صراع البقاء
والرحيل
في النص المسرحي ( الى جسر الائمة ) للكاتب فلاح
شاكر المنشور في موقع كتابات يوم 9 / 12 / 2006
يشخص محور مركزي يدور حوله الحوار المسرحي ويتراءى
عبره الحدث الذي كتب عنه النص ..الا وهو محور
الصراع بين البقاء والرحيل وبالتالي بين الامل
والياس وبصورة اعم واعمق بين الحياة والموت ..
متخذا من شخصية الشهيد عثمان علي فضاء دراميا لهذا
الصراع فهو الشاخص الحي رغم موته على ثيمة هذا
الصراع بين الياس من البقاء وبين الاصرار على
البقاء فهو في النص المسرحي ليس ميتا وانما هو
اسير في عربة معاقين او هو كسيح في عربة الياس مما
يجري ويحدث من حولنا حياتيا او حوله مسرحيا ..
فكانت عربته تمثل بئرا عميقا من الياس لا يمكن
انقاذه منها لا بحبل امل طويل ومتين .. واين يتوفر
مثل هذا الحبل في هذا الزمن الذي تحاول فئرانه ان
تقرض كل حبال الحياة واولها حبال الامل .. كان على
المؤلف ان يخترع او يبتكر حبل النجاة هذا وان يجد
صوتا فيه من الاقناع الدرامي والحياتي ما يجعل هذا
الصوت موازيا او مكافئا لرغبة الشخصية التي تشربت
بالياس وحسمت امرها على الرحيل الى اي مكان اخر
حتى لو كان هذا المكان قبرا آمنا .. !
فلا بد ان يقابل صوت الياس العالي او بالاحرى صوت
الموت صوت حياة قادر على كبح جماح الموت الزاحف
باتجاه اعز الاشياء لدينا حد ان تكون حقائبنا
مرزومة للرحيل دوما وكل سلام على بعضنا يكون
مصحوبا ببراءة ذمة من بعضنا البعض فغيمة الفراق
تحلق فوق رؤوسنا شئنا ام ابينا وكل مساء يمر لا بد
ان نفقد شخصا تحدثنا معه في الصباح او اننا نفقد
شيئا من الصباح لا نراه غدا في الصباح المقبل
عندما تتاكل الصباحات اوتسقط من تقاويم الايام
المتعبة .. لابد اذن من ضوء نهار كثيف يعادل كثافة
الظل الكثيف من الاحساس بالفقدان والتاكل .. من
هنا جاء هذا الصوت في النص المسرحي متمثلا في لحظة
استقبال الحياة وصرختها الاولى ويدها التي تسحب
الجنين من ظلام الرحم وتلقيه في نور الحياة ..
انها القابلة او الولادة المتمثلة بشخصية دكتورة
الاطفال والتوليد التي تمثل الامل والاصرار على
البقاء ومواصلة الحياة رغم اهوالها .. لقد وازنت
هذه الشخصية معادلة الشهادة بالولادة فاطمان
المؤلف لاكتشافه هذه الشخصية ذات المعادل الموضوعي
وراح يحملها كل نداءات الحياة والبقاء وراح يحارب
بصوتها النصي كل اشباح الموت او الياس الجاثمة على
صدر الارض والانسان الذي شهد الحدث الجلل – ماساة
جسر الائمة ذات الالف شهيد عراقي – هذا الانسان
الذي صار شاهدا وشهيدا ..الذي كان حبل النجاة
الاقوى والاطول لحياة الناس الذين كانوا يقاسون
الموت غرقا في نهرهم المحبوب دجلة
ما اقسى ان يموت الانسان في قعر ما يحب .. ما اقسى
ان يغرق الانسان حد الموت في نهر يعشقه .. ذلك
الشاهد المنقذ الذي تحدى الموت وخطف من يد الموت
ارواح عراقيين كان الموت قد سجلهم في قائمته
المائية ولكنه – الموت – اخطا الحساب حين خذلته يد
عراقية باسلة فاخرجت من بين فكيه اجساد وارواح
عراقيين زوار وارتفعت بهم الى سطح الاسطورة
العراقية الخالدة التي تترفع على كل المسميات سوى
عراقيتها وهويتها المتشبثة بالتراب العراقي
واصالته .. تلك الايادي الباسلة هي الان مسرحيا
كسيحة في عربة ياس وخذلان .. فلا بد من بسالة امل
تعيد الى تلك الايادي امجادها .. لا بد من يد تمتد
من ضمير الارض لتنتشل تلك اليد الغارقة في نهر
الياس بعد ان انتشلت الغرقى من نهر دجلة .. صار
لدجلة ضفتان او شاطئان شاطئ ياس وشاطئ امل من يغرق
الاخر او من ينتشله من الغرق هذا هو فحوى الحوار
بين محمد والدكتورة وقد كان لهذا الصراع او الحوار
تمهيد بحوار بين الدكتورة وام محمد كارضية للحوار
وتمهيدا للصراع الذي شكل العقدة المسرحية والثيمة
الدرامية لان اصرار ام محمد على الرحيل من المنطقة
القريبة من الجسر او منطقة الجسر هو رغبة بالتخلي
عن كل ما يمت للحياة بصلة الطفولة والصبا والمنزل
– الوطن وظلال الماذن التي تربت وترعرعت تحتها
ودجلة التي تستحم بعطره كل صباح وذكرى الزوج الذي
كان يعلم ابنه السباحة في امواج دجلة واحضانه
فماذا تبقى اليوم من عوامل البقاء فالزوج رحل
والابن غرق في كرسي الياس والتلاشي ودجلة نفسها
ابتلعت ابناءها والماذن تساقطت ظلالها على الارض
بفعل الشظايا وصوت الاذان انشرخ بنشيج الدماء ..
