كريك** منذ مائة عام، إذا رفضنا قبول واقع عالم الأرواح، إذن فمن الأفضل أن نحرق جميع أعمال شكسبير، لأنها لم يعد لها أيّ معنى. لقد كان مسرح شكسبير مكاناَ للقاء ما بين المتفرجين والممثلين، حيث نستطيع أن نشاهد فيه لحظات مكثفة جداً من الحياة، لحظة بعد لحظة. في كل مكان المرئي يرافق بعداً غير مرئيّ، ولهذا السبب كان الفعل في جميع المسرحيات عمودياً وأفقياً في الوقت نفسه. بدأنا الآن نرى لماذا كان على كتابات شكسبير أن تكون متراصة ومركزة جداً. وأعتقد لو إننا قمنا للحظة بعمل مقارنة غير مرئية بين المسرح الشكسبيري والسينما المعاصرة، لاستطعنا أن نفهم شيئاً أخر أيضاً. ليس بسبب الحرية التي تسمح بها المشاهد الكبيرة والصغيرة، ومشاهد الحرب ومشاهد العرض، كلا، إن هذا مؤكد وإنما بسبب شئ ما مختلف تماماً. لا أعرف فيما إذا كان هذا قد اثر فيكم أكثر مما أثر فيّ: إن السينما قد وضحت لغة معقدة جداً واصطناعية كل العالم بات يفهمها. ترون لقطة عريضة، وفي اللحظة التالية ترون لقطة كبيرة، ثم بعد ذلك انتم في موضع آخر تماماً، ويبدو أن هذا التركيب المعقد جداً واضح لأناس كل الثقافات في العالم قاطبة، إلى كل الأوساط، وبإمكاننا أن نقول إلى كل المستويات التعليمية. لقد قال لي كوردن كريك، الذي عرفته وهو في عمر التسعين تقريباً: " لا أستطيع الذهاب إلى السينما " قلت له: " لماذا لا ؟ " فأجابني : " أنني جالس في مقعدي، أنظر إلى صورة الجبل، وفجأة تقفز الصورة وتتغير وإذا بوجه كبير ينظر لي، إنني لا أفهم شيئاً في هذا كله ".لقد كان كوردن كريك فريداً من نوعه. كانت لديه دائماً وجهات نظر خاصة، ولكنه شخص بوضوح اللغة الغريبة التي كانت السينما تمهد لابتكارها. غير انه الوحيد الذي كان يمتلك رد فعل على الشكل والصورة. في حين أن بقية الخلق قد سلموا بالأمر الواقع دون مشكلة وقبلوا بأن السينما ما هي إلا لغة بسيطة وطبيعية تتابع فيها اللقطة العريضة، واللقطة الكبيرة، وفجأة، تتحرك الكاميرا. في المسرح الاليزابيثي، كان يحدث نفس الشيء بالضبط مع الشعر. انه شكل غاية في التعقيد، يتكون من خلال كلام شخص لآخر بكيفية طبيعية وحياتية، وفجأة يستخدمان في حوار عادي، كلمتين بعيدتين جداً، لم تستخدما من قبل أبدا، بتاتاً. إن شكسبير يكتب نعوتاً وصفات غريبة، ويسمح لنفسه بأن يتنقل بين أوزان وإيقاعات لا نعثر عليها في الحياة أبدا. أو نعثر فجأة أيضاً على مسألة فلسفية في وسط جملة من الجمل، أو على لغز ميتافبزيقي لا يتجلى في ثرثرة عادية. إن هذا بمثابة لغة اصطناعية خاصة بالعارفين، ولكنه بالنسبة للجمهور الاليزابيثي لا يطرح أية مشكلة، الشيء نفسه بالنسبة لجمهور السينما اليوم، انه يبدو له طبيعياً جداً، طبيعي لأنه ضروري. إن الجمهور لا يتألف من مثقفين يقولون:" آه، هاهو أسلوب عظيم " أو انهم يختصمون حول " التسبيب والعلل الأسلوبية التي خلف كل هذا ". عندما كانت تعرض مسرحيات شكسبير أمام جمهور شعبي عريض، لم يتوفر لدينا أية معلومات تثبت أن شخصاً ما قد وجد بناء هذه الكلمات غريباً عليه إطلاقاً. لابد من انتظار العديد من القرون قبل أن يبدأ أحد الأشخاص بقول: أنا أعبد الذهاب إلى المسرح، لأنني أعشق فيه الجانب " الاصطناعي "، إن الجانب "الاصطناعي" قد دخل المسرح بعد العصر الشكسبيري، دخل مع الديكور، والمكياج، والرسم الخداع*، وإذا بهؤلاء الذين نسميهم عشاق المسرح لا ينفكون عن القول بأنهم: " يعبدون اصطناعية المسرح. " ولكن في الحلبة الشكسبيرية المفتوحة، والناس واقفون متحلقون حول المسرح، وسواء كان كل شيء فيها طبيعياً أم غير طبيعي، فانه يبدو وكأنه قد انحدر من الحياة مباشرة ".

