
نورالدين محقق: أورفيوس
المغربي أو عازف الكمان
في مجتمع الكلمات !
حوار : سهيلة بورزق
كنت أحاول كتابته منذ مدة طويلة ،
تحريره من سؤال الدهشة ، تمجيده في معنى الحرف ، كنت أبحث
له عن كلمات تقوله بالمقلوب ، تؤرخ فيه جنونه وعمقه وسفره
وطموحه وانسانه المبتل بمطرالحب .
لم يكن لقائي به عبر النت فوضى و ثرثرة ، كان جنة فكر
ونقاشات عميقة البحث في أغوار الكتابة وجذورها لا سيما وهو
المختلف والمتنوّع في تخصصاته التي لو اجتمعت في قلب انسان
عادي لانفجرت سنوات عمره ثقلا .
هو المتوحّد في حبره الملتاع باللغات ، هو الألوان
المفتوحة على بياض من تشكيل ، هو قبيلة من التخصصات
الأدبية والفنية يباغتنا بها بدايات حب وجمال .
له ذاكرة حبرية مفخخة اختلاف ، مسافرة في الروح تغوص في
لحن الذات تمارس سلطتها بحثا عن سرّ الماء والزرقة و
المساء .
1- شاعر، روائي، قاص، باحث أكاديمي، ناقد فني وأدبي.إنسان
مزدحم عناوين، ما حقيقتك ؟
في البدء بدأت شاعرا وأعتقد أن الكتاب في العالم بأسره
يبدؤون شعراء ، إذ الكتابة ترتبط في الغالب بسن المراهقة
تحديدا ، ببداية الحب الأول وتفاعلاته ،بالرغبة في تأكيد
الذات والتعرف على أسرارها وخباياها ، والشعر يساعد على
ذلك باعتباره أكثر الفنون الكتابية ارتباطا بذات المبدع
.بعد ذلك جاءت الحكاية بتفرعاتها الأجناسية القصصية منها
والروائية . هكذا كتبت بعض القصص ثم شرعت في كتابة بعض
الروايات، وحين أقول هذا هنا سواء تعلق الأمر بالشعر أو
بالقصة أو بالرواية، فأنا أعني إرهاصاتها طبعا، إذ كل ما
كتبت في هذه المرحلة هو مجرد إرهاصات أولية ليس إلا ، بل
أذهب إلى أبعد من ذلك فالكاتب الحقيقي يظل دائما يسعى وراء
كتابة جديدة تتجاوز كل ما سبق أن كتبه ، ويظل يعتبر أن كل
ما أنجز من كتابات مجرد محاولات لا أقل ولا أكثر .
جاء المسرح بعد ذلك فشدني إليه وجاءت السينما لتغرقني في
بحرها وان على مستوى المشاهدة والكتابة النقدية السينمائية
فحسب. أما بالنسبة للفن التشكيلي فتلك قصة أخرى، فما من
شاعر مغربي بعيد عن هذا الفن، كل الشعراء المغاربة هم
فنانون تشكيليون على مستوى الإحساس والتأمل.محمد السرغيني
، محمد بنيس ، حسن نجمي ، عزيز أزغاي على سبيل المثال لا
الحصر .البحث الأكاديمي والمتابعة النقدية ، الأول ارتبط
بالتحصيل العلمي والثانية ارتبطت بالذوق الشخصي . هذا كل
ما في الأمر .
إنني لست وحدي في هذا المسار التعددي ...
حقيقتي أنني شاعر في قلب السرد وسارد يحمل شعلة الشعر في
قلبه !
2- لماذا الكتابة بالفرنسية لديك انحصرت في الشعر فقط دون
الرواية والقصة ؟
الكتابة باللغة الفرنسية عندي ابتدأت شعرا أيضا ، أحببت
الشاعر الفرنسي شارل بودلير كثيرا وقمت بترجمة بعض أشعاره
إلى اللغة العربية ونشرتها في الصفحات الأدبية لبعض
الجرائد المغربية مثل جريدة " الاتحاد الاشتراكي " وجريدة
" العلم " منذ مدة طويلة تعود إلى سنوات الثمانينيات ،
وحين انبثق الشعر بلغة الشاعر بودلير نفسه أرسلته إلى بعض
المجلات المغربية المكتوبة باللغة الفرنسية مثل مجلة "
فيزيون" و" أغورا" فتمت عملية نشره بسهولة لم أكن أتوقعها
.هكذا تجمع لي ديوانان قمت بنشرهما في سنتي 2006و 2007بعد
مرور أزيد من خمسة عشر سنة على كتابة بعض قصائدهما.