ولكن كل هذه الخسائر والانكسارات كانت متركزة في
قلب مفطور بالحزن هو قلب محمد الذي خذله صوت
الغرقى في اعماق الماء فاذا انتعش هذا القلب
انتعشت كل هذه الاشياء حتى الظلال تنهض من جديد
وتؤذن بصوت الحياة .. لذلك لم يكن قرار ام محمد
مهما رغم اعلانها الرحيل ورزمها كل مفردات حياتها
حيث انسحبت من المشهد المسرحي وتركت القرار
والخيار والصراع لابنها محمد محور الحدث والنسغ
الدرامي المتصاعد في المسرحية
لذلك كانت الدكتورة – صوت الحياة – مصرة على لقاء
محمد مركز الياس وبؤرة الصراع معه
الأم : تدّعين ذلك .. أرجوك أن تذهبي فأنا لا أريد
لمحمد أن يراك ، يكفي ما هو فيه
الدكتورة : بالتو أخرجت ثلاثة أطفال من رحم
أمّهاتهم لو لم أكن مُحبّة للحياة ما فعلت هذا ..
يجب أن أرى محمد !
الأم بألم : أرجوك كفى ، توقّفي ، لا أريده أن
يموت
الدكتورة : لا تريدينه أن يموت ولكنك تقتلينه
بالرحيل
اما الحوار – الصراع بين محمد والدكتورة فياخذ
ابعادا ومستويات تتكشف تباعا في التنامي الدرامي
في النص فاول هذه الابعاد هو الحوار العام بين
صوتين عراقيين احدهما يصر على الرحيل بعد ان تلبسه
الياس ويبحث عن أي فجوة للخلاص حتى صار ياسه عوقا
وكساحا والاخر يرى الخلاص في البقاء ومواجهة
المصير ويرى ان الرحيل هو ضياع للارض والذات وموت
خارج هذه الثنائية
الدكتورة : أنا دكتورة وأعرف وكلّ الأطباء أجمعوا
ليس من علّةٍ فيك .. ليس سوى اليأس
محمد : أنا مرتاح إليه .. لا أملك القدرة أو
الرغبة في الخروج منه ، اذهبي ودعيني يا دكتورة ..
أنت تؤذين راحتي
الدكتورة : ولا تجد راحتك أو قبرك إلاّ إذا
ذَهَبْتُ عنك وغادَرْتَ وأمّك المنطقة
محمد : رجوتك هذا شأني فاذهبي
الدكتورة : أنت شأننا يا محمد .. لست وحدك .. لقد
اندفعت ودافعت وأنقذت من الغرق ..
هذا هو المستوى العام للحوار أي ان الدكتورة كانت
تمثل الراي العراقي العام المدافع عن البقاء ولا
سيما لشخص مثل محمد دافع وانقذ .. كما ان المؤلف
استخدم موضوع الماء والعطش ليصل الى ثيمة مهمة تشد
من حوار البقاء الا وهي استخدام ذكر الامام الحسين
عليه السلام وربطه بقضية البقاء حد ان يصبح الرحيل
رمزا يشير الى شخصية الشمر قاتل الحسين والبقاء
يعني التمسك بمبادئ الامام الحسين فتضع البطل امام
خياري الانتماء الى الحسين ببقائه او الانتماء الى
الشمر برحيله
الدكتورة : أنا أبكي لأنك تحـب الشمــر
محمد : لا تذهبي انتظري وأخبريني من أين جاء رأسك
هذا الدم الأسود الفاسد وتتّهمينني أنّي أحبّ
الشمر
الدكتورة : انتصر عليه يا محمد واشرب
الدكتورة : اشرب ، فسيّدنا الحسين لا يحتاج إلى
أحفاد يقتلهم العطش ، اشرب ودع سيف الارتواء يقتل
شمرك
اما المستوى الثاني بين الشخصيتين من الحوار فيبدا
حين تعرف الدكتورة ان في الحاجيات المرزومة للرحيل
هناك رسائل غرام ورغبات وامال مكبوتة واحلام بقصة
حب مكتومة في افق الغيب :
الدكتورة : ولكن هذه رسائل غرام سريّة وصور إمرأة
محفوظة ككنـز الذهب لمن نعطيها بعد وفاتك
محمد بغضب وبعض الخجل : هاتـها .. هاتـها .. قلت
اتركيها .. هاتـها
ثم سرعان ما ينكشف المستوى الثالث من الحوار حين
تكتشف الدكتورة ان الرسائل موجهة لها وهي المحبوبة
المكتومة والامل المفقود بعد ان كانت تظن انها
تحبه من طرف واحد .. هنا كانت الصدمة التي عززت من
قوة الخطاب الروحي المحرض على البقاء بهذا المنعطف
النصي او المسرحي ازدادت كفة القدرة على البقاء
ثقلا وحلقت حمائم الامل في عيون العشيقين كاتمي
هواجسهما الواقفين على ضفتي النهر .. نهر الحوار
والبقاء الصعب ..