عندما كتب شكسبير: " أمد مرآة نمدُّ مرآة إلى الطبيعة** "، أن هذا ينطوي على عكس وتصوير البشر في الحياة الحقيقية. لكن ليس بطريقة انعكاسية طبيعية، مثلما في الحياة، ولا بطريقة اصطناعية. عندما وصلنا إلى هذا المكان منذ قليل، رأيت صفيحة إعلان خط عليها كلمة "  Die Kultur" إن كلمة "  Kultur"، ملأتني خوفاً وذلك لأن بإمكان Die Kultur، أن تدعو إلى التفكير في: " إذا كان هذا اصطناعياً، فهذه إذن هي الثقافة " لا. إن المرآة الحقيقية للحياة ليست ثقافية أبدا، ولا اصطناعية مطلقاً، إنها تعكس ما هو موجود هنا. وإن المسرح لا يعكس السطح فحسب، وإنما يعكس هذا الذي يختفي خلف السطح من علاقات اجتماعية معقدة، ومن معنى نهائي، خاص بالوجود، وهذا النشاط الذي نطلق عليه اسم الحياة. بإمكان كل هذا معاً، أن يلتقي أو يتلاقى في المرآة الكبيرة. لكن أن تظهر الحياة هكذا كاملة عمل لا يصدق، ويحتاج إلى شكل يكون متماسكاً للغاية. لهذا السبب أعود ثانية إلى نفس النقطة. لحظة بعد لحظة لدينا مادة من الكثافة بحيث إنها تقتضي كل مصادر اللغة. واقصد الشعر. الشعر الذي ليس هو بالجميل، وإنما متماسك، ولغة مثقلة بالكثافة والقوة. لنعد إلى المشكلة الحقيقية، لنرجع إلى الحاضر. نرى اليوم إننا إذا أردنا أن نخرج مسرحية لشكسبير، فإن التحدي يكمن في مساعدة الجمهور على المشاهدة، والسماع بعيون وآذان الوقت الحاضر. أيّ إن ما يجب مشاهدته يجب أن يكون طبيعياً الآن، وفي الوقت الحاضر. وأن " يبدو طبيعيا "، يعني إننا يجب أن نخضعه للمناقشة ولا نعرضه للسؤال والجواب. ولو تساءلتم مرة واحدة: هل أن هذا طبيعي أم انه اصطناعي ؟ فيعني إنكم لا تفهمون شيئاً. إن الممثل عندما يتكلم وهو يتناول قدحاً من الماء، وإن هذا طبيعي، وفجأة، يلقي هذا الشخص نفسه في أحضان الشعر، فيقول خطاباً معقداً جداً- إن هذا يجب أن يبدو طبيعياُ أيضاً- وإذا أتى بحركة غريبة وشاذة، فإن هذا يجب أن يكون طبيعياً أيضاً. أن المشكلة في معنى أخر، تكمن في عملية تكيف هذه المادة إلى اللحظة الحاضرة، حيث الناس جالسون بين الجمهور، هنا، الآن.

لكن يوجد هنا فخ. لأن كلمتي "حاضر" و "معاصر" لا تعنيان الشيء نفسه. إن بإمكان المخرج أن يأخذ أية مسرحية من مسرحيات شكسبير فيجعلها معاصرة بطريقة عادية جداً وفظة. بإمكاننا على سبيل المثال أن نقوم بوضع الناس على المسرح فوق دراجات بخارية كبيرة وفي يدهم مسدسات وجعلهم يصفقون من على خشبة المسرح. هناك مئات الطرق والأساليب التي بموجبها يمكن اصطحاب عمل من الأعمال إلى حاضر سهل المعرفة. بلا شك، أن المخرج حر، ولكن هذه الحرية تضعكم حتماً أمام مسألة صعبة ومؤلمة. إنها تجبركم على فحص النص والكشف عنه مع بقائنا محترفين كثيراً، حساسين ومتفتحين. إننا مرغمون على أن نتساءل بصفتنا مخرجين، فيما إذا كنا على علاقة مع جميع مستويات الكتابة التي هي أيضاً غنية، خصبة، وذات معان ودلالات تحمل الحياة اليوم مثلما بالماضي. أو القرار بأننا لم نلاحظ هذه الاختلافات في المستويات، أو إنها ليست بالمهمة، أو إننا لا نبالي بها. نستطيع أن نفعل ما نشاء من الفعل، ولكن يجب معرفة الهوة الموجودة بين التحديث الفظ للنص والإمكانية المذهلة التي يحتويها والتي ظلت مجهولة. ومثلما لا توجد في المسرح إلا نصوص قليلة ثرية وجيدة، يجب الاعتراف بأننا نواجه خطراً لا يستحق منا هذا التعب. ومجمل القول: إن مقال جريدة البارحة لا يمتلك إلا بعداً واحداً وهو يمر بسرعة. أن كل بيت شعري لدى شكسبير بمثابة الذرة التي، إذا عرفنا كيف نجعلها تنفجر فإنها تحرر طاقة لا متناهية.

سؤال  –يبدو أنكم تشتغلون في باريس بطيبة خاطر، وهذا يعني، بأنكم تقدمون شكسبير باللغة الفرنسية، مثلما بالنسبة لمسرحية " من هناك؟ "، ما هو عدد مستويات الكتابة، التي تصفون بأنها  تتأثر بمجرد ما يشتغل عليها بلغة أجنبية، أم أنكم تجدون فيها فوائد؟

تبدو الجملة الإنكليزية المعقدة ذات النعوت الغريبة طبيعية جداً، ولكنها ما أن تترجم بإخلاص إلى اللغة الفرنسية حتى تصبح اصطناعية، ومفخمة وطنانة للغاية.

إذن على المترجم الفرنسي أن يختار ويبسط البيت الشعري لاكتشاف فصاحته ثانية، مضحياً بهذا الذي يشكل في اللغة الإنكليزية جزءاً من قيمته الحقيقية.

-                  هل توجد طريقة خاصة يعالج بها شكسبير العنف، الخراب، المظاهر السلبية للحياة، وهل مازالت تخصنا .