لا أكتب الشعر وحده باللغة الفرنسية ، أكتب أيضا بهذه
اللغة كل من النقد السينمائي والنقد الأدبي وكتاباتي هاته
توجد منشورة في كل من جريدتي
" البيان" و" ليبراسيون " المغربيتين، إضافة إلى كل من
موقعي " أفريك-سينما" و" جهة الشعر –القسم الفرنسي" طبعا .
لدي أيضا بعض القصص المكتوبة بهذه اللغة لكنها قليلة ولا
تؤلف مجتمعة لحد الآن كتابا قصصيا مكتملا. أرأيت كم أهذر
طاقاتي الأدبية إن وجدت طبعا في التشتت الأجناسي واللغوي
بلا طائل يذكر ؟
الشعر يشكل بالنسبة لي نافذة أرى منها العالم، وهي نافذة
تتسع لتملأ الكون بأسره ، وبما أني أحب الشعر فاٍن كتاباتي
الأولى دائما تنطلق منه لتذهب بعد ذلك نحو آفاق كتابية
أخرى ،في مقدمتها القصة والرواية ...
3- هل تعتقد أنّ الأدب المغربي حقق سلطة عالمية ؟
سؤال صعب، لكن مع ذلك أستطيع القول بأن الأدب المغربي له
حضور قوي ضمن الآداب العالمية الأخرى سواء على مستوى النشر
أو على مستوى التلقي.
نجد حضورا قويا لروايات الكاتب والمفكر عبد الكبير الخطيبي
رغم اتسامها بالعمق الفكري والبعد النظري ،فان قراءها
متعددو المشارب ، وهي حاضرة في ساحات الأدب العالمي بمختلف
مشاربه ، كما نجد أن كتابات الكاتب ادريس الشرايبي قد
تجاوزت حدود اللغة الفرنسية التي كتبت بها وأصبحت روايات
ذات بعد عالمي .
إذا أخذنا روايات الكاتب المغربي الطاهر بن جلون ،فسنجد أن
بعض رواياته قد ترجم إلى ألكثير من لغات العالم كما هو
الشأن مع رائعتيه:" طفل الرمال"
و "ليلة القدرّ " كما أن أغلب رواياته الأخرى نجد لها
حضورا قويا سواء في المؤتمرات الأدبية العالمية أو في رحاب
الجامعات. بخصوص الأدب المغربي المكتوب باللغة العربية
يمكن اعتبار روايات محمد شكري قد حققت لها حضورا لافتا
للنظر في هذا الباب، كما أن روايات مغربية عديدة أخرى قد
ترجمت ولاقت نجاحا في ساحات الأدب العالمي كما هو الشأن مع
رواية " لعبة النسيان" للكاتب محمد برادة التي وجدت لها
أكثر من طبعة في اللغة الفرنسية ، وروايات الكتاب المغاربة
محمد زفزاف و أحمد التوفيق و أحمد المديني و سالم حميش ،
وسواهم التي نقلت إلى اللفات الأوربية قد حققت حضورا
متميزا فيها .نفس الأمر يمكن قوله عن الشعر المغربي ، حيث
الحضور القوي للكتاب المغاربة الذين يكتبون باللغة
الفرنسية أو العربية أو اللغات الأخرى ، يمكن الإشارة في
هذا الصدد لكل من محمد بنيس و عبد اللطيف اللعبي و مصطفى
النيسابوري على سبيل المثال لا الحصر . الأدب المغربي حاضر
في الساحة الأدبية العالمية ، ويزداد حضوره يوما عن يوم ،
ويشمل هذا الحضور مختلف أجياله لا سيما الجديدة منها ....
4 - تقول : " السرد الشعري هو مأواي الحقيقي ، وكلّ كتّاب
السرد المتميزين هم قبل كلّ شيء شعراء حقيقيون حتى وان لم
يعلنوا عن ذلك صراحة " ألا تعتقد أنّك أخلطت بين الشّعر
والشاعريّة ؟ قد تكون التركيبة اللغوية لدى السارد شاعرية
الحبكة أما غير ذلك فأنا أختلف معك تمام الاختلاف .
