|
:منتجب
صقر
/
باريس
عرضت
مسرحية "صلاة إلى بتول" في مسرح الأتينيه المجاور لدار الأوبرا غارنييه في
باريس طيلة شهر كانون الأول، حيث يقدم المخرج جاك لاسال رؤية إخراجيةً لهذه
المسرحية التي كتبها الكاتب الأمريكي فولكنر عام 1951 و أعدها بالفرنسية
الكاتب الفرنسي ألبير كامو عام 1957. و هذا التبادل الثقافي بين هذين
الأخيرين يبرهن على سمّو الأديبين العملاقين فولكنر و كامو وعلى البعد
العالمي للمواضيع الإنسانية التي تخص البشر أينما وجدوا. في مكان ليس
ببعيد عن مسرح الأتينيه قام الأديب الفرنسي ألبير كامو بعرض مسرحيته للمرة
الأولى والتي أشرف على إخراجها شخصيا ًفي مسرح ماتوران مارسيل هيرراد. كان
ذلك في العشرين من أيلول عام 1957 مع الممثلة كاترين سيللر. لاقت المسرحية
آنذاك نجاحا ً كبيرا ً حتى بلغت عدد العروض قرابة ستمائة عرض أغلبها في
الأقاليم الفرنسية المختلفة و في
أفريقياتجتمع
في هذا العمل المسرحي المشوق للغاية إثارة الرواية البوليسية و عظمة
التراجيديا الإغريقي على حد سواء. ولا يمكننا فهم قصة هذه المسرحية دون أن
نرجع إلى رواية فولكنر "المكان المقدس" التي كتبها عام 1951. و تدور أحداث
هذه الرواية حول قصة الفتاة تامبل دارك، وهي شابة تنحدر من عائلة جيدة،
فبعد أن تعرضت تامبل إلى حادث سيارة كان يقودها عشيقها غوان المدمن على
الكحول، وجدت لها ملجأ ً عند عائلة أخرى البوتليغيرز، و هي عائلة مشهورة
بجسارتها و سمعتها الحسنة. وهناك اختطفت تامبل ثم تم سجنها من قبل أحد
اللصوص بوباي في بيت معزول تماما ً عن العالم الخارجي.
في مسرحية"صلاة إلى بتول" نجد تامبل، بعد أن عانت من السجن،
متزوجة من غوان الذي كان مسؤولا ًعن الفضيحة التي ألمت بها. يرفع الستار
على مشهد إدانة الخادمة السوداء نانسي مانيغو التي كانت تربي الطفلة حيث
أنها اتهمت بقتل هذه الأخيرة. لكن، و في اليوم الذي سبق تنفيذ الحكم، ذهبت
تامبل، مدفوعة بنصائح محامي الخادمة السيد غافان، إلى حاكم المدينة كي
تلتمس العفو لها. و مع أنها اعترفت بالحقيقة كاملة ً و أنها أهملت طفلتها
عندما خرجت مع زوجها تاركة إياها وحيدة فماتت الطفلة في البيت، فإن ذلك لم
يمنع من إدانة الخادمة التي كانت ضحية بريئة لكذب تلك المرأة و زوجها. أما
الخادمة التي كانت على يقين أن عقوبة الموت ظالمة كانت تأمل بذلك الموت
الخلاص الروحي لنفسها و التطهر من كل الذنوب التي فعلتها في حياتها.
تركز هذه المسرحية على القمع الأخلاقي و العنصري اللذان كانا
يسودان في أميركا في بداية القرن العشرين، و ذلك بإضافة بعد رمزي
للتراجيديا الإغريقية. و يحاول جاك لاسال في رؤيته الإخراجية هذه أن يعطي
للعبة الممثل منظوراً جديدا ً يعتمد على تقنية الازدواج على المسرح. و هكذا
فعلى الخشبة المنارة بإضاءة خفيفة خادعة للبصر، و التي تشكل مرآة كبيرة أحد
جدرانها، يؤدي أبطال المسرحية أدوارهم فيقتربون و يبتعدون عن مقدمة المسرح
و كأنهم أطياف سينمائية تتحرك بحركة بطيئة مثقلة بشعور الذنب تجاه الجريمة
الذي يهيمن على روح العرض.