لقد اشتغلت على مسرحية لبيكت والسؤال الذي يتردد دائما هو: هل هو متشائم، وهل يتوجب علينا أن نكون متشائمين ؟ وإذا كان هو متفائلاً، هل يتوجب علينا أن نكون متفائلين اليوم ؟ انظروا، إن كل هذا ما هو إلا أكاذيب رجال سياسة. إن التفاؤل والتشاؤم أمام الواقع ما هما إلا كذب وكياسة. إن الموقف الثالث صعب جداً وذلك لأنه يفترض أن يكشف عن هذا الذي لا يطاق في الوضع البشري، وبالعكس، يكشف عن هذا الذي نجده ساطعاً، وكل هذا متزامن في آن واحد. عندما اشتغلنا منذ بضع سنوات على مسرحية "المهاباراتا "، قضينا وقتاً طويلاً في العمل عليها، وذلك لأن مسرحية " المهاباراتا " تتحدث عن الحرب، عن العنف والوحشية، وعن كل المواضيع التي يمكن أن نجدها في السينما المعاصرة. وتتحدث في الوقت نفسه عن الصراع الإنساني، في معناه العميق، كاشفة عنه بطريقة مختلفة جداً عن هذا الذي نراه في فيلم حول رعب الحرب. إن هذا بإمكانه أن يجعلنا نتشبث بالحياة أكثر مما نرغب بالانتحار. بالنسبة لي أن هذه هي النوعية الحقيقية التي نعثر عليها في التراجيديا الإغريقية، حيث كلما كانت الأحداث فظيعة، ازداد يقيننا بأنها حقيقية، وكلما عرفنا إنها حقيقة، رأينا بأنه لا مفر منها، هذا بالإضافة إلى ابتعاد رد الفعل الذي نمتلكه نحن بين صفوف الجمهور عن التواطؤ والانتحار. والغريب في الأمر، أن هذا يؤكد قدرتنا على الحياة، وأرى أن ذلك حاضراً في جميع أعمال شكسبير. خذوا على سبيل المثال، مسرحية " الملك لير ". نرى في هذه المسرحية، انه لا توجد ولا لحظة واحدة يستطيع فيها شخص ما أن يغمض عينيه عن قسوة الجنس البشري، علما بأن المسرحية ليست هي بعمل معتم، ولا هي بوجودية، ولا هي بالتي تريد أن تكشف أو تبرهن على أن الجنس البشري لا يساوي شيئاً، كما أنها لا تريد أن تنادي بالتعبير الساذج الذي يقول أن الجنس البشري نبيل وجميل. إن الأفقية والعمودية توجدان هنا في آن واحد، كي يتسنى لنا التقاطهما إذا شئنا، وإذا استطعنا.

-                    لماذا تربطون إمكانية شكسبير هذه، وذاكرته بهذه الجينات ( هذه العناصر الوراثية) ؟

 

أعتقد وبما أنكم لا تتفقون معي بأن الذاكرة العجيبة، ومَلَكة السمع والملاحظة هما جزءان لا يتجزءان من خصائص الغريزية للإنسان. إن المهم هو رؤية كيف استعملت جميع هذه الخصائص. وهنا بإمكاننا أن نرى أن شكسبير قد عاش تجاربه الخاصة منذ مسرحيته الأولى حتى الأخيرة بنشاط وكثافة كبيرين. وإن إمكانياته موجودة وظاهرة بشكل واضح منذ ولادته ومنذ تناوله الريشة لأول مرة، لتأليف مسرحيته الأولى. لكن، في الفترة التي كتب فيها مسرحيته الأولى لم يكن بعد قد عاش جميع التجارب والتساؤلات الإنسانية التي قادته ومكنته فيما بعد من كتابة مسرحية " هاملت "، و " الملك لير" و" العاصفة " آخر أعماله المسرحية. وهنا نرى علاقة مهمة بين هذا الذي هو غريزي وهذا الذي يتطور على طول وعرض الحياة.

-                    ما الذي بإمكاننا أن نفهمه من مسرحية " هاملت" على المستوى الميتافيزيقي ؟

 

أعتقد أن الجواب بالنسبة لمسرحية "هاملت" أسهل كثيراً مما هو بالنسبة لباقي المسرحيات الأخرى. وذلك لأننا إذا جردنا مسرحية "هاملت" من شخصية "الشبح"، لم تعد القصة كما هي. وإذا حذفتم شخصية "الروح" من مسرحية "حلم ليلة صيف" سوف لن تعد نفس المسرحية. بإمكاننا  أن نخترع قصة أخرى تتحدث عن رجل قتل من قبل أخيه، أو أن أبن تتملكه الشكوك فيقرر أن يثأر، ولكن سوف لا يكون هاملت. ففي مسرحية "هاملت" يوجد شاب يافع يتلقى صدمة لأنه يرى شبح أبيه، ومن خلال شبح أبيه، يعلم أن هذا الأب قد مات مقتولاً. واحد من الأسئلة التي هي في قلب المسرحية: هل هذا هو وهم ؟ إن كلمة "وهم" ماثلة هنا منذ البداية. هل هو وهم أم حقيقة ؟ انه ليس من الضروري الذهاب بعيداً جداً للتأكد أن كل من أزعجته هذه المسالة هو مضطرٌ للتساؤل حول جميع هيئات الحياة. إن هاملت، يضع علاقاته النسوية تحت المجهر، أيّ في تساؤل، يشك في نقاء وعفة فتاة شابه على الرغم من أنها تبدو واضحة مثل ماء النبع وطاهرة ونزيهة كلياً. ماذا يقصد من وراء كل هذا ؟ هل أن هذه الصورة الغامضة المجهولة التي تقول لهاملت: " عليك أن تقتل " هي سلطة تدعو للاحترام، أم لا. إن هذه ليست بالأسئلة السهلة والبسيطة، ولكنها جميعها قد طرحت من قبل الشيخ، ونفس الشيء يحدث في مسرحية " حلم ليلة صيف"، إذ تصبح جميع الأسئلة حول الحب أسئلة مادية بفضل تفاعلية ما بين الحب الجسدي ومستوى آخر، متجسد بالأرواح، ونفس الشيء ينطبق على مسرحية " العاصفة ": لقد كتبت هذا الصباح بعض الأسطر التي تخص مسألة اختلافات مستوى الكتابة في شكسبير. هاهو ذا أخر مقطع شعري في مسرحية " العاصفة "، وربما تكون أخر الكلمات التي لم يكتب بعدها شكسبير أبداً. وسيكون مهما جداً لو إننا نسمعها من وجهة نظر ممثل يبحث عن شخصية:

ونهايتي هي اليأس                Ma fin est le désespoir

إلا إذا أنقذتني          A moins qu’elle ne soit soulagée

صلاتكم                                      par la prière

 

وهي شديدة النفاذ حتى                   qui perce de telle

لتدرك الرحمة نفسها،               qu’elle prend d’assaut

وتصفح عن السيئات كلها.         Le pitié même et libere

tout fautes.