كنت أقصد ما أقوله تماما .الشعراء الذي كتبوا السرد تفوقوا
فيه ، فكتور هيجو كان شاعرا كبيرا وقد كتب روايات كبيرة
ربما عرفت أكثر من شعره وحققت له شهرة كبرى .كزانزاكي كان
شاعرا كبيرا وقد كتب روايات عظيمة عدت من بين أهم الروايات
العالمية الكبرى وقد تميزت بشاعرية فذة.سليم بركات هو شاعر
كبير لكنه أبدع في رواياته وهو الآن صمن أهم الروائيين
العرب .ادوار الخراط شاعر كبير في رواياته بل انه في
الأخير قد أعلن نفسه شاعرا .قلت الشعراء يكتبون السرد جيدا
لأنهم يمتلكون اللغة ، فنحن لا نكتب بالأفكار بل بالكلمات
كما كان يردد دائما مالارميه . محمود درويش هو شاعر كبير
لكنه أيضا من بين كبار كتاب النثر في العالم العربي بل إن
سرده في " ذاكرة للنسيان" يضاهي إن لم يفق كثيرا من السرود
الروائية العربية المعروفة .هذا ما أردت قوله و هذا ما
عنيته بقولي إن كتاب السرد الحقيقيون هم شعراء في العمق
لأنهم يمتلكون قوة اللغة.
أنا هنا لا أقيم مفاضلة بين الشعراء والروائيين والمسرحيين
والقصاصين، لأنهم في نظري كلهم ينتمون إلى جنس
الكتابة.مسرحية "شهرزاد" لتوفيق الحكيم حين ترجمت إلى
اللغة الفرنسية، اعتبرت مليئة بالشعر وعد توفيق الحكيم
شاعرا كبيرا فيها. خلاصة الأمر أن تكتب في أي جنس أدبي
وتتفوق فيه فأنت شاعر بامتياز، كتبت في جنس الشعر أم لم
تكتب.
5-لماذا تحولت الرواية إلى أقوى النصوص في رأيك ؟
الرواية هي جنس منفتح على بقية الأجناس الأدبية الأخرى، من
هنا تأتي قوتها ويأتي سحرها.لكن هذا لا يعني أن غيرها من
الأجناس الأدبية الأخرى دونها قيمة. أبدا،الشعر اعتبر جنسا
أدبيا رفيعا وما يزال يحظى بهذه القيمة، القصة القصيرة
اعتبرها بورخيس جنسا أدبيا أقوى من الرواية لأنها جنس يكثف
عمق اللحظة ، المسرح ظل سيد الفنون وما يزال ..إذن المسألة
هنا مسألة اختيار ، لكن مع ذلك يمكن القول بأن الرواية
أكثر مقروئية من بقية الأجناس الأخرى ،ومن هنا كثر الطلب
عليها من لدن الناشرين أكثر من سواها ...
6-من هو هذا التشكيلي الذي يعربد فيك شيطانا بألوان الوله
والمطر والسؤال ؟
التشكيلي الذي أثارتني رسوماته إلى حد الوله هو سلفادور
دالي .انه يرسم الأحلام ،و عوالم الأحلام تثيرني وأريد
إعادة كتاباتها في أشعاري وقصصي ورواياتي . سلفادور دالي
مجنون أدخل الرسم إلى عوالم السوريالية بشكل إبداعي كبير .
أما بيكاسو فقد كسر بنية الحلم وأعاد تركيبها وفق تخطيط
سوريالي هائل ،و هو ما جعلني أنجذب إلى رؤاه هو الآخر .
أما بخصوص الفن التشكيلي ككل فهو يجذبني إليه كلما رأيت
لوحة أو شاهدت فيلما أو تتبعت مسرحية .الفن التشكيلي لصيق
بالحياة وبالكلمات أيضا ، فإذا كان الروائي في ذاتي قريب
من المهندس المعماري فاٍن الشاعر الساكن في قلبي قريب من
الفنان التشكيلي .
لعل روح التشكيلي المنغرس في الذات هي ما تدفع الإنسان
خصوصا إذا كان كاتبا للبحث عن تناسقية الأشياء والكلمات
...
7-نور الدين محقق من هي الإنسانة التي مدتك بكل هذا
الجمال؟
بكل بساطة وعمق أيضا، إنها أمي...
__________________
|
 |
التعليقـــات ..... |
|