يكتشف المشاهد في هذه المسرحية أحداث اليوم الأخير الذي يسبق حكم
الإعدام بحق الخادمة، كما تبوح تامبل بالسر المكتوم الذي يلاحق ضميرها و
يكبلها بشعور الذنب و الألم. و في هذا الصدد تبدو المواضيع التي يطرحها
فولكنر واضحة في المسرحية: كالشعور بالذنب و تأثير الألم و الرغبة في
التطهير و التخلص من الذنوب. كان ألبير كامو قد ذكر تأثير التراجيديا
الإغريقية في هذه المسرحية، فالشخصيات الفولكنرية عليها أن تعيش مع تلك
الخطيئة الأصلية و أن تقبل بقدرها و هنا تبرز شخصية الخادمة السوداء نانسي،
التي كانت عاهرة في شبابها، فهي تمثل إرادة التطهير عبر قبول العقاب حيث
أنها قبلت الموت كي تنقذ سيدتها البيضاء. و رغم الأعذار التي كانت تتذرع
بها تامبل، لم يتمكن أحد، حتى زوجها، من منعها في التدخل لدى الحاكم لإنقاذ
الخادمة نانسي مانيغو ولالتماس الرحمة من أجلها و لتخفيف العقوبة عنها. دون
جدوى !
إن إعداد "صلاة إلى بتول" لا يختلف كثيرا ً عن إعداد تراجيديا
إغريقية حيث أن الخطيئة و القدر هما الموضوعان الرئيسيان اللذان تدور
حولهما أحداث المسرحية. و يمكننا أن نجد نقاطا ً مشتركة بين فولكنر وألبير
كامو له، فالاثنان أديبان كبيران يبجلان الحب و المرأة لكنهما يبتعدان في
نقطة أساسية و هي المشاعر الدينية. ففي المقدمة التي كتبها كامو لإعداد
المسرحية، نراه يشرح الأسباب التي دفعته لتغيير المشهد الأخير و الذي تفصح
فيه الخادمة السوداء نانسي عن إيمانها القوي و تعلقها بالمسيح. و لكنه لم
يستطع أن يغير صورة القداسة التي أعطاها فولكنر للخادمة السوداء.
تقول الممثلة ماري جوزي كروز أن اختيارها لتأدية دور بطلة المسرحية
تامبل يحمل الدور عبئا ً خاصا ً يتمثل بالشعور الذنب تجاه مجتمع الخطيئة
التي يمكن أن يذهب ضحيته أبرياء تماما ً كحالة الخادمة في المسرحية، إضافة
إلى أنها مسؤولية مهنية وفنية عالية و تكريس كامل لمملكة المسرح باعتبار أن
العمل يحمل توقيع الكاتبين الكبيرين فولكنر و كامو.
بعد أن قدم
المخرج جاك لاسال مسرحية "مدرسة النساء" لـ ِ موليير عام 2001، عرض عليه
مسرح الأتينيه إخراج "صلاة إلى بتول"، هذا العمل الذي يحتاج جهدا ً كبيرا ً
خصوصا ً و أن المسرحية كانت قد كتبت مرتين، مرة بقلم فولكنر في صيغة أولية،
و الثانية على يد ألبير كامو و هي صيغة معدة للعرض. و هذان الكاتبان كانا
قد اذكيا ذاكرة جاك لاسال الذي يعبر عن سعادته العارمة كونه احتفى بهما في
وقت واحد.
جاك لاسال هو
أحد أهم المخرجين المعاصرين في فرنسا، أسس استديو المسرح في فيتري عام 1967
و عمل فيه طيلة خمسة عشر عاما ً حيث قام بإخراج كثير من النصوص الكلاسيكية
ل موليير و ماريفو و غولدوني، إلى أن اتجه إلى إخراج النصوص المعاصرة
لأمثال ميشيل فينافير، كروتز، كونديرا. كما كتب مسرحيات عدة مثل: "زوج من
أجل الشتاء"، " بطاقة بحث".
02/11/2005
عن ايلاف |