فكما تودون غفراناً لذنوبكم،            Comme vous voudriez

être pardonnés de vos crimes

بسماحكم حرّروني             que votre indulgence m’ accorde

La liberté

انه من المهم جداً امتحان هذا المقطع بالتفصيل لأن من خلاله نرى في آن واحد الإمكانيات والمصاعب التي تتضمنها جميع أعمال شكسبير المسرحية.

إن الجملة الأولى سهلة جداً وتمهد إلى موضع بإمكان كل واحد أن يفهمه من المرة الأولى:

ونهايتي هي اليأس                Ma fin est le désespoir

إلا إذا أنقذتني          A moins qu’elle ne soit soulagée

صلاتكم                                      par la prière

 

اسمعوا: إن كلمة  اليأس في اللغة الإنكليزية despair تتوافق أو تتطابق بالقافية مع كلمة صلاتكم التي هي. Prière

بإمكاننا أن نقرأ في  أيّ فندق أو مدرسة داخلية صغيرة يافطة معلقة على الحائط مخطوط عليها: ونهايتي هي اليأس Ma fin est le désespoir

إلا إذا أنقذتني            A moins qu’elle ne soit soulagée

صلاتكم                                        par la prière

 

إذا ألقى الممثل هذه الأبيات الشعرية في أيّ مدرسة داخلية للطلاب بطريقة غريبة، من غير أن يحسب حساب لفعل النص الذي هو ليس كلمة " صلاتكم la prière"، وإنما " صلاتكم وهي la prière qui " وإن " وهي qui" هذه بمثابة لحظة ترقب، لم يبت بها بعد. ما الذي يأتي بعد كلمة و" هي qui" ؟

وهي شديدة النفاذ حتى           qui perce de telle

لتدرك الرحمة نفسها،               qu’elle prend d’assaut

بعد ذلك تأتي كلمة ( "assaut "، التي يمكن أن يقابلها باللغة العربية كلمة " لتدرك "، وهنا تعني الآخذ عنوة) ونرى دائما في كتابات شكسبير، حينما يكتب، وعندما تعود ريشته من جديد إلى بداية البيت الشعري، أن هناك قوة خاصة دائما. إننا نشعر ونحس من خلال سياق الكتابة نفسه للمقاطع الشعرية بأن نهاية الجملة تشبه إلى حد كبير الارتفاع الموسيقي الذي يؤدي إلى ماذا ؟ ترقب. والكلمة التي تتبعها هي " رحمة pitié ". إذن، كيف نفهم بأن الصلاة ليس شديدة النفاذ فقط وإنما بإمكانها أن تدرك أيضاً (أن تأخذ الرحمة عنوة ؟) إن فكرة أخذ الرحمة عنوة فكرة غير مألوفة توجد قوة في الكلمات نفسها، وإن هذه هي كلمات غير منتظرة تماماً: إنني أخذ الرحمة عنوة. صلاة تأخذ الرحمة عنوة. يوجد هناك شيء عظيم وجبار ليس في الكلمات فقط، وإنما في الصورة، صورة شيء ما مجرد وفسيح جداً نسميه الرحمة، المهاجمة، المأخوذة عنوة مثل قلعة أو حصن. إنني أحاول أن أجعلكم تستشفون بأننا في نهاية الأمر إزاء شيئاً يتعذر تفهمه أبدا.

إن هذا أساسي، وذلك لأن العمل يدور كله، عندما يتوجب علينا إخراج أو تمثيل مسرحية من مسرحيات شكسبير، حول هذه المسألة: متى يكون لدينا الحق باليقين ومتى، يحدث العكس، فيكون الموقف الممكن الوحيد هو طرح سؤال بعد سؤال. لا أدري إذا كان يوجد اليوم بين الجمهور كاردينال* أو سلطة لاهوتية عليا تستطيع أن تقول لنا وبيقين مطلق ماذا يعني هذا المقطع:

وهي شديدة النفاذ حتى                    qui perce de telle

لتدرك الرحمة نفسها،               qu’elle prend d’assaut"

في رأي إن هذا قد كتب عن عمد وقصد من قبل شاعر لا لأجل أن يحبس معنى من المعاني وإنما من أجل أن يقف على سر خارق وخفي. ومثلما ترون انه يتابع فيقول بما معناه، إذا حدث وإن وقع هذا الفعل غير المفهوم، فإنه سيقود إلى الحرية:

وتصفح عن السيئات كلها.              Le pitié même et libere

tout fautes.

فكما تودون غفراناً لذنوبكم،              Comme vous voudriez

être pardonnés de vos crimes

بسماحكم حرّروني             que votre indulgence m’ accorde

la liberté

لو إننا تناولنا الآن هذه الكتابة المعقدة بشكل غريب، هذه الكتابة المرمية على سطح الصفحة، أنا متأكد، بأننا نستطيع أن نستخلص في حماس اللحظة واشتعالها، سلسلة من الكلمات: ( بأس- صلاة- عنوة- رحمة- السيئات- غفران- سماح- حرية).

إذا اعتبر الممثل أو المخرج أن هذه هي مجرد نهاية سعيدة، فباستطاعتنا أن نقول بأنه لم يكلف نفسه عناء سماع الكلمات.