الدكتورة تلاحقه : لا شيء يأتي هكذا .. قل ما في
قلبك
محمد بتبرّم : لا شيء بقلبي سوى يأسي
الدكتورة : أصدّقك لو أقسمت
محمد بين التردّد والخجل : أنت .. أنت .. أنت أسوأ
ما في القلب
اما المستوى الرابع من الحوار فيتجلى حيت تلقي
الدكتورة تفسها في دجلة من الجسر متوجة محاولاتها
مع محمد بوضعه امام خيار انقاذ حبيبته من الغرق ام
البقاء في ضفة الياس حيث وضعته بتصرفها الاخير
امام رجولته وعراقيته وانسانيته وامام عودته الى
لحظات الامل و القدرة على الانقاذ فكانت اللحظة
الحاسمة لمحمد الذي خرج بها من كرسي ياسه وموته
والقى بنفسه في النهر لانقاذ حبيبته عابرا ضفة
الياس الى ضفة الامل من النهر لينكشف الحوار عن
لغة حياة جديدة واندفاع باتجاه النور الذي القته
يد الولادة امام عيني محمد مثلما تخرج طفلا من
ظلام الرحم الى نور الحياة ليولد محمد من جديد بعد
موته وياسه :
الدكتورة : لم تعد تخاف الماء من أين أتـتك هذه
الشجاعة ؟!
محمد : ما كان من الممكن أن أتركك تغرقين
الدكتورة : قفزت إلى الماء من أجل إنقاذي أم إنقاذ
رسائلك
محمد : من أجل إنقاذك طبعاً .. ولكنّك تجيدين
السباحة
الدكتورة : جريان الماء شديداً .. كنت سأغرق
ورسائلك لولا ذراعك التي تحيط بي الآن
محمد : لا أعرف .. غير أنّ قلبي ينبض الآن بشدّة
.. لم أعد خائفاً من الماء
الدكتورة : أنت لم تسألني عن اسمي
محمد : لم أعد أخاف الماء أو التعلّق بك .. من أنت
الدكتورة : اسمي كوثر .. هل تستطيع الآن أن تشرب
الماء دون أن تتقيّـأه .. جعلنا من الماء كلّ شيء
حي .
محمد : أنـا حي .. وكأني الآن في ماء الكوثر فكيف
أتقيّـأ الحياة أو أخاف منها
الدكتورة : ورسائلك
محمد : أُجـزم .. رغم كلّ شيء أنّ الوقت قـد حـان
للأحلام المؤجّـلة .
تنقسم المسرحية او النص المسرحي الى مشهدين الاول
هو مشهد البيت والثاني مشهد الجسر وفي الاول كانت
شخصية الام هي الواصلة بين الشخصيتين الرئيستين
محمد والدكتورة وفي الثاني كانت هناك شخصية
الكيشوان الذي ينتظر الغرقى الزوار وهو يحرس
احذيتهم فوق الجسر وكان النهر نفسه صار مزارا
لاحتوائه هذا العدد من الشهداء .. .
واخيرا اهدي هذه القصيدة التي كتبتها ايام حادثة
جسر الائمة ولم انشرها في حينها اهديها الى المؤلف
والى النص مع محبتي ..
عثمان بن علي
وجه في ذاكرة الماء
وكف للجسد المفجوع
بقافلة الشهداء
يد
تمتد من الاعماق
تسور قلب الوطن الام
بنور
ودماء
عثمان بن علي
تاريح الموج
المكتوب على رايات الحزن
جسر من ضوع
يمتد سراجا بين امام وامام
فاذا انثلم الفجر
وطاح الناس
فروحك عالقة في الافق
ترمم الجسر الحب
توحد تاريخ الغيم
عيناك عراق
ويداك نداء
وسلام
وحمامات الكاظم
في ميدان الروح
تنوح
يا موسى
مد يديك
اضرب بعصاك
لعل الماء .... يخجل
حين الدم يفيض
فيغيض !
ااذن للزوار عبور الجرح
فسلاسل من ماء
تقيد هذا الصبح
وتكبل بغداد بدجلة
ياماء ...!
هل في الضوء عزاء ؟
هل يعبر هذا الجسر الشهداء ؟
عثمان بن علي
اسمك يرسم وحدتنا
ويداك ..
هنا .. وهناك
جسران الينا
بين النورين وباب الحق
وروحك مفتاح الافق
اطرق باب حوائجك الان
اذن للصبح ..
فادخل للحضرة
زر
وليدخل
معك الشهداء .. !