إذا فكرنا بالحدود النمطية وقررنا بأن شكسبير لم يكتب المسرحية إلا كنص يدور حول الاستعمار، عندئذ فإننا نرفض أن نرى هذا الذي يريد أن يقوله من وراء كلمة  (حرّروني) الأخيرة التي تخص الحرية بكل معانيها وأبعادها وعلاقاتها التضمينية.

لا توجد ولا كلمة واحدة من هذه الكلمات التي استشهدنا بها تخرج عن السياق. إن  هذا المقطع بأكمله يؤدي بالضرورة إلى الكلمة الأخيرة، وإن الأسئلة التي يطرحها تستنطق حقيقية الحاضر حيثما لفظت. وكلما نظرنا اكثر إلى المواد الشكسبيرية كلما اكتشفنا اكثر أن هنالك دائما نقطة التقاء ما بيننا وبين مادة حية وأن هذا ليس عبارة عن وجهة نظر بسيطة أبدا.

تأخذ الكلمات حياة جديدة عندما تصبح نقطة التقاء مع ناس اليوم، سواء كانوا هؤلاء ممثلين، مخرجين أو متفرجين. وأن الهدف من وراء ذلك هو تركنا أمام أسئلة مفتوحة، والتي معها يجب أن نتناقش ونتجادل مرة ثانية أيضاً من أجل مصلحتنا.

بعد ذلك إنني استشهد بشكسبير طالباً منكم، " بسماحكم حرّروني " .

 

الملك لير: المسرحية هي الطريق

بيتر بروك وجورج بانو في حوار

ترجمة: محمد سيف

 

 

·                   جورج بانو:

لقد أخرجتم مسرحية الملك لير ثلاثة مرات. في المرة الأولى قدمتم نسخة قصيرة إلى التلفزيون مع الممثل اورسن ويلز، وبعد ذلك، اشتغلت مع بول سكوفيلد على العرض الكبير الذي قدمتموه عام 1962، هذا العرض الذي سجل انعطافا كبيرا في مقاربته مع النص بشكل خاص وشكسبير بشكل عام، وأخيرا أخرجتم الفيلم عام 1971، الذي ينضوي إلى استمرارية العرض دون أن يكون مجرد استئناف سينمائي له. لقد بدأتم عملك في هذه الأعمال الثلاث من المحور، الذي تسمونه "المسرحية الإجمالية "، وهذا مما لا شك به، ولكن هناك تَغَيُّرات قد جرت وطرأت على هذه الأعمال الثلاث. ما هو هذا الذي بقى وما هو هذا الذي قد تغير على طول وعرض هذه المقاربات الثلاث ؟

* بيتر بروك:

لا توجد مقاربات ثلاث  للير بقدر ما يوجد لير واحد وثلاثة مراحل. الأولى كانت بمثابة محاولة أو بالأحرى تجربة جريئة لفهم هذه المسرحية العظيمة. فيما بعد، جاء الفيلم الذي لم يكن إلا ثمرة عمل مسرحي سابق يعود الفضل له في الكشف عن المسرحية مثلما كانت عليه في المسرح. لكن، بمقدار ما كانت المسرحية حقيقية بالنسبة لاورسن ويلز كانت حقيقية بالنسبة لبول سكوفيلد، وإنني أصر على القول هنا، وذلك لأننا غالبا ما ننسى: عندما يتعلق الأمر في مسرحية كبيرة لشكسبير، فأن السبب الذي من أجله نقرر تقديم وإخراج المسرحية لا يأتي أو ينبع من ضروريات مسرح ذو ذخيرة مسرحية*يقول: (إننا محتاجون هذا العام إلى تقديم مسرحية الملك لير وذلك لأننا قدمنا في العام الماضي مسرحية "عطيل)، كلا، إن الأمر ليس كذلك، إننا نقدم المسرحية، لأنه في وقت محدد يوجد ممثل قادر على أن يجابه هذا أو ذاك الدور الكبير. في وقت متأخر جداً، إذا كنت قد قدمت مسرحية (العاصفة) في باريس وذلك لأنه كان يوجد في فرقتنا بعض الممثلين الذين بدو لي قادرين على فهم وبشكل متقن بعض الأشياء الموجودة في هذه المسرحية. إن هذا عجيب جداً، ولكنه حقيقي جداً أيضاً: بالنسبة لمسرحية من مسرحيات شكسبير، أن عملية تقرير تقديمها لا يمكن أن يأتي إلا من المادة الإنسانية، إلا من القناعة التي تقول بأننا أخيراً قد عثرنا على الممثل القادر على تحويل المادة الكتابية للنص إلى مادة حية فوق المسرح.

بالتأكيد، أن مسرحية لير صعبة التمثيل وغير ملائمة وغير مقنعة بدون ممثل كبير قادر على الاضطلاع بالدور الرئيسي، ولكن هذا ليس كل شئ. فعلى الرغم من العنوان هو، الملك لير، فان المسرحية الحقيقة هي عبارة عن شبكة معقدة جداً متأسسة على العلاقات ما بين الشخصيات. وبسبب هذا، أن المسرحية غنية بالأبيات الشعرية، ومئات المواضيع التي تعبر عن نفسها، وتتقاطع وأن معنى المسرحية نفسه ينبثق بالضبط من تعددية العلاقات لجميع هذه العناصر. لهذا السبب أن الطريقة الوحيدة للوصول إلى التجريب وإلى الفهم الذي نمنحه نحن لهذه المسرحية، هو الاشتغال عليها وتمثيلها مع مجموعة من الممثلين أمام الجمهور.

جورج بانو:

     إن اختيار الممثل لا يعتمد على خصوصياته الذاتية فقط، وإنما أيضا على قدراته على تحويل، الصورة المركزية للشخصية، من خلال حضوره، وبواسطة تمثيله. أنه يجيب على بعض القراءات، وبإسناد الدور إلى بول سكوفيلد، كممثل قدير، وفي الأربعينيات من عمره، إنكم تغيرون المقاربة بلير لكي تقترحوا ملك بكامل إمكانيات تقريباً يقرر أن يترك السلطة والجاه متمنياً من وراء فعلته تلك أن تنتفع بناته المحظوظات. لقد كان هذا لير آخر، مُسْتَبّد وقوي، وفي ريعان الشباب.

* بيتر بروك:

في مسرحية لشكسبير، أن أول شئ يمكن القيام به هو رؤية هذا الذي قد كتب، وهذا الذي يوجد هنا على الصفحات وبين السطور، عندئذ وانطلاقا من هنا تبدأ المساجلات والتجسيدات. صحيح إنني قد رأيت ممثلين كبار يلعبون شخصية الملك "لير" مثلما لو انهم يمثلون صنف بشري أحمق وعجوز لأجل أن يبرروا القرار الذي اتخذه بخصوص تقسيم المملكة بين بناته. ولكن يكفي الاستماع بهدوء وبساطة، وذكاء إلى الجمل الأولى التي يتلفظ بها "لير" وعندئذ ستستمعون إلى شيء آخر. إنكم سوف تصغون إلى الكلمات التي ستقوم بتشريف أي سياسي كان أو رجل دولة. انه يقول بما معناه: أنني لا أنتظر موتي كي يتسنى لي حل مسألة الإرث وخلافة المُلك، وإنما أقترح من الان تقسيمه بين بناتي الثلاثة لأجل هدف محدد. أنه يزعق بقناعته ويصرح بها منذ الجملة السادسة في أول خطبة له:

لقد صارت الآن مشيئتنا الراسخة أن نعلن

عن مهر كل بناتنا، اتقاءً من الآن

لكل نزاع في المستقبل.

إن الشخص الذي يؤكد على هذا ليس له أية علاقة بالطيش والنزق، بل على العكس، انه يكشف عن الحس العملي الجيد والسياسي لـ " لير". ثم أن المسرحية تكشف من خلال أفعالها المعقدة، عن الشخصية الحقيقة طبقة بطبقة، وذلك لأن لدى شكسبير لا يوجد أبدا تقديم بسيكولوجي مباشر للشخصية. إن " لير" يبدو من خلال أفكاره وأفعاله عن شخصية كرجل قوي بشكل خاص قادر على أن يثور ويغضب بشكل مهول وبهذه الطريقة نكتشف أنه على الرغم من تقدمه في العمر، قوي جدا من حيث البنية والبدن. إن هذه الَحيَوية الكبيرة مشار إليها بشكل واضح في المشهد الثاني لظهور للملك مشهد العودة من الصيد ويكفي النظر إلى المسرحية جيدا لكي نفهم أن الأمر لا يتعلق بتجسيد أو تمثيل شخصي من قبل ممثل معين، وإنما كل هذا موجود في المسرحية. وأن هذا " لير" الذي هنا، العجوز المستبد، هو في الحقيقة بأحسن أحواله، وقد أخفيت علينا أغواره الحقيقة كليا، هذه الأغوار التي تنفتح علينا وعليه في المسرحية، شيئا فشيئا. إن " لير" هذا سوف يتطور حتى يصل إلى القول في النهاية إلى كورديليا: (ولسوف نتحدث إليهم أيضا،

عمن يخسر ومن يربح، مَن الداخلُ ومَن الخارج،

وندعي فهَم غوامضِ الدنيا

كأننا أرصادُ الآلهة ).

يكفي قراءة هذه الجملة للتحقق من أن في بضعة كلمات صادرة عن شخص كان فيما مضى متوحش ونزق يصل في النهاية لأن يستعمل تعبير يليق بهاملت ! بل أنه بلغ مستوى من التفكير اعمق بكثير من هاملت وبروبسبير[4] أيضا. ذلك لأن " لير" يشبه هذا الأخير، أي بروبسبير، يستعمل جمل غاية في اللغز والغموض: " أرصادُ الآلهة " ماذا يُقصد من وراء ذلك ؟ انني أخذ مثالا صغيرا لكي أوضح أن بإمكاننا في نص من النصوص الذهاب يمينا ويسارا لأجل الوصول إلى فهم شخصية ما ليس من خلال التحليل السيكولوجي إن هذه هي الطريقة الوحيدة التي من خلالها يمكن الاقتراب من شخصيات شكسبير. إننا نقرأ جملة واحدة ثم نكتشف فيما بعد عشرات الصفحات كصدى لها. يجب السؤال عن سبب هذا التكرار. ماذا يريد أن يقول أو ماذا يعني بالضبط ؟ هكذا نتوصل إلى معرفة البناء ونفرح ونكتفي ببعض النعوت والوصف العادي من طراز "عجوز أحمق"، مستبد، طاغية، دكتاتور". فيما يخص " لير" أن هذا مُسَلَّم به، يقتني مقاطع وأجزاء كبيرة من هذه النعوت، ولكنه يمتلك أيضا خاصيات أخرى خفية كثيرة جدا. لهذا السبب أن الممثل المتكبر الذي يريد فرض رؤيته الخاصة على الدور لا يستطيع أن يفعل شيئا يذكر مع شخصية مثل " لير". يجب أن تكون كلك آذان صاغية لجميع مواضيع وثيمات المسرحية، مثل قائد الأوركسترا الذي يتبع في الآن الواحد، جميع خطوط وعقد العمل المقدم. عندما نكون إزاء شخصية مثل " لير"، يتوجب علينا أن نطرح السؤال التالي على أنفسنا: هل أننا نستمع إلى المسرحية، على أساس انها تعبير عن الحياة، أم أننا نستمع لها ونحن نفكر، في ذات الوقت، في الأدب ؟ إن الاختيار جوهري. فإذا تبنينا الموقف الثاني فأننا سوف نُقسم ونوزع الانتباه بين هذا الذي يحدث وبين الفكرة غير المعروفة عن هذا الرجل الذي هو شكسبير. ونظل نفكر دائما: بأن شكسبير هو الذي قد قال هذا، وماذا كان يقصد من وراء " أرصادُ الآلهة " ؟ إن هذا يقودنا في الاتجاه الذي يُفسد تمثيل مسرحيات شكسبير. إن الشروع في عمل مسرحية، والقول بأن الكائنات البشرية الموجودة هنا هي ممثلة للعرق البشري مُختَّلفٌ عن القول بأن هذه هي الشخصية الموجودة هنا وفي أيّ مكان أخر هي التي تؤكد هذا. إذن على الممثل أن يقتنع: " فإذا قلت كائن أنا أم غير كائن فأن هذا لا يعني انه تساؤل إليزابيثي، أو تساؤل شكسبيري بقدر ما هو تساؤلي أنا حقيقة وإذا قلته بصوت عال فذلك لأنني مقتنع به وبإمكان أشخاص آخرون أن يقاسموني به". إذن أن الاحترام الكبير يعني العمل على بقاء المسرحية وإلغاء المؤلف. إن جميع المسائل المتعلقة بالعصر الشكسبيري، والحروب الدينية، وفلسفة عصر النهضة التي ظهرت مثل مواضيع ضرورية جدا، ولكن ليست لازمة أو محتمة، انها لا تمتلك أية علاقة بالقوة التي يمكن أن توجد هنا، في هذا النص. الأبيات الشعرية أيضا، أننا لا نتعامل معها مثلما نتعامل مع الأبيات الشعرية التي يراد منها القيام بتقديم جميل لعَروض وعِلم نَظْم الشِّعْر، ولكننا في نفس الوقت لا نضحي بها أيضا وذلك لأن حضورها يبرر مسلكها من خلال حاجة عميقة؛ يجب اختراق المسرحية بشكل كافٍ لأجل الكشف عن هذا البناء الذي هو في الظاهر اصطناعي وغريب، ومتوحش ومدهش، وهو هنا لأجل التعبير عن شيئا ما وبدون هذا، انها، أي المسرحية، لا تستطيع التعبير عن نفسها خلافا لذلك. إن الحقيقة تكمن في المسرحية، بتمامها وكمالها.

أخذت أهمية خاصة

•          بيتر بروك:

نعم، وأن هذا جوهري.

•          جورج بانو:

لقد قلت منذ برهة بأن العلاقة فيما بينهما قائمة على نوع من التَصْفيد المبني

وذلك لأن إذا توقف " لير" عند نقطة معينة، فأن البهلول يذهب بعيدا جدا، مثلما لو انهما كانا مرتهنين بأخذ نفس الطريق وبالتناوب.

•          بيتر بروك:

إنني لم أقل أبدا شيئا ما سيكون خارجا من عندياتي أو من لبنات أفكاري، وذلك لسبب بسيط هو أن كل شيء موجود هنا، هو موجود في النص؛ أننا لا نحتاج لأن نمتلك أفكار. إذا قرأنا النص بنوع من الانتباه واليقظة، فأننا نكتشف الموضوع الذي وجد نفسه هنا، من البداية حتى النهاية، موضوع الرؤية والعمى. ماذا يعني هذا ؟ ماذا يعني رؤية واضحة وماذا يعني أن تكون أعمى ؟ ولكن بمتابعتنا لطريق سوفكلس القديم، نكتشف، انه من الصحيح، أن هذه الحالة الخاصة، تظهر لنا وبطريقة عظيمة، عن شخص صار أعمى بسبب عائلته. إن هذا رائع، وذلك لأن التاريخ هو أيضا يقدم نفسه، مثل حقيقة ومجاز.

إن موضوع العمى يخترق المسرحية كلها ويربط بشكل خاص الملك والبهلول. انه من المؤكد أن هذا الملك هو رجل شاذ، ومرعب، ومتغطرس مثل أي دكتاتور كبير بلغ مرحلة كبيرة وعميقة من العمى. انه يفهم بالكثير من الأشياء، فهو ليس بالغبي وإلا لكان قد قتل أو طرد من السلطة مثل أيّ رئيس ذات سلطة فردية مطلقة. لكن، على الرغم ذلك، انه بلا شك أعمى، في جزء من كبريائه وعجرفته، ولأسباب أخرى أيضا. ليس أنا من يعطي ويقوم بالشروحات، وإنما يوجد شيئا مؤكدا: هو انه أعمى، ولا يمنح ثقته الكاملة إلا لشخصين اثنين فقط، وذلك لأنهما يمتلكان صفات يحترمها ويفتقد لها في نفس الآن. الشخصية الأولى هي " كورديليا "، التي كانت لديه ثقة عالية فيها ولكن بسبب عماه وعدم رؤيته يطردها على مرأى ومسمع من الجميع. لهذا السب بالذات يطلق على المسرحية تسمية "تراجيديا ". ولكن توجد شخصية ثانية أيضا، وهي " البهلول" التي مثلما تريد وتقول التقاليد، انها تمتلك حرية عظيمة خاصة به لوحدها.

إن هذا المهرج، يعتبر استثنائيا، وذلك لأنه لا يقوم بإضحاك الملك المستبد فحسب، كلا، وإنما لأنه يرى بوضوح. انه يستطيع أن يكون انطوائي التفكير قليلا، مثلما نقول هذه الأيام، عقلية بسيطة، ربما "نعم"، وربما " لا ". يتوجب على الممثل الذي يلعب هذا الدور أن يقوم بالتحسيس إلى أيّ درجة أن هذا البهلول، يمتلك في أفكاره شيئا من البراءة القروية البسيطة، وفي ذات الوقت، بأنه كائن حاذق. إن تمثيل هذه الشخصية يثر الكثير من المسائل الحساسة جدا، ولكن ما هو مؤكد هو أنه يرى بوضوح وبطرقة مباشرة. وعلى هذا الأساس ينشأ علاقته المميزة مع الملك. انه يستطيع أن يقول له أشياء لا يقبلها من أي شخص آخر وحتى لو، أن الملك في بعض الأحيان يستثار ويحنق منه، فهو مع ذلك يحتفظ به إلى جانبه، وذلك لأنه مثل الأعمى الذي يسير مع كلبه. إنها علاقة عملية وضرورية بالنسبة للطرفين. إن هذا ليس بتجسيد أو تقديم بقدر ما هو موضوع فكرة رئيسية من المسرحية بكل صفاء وبساطة.

•          جورج بانو:

إن الملك " لير" هي أيضا مسرحية حول التكوين من خلال الألم، وعن الوصول إلى مستوى متفوق من الفهم في اللحظة نفسها التي يفقد " كلوستر Gloucester"، جسديا، النظر و" لير" العقل. إن الإشارة إلى انتصار العمى هذا، لا نستطيع أن نتعرف عليه في الجملة الأخيرة لـ"لير":

" يدخل حاملا كورديليا ابنته ميتة بين ذراعيه، وضباط "

اصرخوا وانتحبوا ! آه، يالكم رجالا من حجارة !

لو كانت لي ألسنتكم وعيونكم، لأعملتها

أو تتصدعَ قبة السماء. لقد راحت، إلى الأبد.

أنا أعلم متى يكون المرء ميتاً، ومتى حياً.

وقد مثل "بول سكوفيلد" الدور بطريقة مثيرة تجاوزت نفسها، وذلك من خلال هذا التحول الذي طرأ على الشخصية من أثر المعاناة والمكابدة

•          بيتر بروك:

لأن المسرحية يلزمها ذلك. إن مأساة "الملك لير" بمثابة رحلة مُسارّة*، ولو أننا نعتقد دائما أن رحلات المُسارّة حكرا على الشباب.  نرى هنا، أي في المسرحية، شخص ناضج، مثل "دانت Dante "، الذي يتورط في هذه الرحلة الطويلة. المقصود في العادة أن الناس يدخلون في الحياة ولكن مع " لير " الأمر يتخلف تماما. تقول المسرحية: إن الشيوخ الكبار في السن بإمكانهم أيضا أن يسلكوا طريق المُسارّة. نكتشف من خلال متابعتنا لسلسلة المراحل التي يمر فيه " لير " انه في كل مرة يفقد فيها شيئا من الأشياء، يربح شيئا آخر على صعيد الفهم حتى يصل بالنهائي إلى العوز ، الأليم، الفظيع، فهو يفقد سلطته، يفقد ابنته، يفقد عقله، يفقد عيون البهلول التي يرى من خلالها؛ إن الأحداث المتتالية عليه تأخذ كل ما لديه من سلطة وجاه لكي تحيله في النهاية إلى مجرد هيكل عظمي بلا لحم، ولا شحم ولكن مع ذلك، يبدأ تدريجيا، وضوح الرؤية في الظهور. وفي النهاية يرى بوضوح.وهذا هو طريق المسرحية. إن المسرحية هي بمثابة طريق.

•          جورج بانو:

في نفس الوقت، أن العمل بالنسبة لكم، على مسرحية "لير" أخذ معنى تحريري فني وذلك لأنه قادكم لاكتشاف مصادر الفضاء الخالي الذي لن تتوقف عن وفي الاشتغال عليه منذ ذلك الوقت. لقد وجدّ مسرحكم الخاص تقريبا من خلال تجربة "لير". وانه لا يزال يحمل ذات الطابع حتى اليوم. هذا بالإضافة إلى أن كتابكم " الفضاء الخالي"، يكاد يكون هو الآخر ثمرة من ثمار تجربتكم مع مسرحية "لير".

لقد ذكرتم مرارا وتكرارا، بأنكم قد أقدمتم على خطوات جريئة عندما أبعدتم الديكور وذل من اجل متابعة تطور "لير" فوق خشبة المسرح الإليزابيثي المثقل قليلا بالديكور. ولكنكم إذا كنتم قد ضحيتم بالسينغرافية في المعنى الكلاسيكي للكلمة، فأنكم لم تبعدوا جميع عناصر خشبة المسرح المادية والمرافقة الحقيقية لتمثيل بعض الشخصيات، في بعض اللحظات والمواقف. لقد استعملتم في مشهد العاصفة، عندما يجابه "لير" الطبيعة الهائجة ألواح كبيرة من النحاس الصدأ التي كانت تنتج أثناء اهتزازها تأثير صوتي خاص وموحيّ. لم يكن يقصد من وراء ذلك العودة إلى تكنيك التغريب البريشتي، ولا هو رغبة، في التذكير أو الحنين إلى الطرق القديمة للمسرح، مثلما حدث مؤخرا في عرض " شتلر Sterhle"، في مشهد العاصفة، حيث الملك يواجه لوحده الصخب الشديد والعنيف الناتج عن حركة الألواح النحاسية المزنجرة؛ وبهذه الطريقة فقد وضحتم لنا بانكم لم تقبلوا بفكرة الابتعاد الكلي عن ما هو مادي باسم تجريدية الفضاء الخالي الذي أقدمتم على اكتشافه. منذ ذلك الحين، وانتم تحافظون دائما وأبدا على هذه العلاقة بين المادي والمجرد، هذا الثنائي الذي يتأسس عليه مسرحكم.

•          بيتر بروك:

إن التغريب الذي تقترحه، والمتمثل في المجرد/المادي، يحمل في شكله ومضمونه مظاهر اللغة والحضارة الفرنسية التي نجد أنفسنا فيها الآن نحن الاثنين. لكن لنعود ثانية للحظات إلى إنكلترا أو إلى التفكير الإليزابيثي، يوجد في المسرح الإليزابيثي مبدأ يشتمل على إدارة الظهر إلى كل فكرة تخص الأسلوب، وإلى كل فكرة تتعلق بالفصل والتميز